الفجرُ المذبوحُ (9)
لا يستطيعُ أيُّ قلمٍ أن يكتبَ عن عاشوراء دونَ أن ترتجفَ بينَ أناملِهِ الحروفُ… وأيُّ لغةٍ تملكُ من السعةِ ما يحيطُ بسرِّ ذلك اليومِ الذي ضاقَتْ به الأرضُ على رحابتها، واتّسعَتْ له السماواتُ بأحزانها؟
عاشوراء ليسَ يوماً من أيامِ الدهرِ، بل هو وجعُ الدهرِ كلّهِ. وليسَ حادثةً طواها الزمنُ بين صفحاتِهِ الصفراء، بل هو جرحٌ إلهي مفتوحٌ لا يندملُ، كلما مرَّتْ عليه الأعوامُ ازدادَ توهجاً، وكلما تعاقبَتْ عليه الأجيالُ ازدادَ نزفاً وحضوراً، وكلما استذكرَتْهُ القلوبُ ازدادَتْ حرارةً وحرقةً…
لقد أقبلَتْ ليلةُ العاشر متثاقلةَ الخُطى، كأنَّها تحملُ على أكتافها أثقالَ المصائبِ التي لم تعرفِ الأرضُ لها نظيراً، كانَتِ النجومُ تحدّقُ في كربلاء بعيونٍ دامعةٍ كأنَّها تودّعُ سيدَ الشهداءِ الوداعَ الأخيرَ، وكانَتِ الرياحُ تمرُّ على الخيامِ مرَّ الأنين والأسى، وكانَتِ الرمالُ تتهيأ لاحتضانِ أجسادٍ ستكتبُ بدمائها أعظمَ فصولِ المجدِ والفداءِ، وفي قلبِ تلك الوحشةِ المتراميةِ، كانَ الحسين (عليه السلام) واقفاً بينَ خيامِهِ وقفةَ النبوةِ وهي تعانقُ الشهادةَ، وقفةَ اليقينِ وهو يبتسمُ في وجه المنايا، يعلمُ أنَّ الفجرَ القادمَ لن يشرقَ على الدُّنيا فحسب، بل سيشرقُ على ملحمةٍ داميةٍ ستبقى ما بقيَ الليلُ والنهارِ.
يا الهي...
ما أشدّها من ساعاتٍ حينَ يصبحُ الوداعُ لغةَ القلوبِ، ويغدو الصبرُ أثقلَ من الجبالِ، كانَ الحسين يطوفُ على أهلِ بيتِهِ كما يطوفُ القمرُ على نجومِهِ الأخيرةِ، ينظرُ إلى الوجوهِ التي أضناها القلقُ وأرهقها انتظارُ الفاجعةِ، فيسكبُ عليها من سكينةِ قلبِهِ ما يهونُ هولَ المصابِ، وكانَ يعلمُ أنَّ تلك العيونَ التي تكتحلُ برؤيتِهِ في تلك الليلةِ ستكتحلُ غداً بالدموعِ والدخان والأشجانِ…
أما العقيلة زينب... آهٍ يا زينب...
فكانَتْ تسمعُ أنينَ الغيبِ وهو يقتربُ، وتبصرُ بعينِ القلبِ ما تخفيه الساعاتُ القادمةُ، كَانَتْ تمشي بينَ الخيامِ وقلبها يتعثرُ بالوجعِ، وكأنَّها تحملُ في صدرها أحزانَ أمةٍ بأسرها، وحينَ بلغها صوتُ أخيها وهو يشكو إلى الدهرِ غدرَهُ، ارتجف فؤادها كما ترتجفُ الغصونُ تحتَ هبوبِ العاصفةِ، وأدركَتْ أنَّ الفراقَ الذي كانَتْ تستبعدُهُ قد مدّ ظلالَهُ السوداء على أرضِ كربلاء...
ثم أطلَّ صباحُ العاشر...
وما كانَ صباحاً، بل كانَ مأتماً كونياً عظيماً، كأنَّ الشمسَ خرجَتْ من خدرها مثقلةً بالسوادِ، وكأنَّ السماءَ ارتدَتْ ثوبَ الحزنِ، وكأنَّ الملائكةَ وقفَتْ على أبوابِ الفاجعةِ تنتظرُ ما سيجري على سبطِ الرسول وريحانتِهِ.
وفي ذلك اليوم لم تكن كربلاء أرضاً فحسب، بل كانَتْ محراباً عظيماً قدّمَتْ فيه أسمى قرابين الحقِّ، هناك تنافسَتِ الأرواحُ المؤمنةُ على الشهادةِ كما يتنافسُ العطاشى على الماءِ، وسارَتْ إلى الموتِ بوجوهٍ مشرقةٍ كأنَّها ذاهبةٌ إلى أعراسِ الخلودِ، وكانَ الحسين (عليه السلام) يرى أصحابَهُ يتساقطونَ حولَهُ نجماً إثرَ نجمٍ، وقنديلاً إثرَ قنديلٍ، حتى غدَتْ أرضُ الطفِّ سماءً من الكواكبِ المضرجةِ بالدمِ، وكلما هوى شهيدٌ منها، ارتفعَ في ملكوتِ الله (تعالى) نورٌ جديدٌ...
حتى إذا انفردَ الحسينُ بنفسِهِ، وقفَ ذلك الموقفَ الذي عجزَتِ اللغاتُ عن الإحاطةِ بعظمتِهِ، وتكسّرَتِ البلاغاتُ على أعتابِهِ...
وقفَ وحيداً، لكنّ الحقَّ كلّهُ كانَ معه...
وقفَ غريباً، لكنّ الأنبياءَ جميعاً كانوا في غربتِهِ...
وقفَ عطشاناً، لكنّ روحَهُ كانَتْ ترتوي من ينابيعِ الرضا الإلهي…
فما كانَ جسداً يواجهُ جيشاً، بل كَانَتِ السماءُ كلها تواجهُ ظلامَ الأرضِ الدامسِ ذلك اليوم...
وحين خرَّ على رمضاءِ كربلاء، لم يكن سقوطاً كما يتوهّمُ الغافلونَ؛ بل كانَ ارتقاءً مهيباً من حدودِ الترابِ إلى آفاقِ الخلودِ، سقطَ الجسدُ الشريفُ على الثرى، لكنّ رايةَ الحقِّ ارتفعَتْ فوقَ أعناقِ القرونِ. وخضّبَتِ الدماءُ الرمالَ، غير أنها في الحقيقةِ كانَتْ تكتبُ بمدادِ الخلودِ أعظمَ بيانٍ للحريةِ والكرامةِ، ومنذُ ذلك اليوم، لم تعد عاشوراء مجردَ ذكرى تستعادُ، بل صارَتْ نبضاً يسري في ضميرِ الأحرارِ، وصرخةً مدويةً في وجهِ الظلمِ، ومنارةً تهدي التائهينَ في دروبِ الكرامةِ…
فيا عاشوراء، يا فجرَ الدمِ المصلي على مذابحِ الحبِّ الإلهي، ويا نشيدَ الصابرينَ في وجهِ الطغيانِ، ويا دمعةَ السماءِ الساقطةَ على خدِّ الأرضِ منذُ أربعة عشر قرناً… ما زلْتِ كلما أقبلْتِ ألبسْتِ القلوبَ سوادَ الحزنِ، وأشعلْتِ في الأرواحِ مواقدَ الولاءِ، وأعدْتِ إلى العالمِ درسَ الحسينِ الخالدَ:
أنَّ الدمَ قد يراقُ، لكنَّهُ لا يضيعُ إذا كانَ في سبيلِ الحقِّ، وأنَّ الجسدَ قد يذبحُ، لكنّ المبادئ لا تذبحُ، وأنَّ كربلاءَ لم تكن نهايةَ رجلٍ عظيمٍ، بل كانَتْ ولادةَ الخلودِ.
.......
بين الدخان والرمضاء (10)
لمّا فرغَتِ السيوفُ من ارتشافِ الدمِ الطاهرِ، ولم يبقَ على أديمِ الطفِّ إلّا جسدُ الحسين (عليه السلام)، يوزِّعُ على الجهاتِ أسرارَ الخلودِ، أقبلَتْ جموعُ الغدرِ إلى فصلٍ آخرَ من فصولِ الجريمةِ، كأنَّ القتلَ وحدَهُ لم يشفِ غليلَ الأحقادِ المتراكمةِ في صدورٍ أعياها نورُ النبوةِ فأدمنَتْ معاداتَهُ...
هناكَ…
عندَ آخرِ شهيقٍ للنهارِ، كانَتِ الخيامُ تنتظرُ مصيرها الموجعَ، تقفُ صامتةً كأراملَ فقدْنَ للتوِّ أحباءهنَّ، وتنتشرُ حولها رائحةُ الفقدِ كغيمةٍ سوداءَ تظلّلُ رمالَ كربلاء، وفجأةً اندفعَتْ أيدي البغي تحملُ مشاعلها، لا لتحرقَ أوتادًا من خشبٍ أو أستاراً من قماشٍ، بل لتشعلَ النارَ في آخر ما تبقّى من سكينةِ الرسالةِ على ظهرِ الأرضِ، فاستفاقَتِ الخيامُ على ألسنةٍ من لهبٍ تتسلّقُ جوانبها كأفاعٍ جائعةٍ، وانطلقَتِ النيرانُ تلتهمُ أطرافها بشراهةٍ وحشيةٍ، حتى بدا المشهدُ كأنَّ الصحراءَ قد ارتدَتْ ثوباً من الجمرِ، وأنَّ السماءَ نفسها قد احمرَّتْ حياءً من هولِ ما ترى، وتناثرَتْ عقائلُ الوحي بينَ الدخانِ والرمضاءِ، تتقاذفهنَّ الفجيعةُ كما تتقاذفُ الريحُ أوراقَ الخريفِ الأخيرةَ...
بناتُ الرسالةِ اللواتي كُنَّ بالأمسِ يظلّلُهنَّ جناحُ النبوةِ، أصبحنَ يركضنَ بين اللهبِ والظلامِ، لا يدرينَ أيفررنَ من النارِ أم من قسوةِ القلوبِ التي أوقدتها…
يا له من مشهدٍ لو رآه الحجرُ لتفجرَ دمعاً، ولو سمعَتْهُ الجبالُ لمالَتْ من أثقالِهِ، فهذه السيدةُ زينب (عليها السلام) تجمعُ شتات اليتامى كما تجمعُ الروحُ أشلاءها بعدَ الانكسارِ، وهذه سكينةُ تفتّشُ في الدخانِ عن ظلِّ أبيها، وهؤلاء الأطفالُ تتعثرُ خطاهم بين الرمادِ كأنَّ الأرضَ نفسها قد ضاقَتْ بهم من شدةِ المصابِ...
ثم لم يكتفِ القومُ بما أشعلوا من نارٍ في الخيامِ، بل أشعلوا ناراً أخرى ليبقى أثرُها يلهبُ في القلوبِ مدى الدهرِ، هجموا على حرائرِ الرسالةِ هجومَ السلبةِ على الغنائمِ، فامتدَّتِ الأيدي الآثمةُ إلى ما عليهن من حُليٍّ ومتاعٍ، وسقطَتْ آخرُ الحجبِ لتظهرَ الوحشيةُ والحقدُ، عندها لم تعد كربلاء ساحةَ معركةٍ، بل غدَتْ مرآةً انكشفَ فيها أقصى ما يمكنُ أن يبلغَهُ الإنسانُ من وحشيةٍ حينَ يخلعُ عن قلبِهِ ثيابَ الرحمةِ…
غيرَ أنَّ النارَ -على اتساع لهيبها- أخطأتْ هدفها الأكبرَ، فقد كانَتْ تظنُّ أنها تحرقُ قضيةً، بينما لم تحرقْ سوى القماش، وكانت تظنَّ أنها تطفئ نوراً، بينما كانَتْ تزيدُهُ اشتعالاً في ضمائرِ الأحرارِ!
أحرقَتِ الخيامَ، لكنها عجزَتْ أن تحرقَ الكبرياءَ الزينبي، وأحرقَتِ الأستارَ، لكنها لم تستطع أن تمسَّ جلالَ الموقفِ الحسيني، وأحرقَتِ المتاعَ القليلَ، لكنها تركَتْ للأجيالِ كنزاً من المظلوميةِ لا ينفدُ، ودرساً من العظمةِ لا يشيخُ...
ومنذُ ذلك المساءِ، ما عادَتْ تلك النارُ مجرّدَ حادثةٍ عابرةٍ جرَتْ لتُدوَّنَ في الكتبِ، بل صارَتْ جمرةً مشتعلةً في وجدانِ المؤمنينَ، كلما هبَّتْ رياح عاشوراء توهّجَتْ من جديدٍ، وكلما ذُكرَتْ كربلاء ارتفعَ من رمادِ الخيامِ المحترقةِ صوتٌ يقولُ للأجيالِ كلها:
إنَّ الحقَّ قد يُطاردُ، وقد يُحاصرُ، وقد يحرقُ كلّ ما حولَهُ... لكنّهُ لا يحترقُ.
.................
حينَ انحنى الثرى هيبةً للدمِ المقدّس (11)
ثمةَ أيامٌ لا تمرُّ على الزمنِ، بل تمرُّ على القلوبِ… فتورثها ندوباً لا يطويها النسيانُ...
وثمةَ مصائبُ لا تكتفي بأن تُبكي العيونَ، بل تعصفُ بأركانِ الروحِ حتى يصبحَ الحزنُ فيها وطناً مقيماً، وكانَ يومُ دفنِ الأجسادِ الطاهرةِ من تلكَ الأيامِ التي وقفَتْ عندها الساعاتُ واجمةً، وانحنَتْ لها الأعوامُ خاشعةً، وكأنَّ الكونَ كلّهُ قد ارتدى حدادَهُ الأبدي وهو يرقبُ آخرَ فصولِ المأساةِ الحسينيةِ…
لقد أسدلَ الليلُ ستارَهُ على كربلاء، غيرَ أنَّ ظلامَهُ لم يكن أشدَّ سواداً من ذلك الحزنِ المتمدّدِ فوقَ الرمالِ، كانَتِ الأرضُ ما تزالُ تحتفظُ بحرارةِ الدماءِ الزكيةِ، والريحُ تمرُّ على مصرعِ الشهداءِ كأنَّها تتهجى أسماءهم شهقةً شهقةً، فيما بقيَتِ الأجسادُ المطهرةُ مضرجةً بأوجاعها، شاهدةً على جريمةٍ لم تعرف الإنسانيةُ لها نظيراً في القسوةِ والوحشيةِ.
وفي ذلكَ اليومِ المهيبِ، أقبلَ الإمامُ زين العابدين (عليه السلام) نحو الطفوفِ، لا يمشي على أرضٍ من ترابٍ، بل فوقَ بحرٍ من الأحزانِ المتلاطمةِ، كانَ يحملُ في صدرِهِ إرثَ المصيبةِ كلها، وفي عينيه بقايا المشاهدِ التي لم تغادرْ ذاكرتَهُ منذُ أن أُضرمَتِ النارُ في الخيامِ، وسُبيَتِ الحرائرُ، وخضَّبَتِ الدماءُ وجهَ الصحراءِ…
ساعدَ الله قلبه، ذاك الذي استطاعَ أن يقفَ أمامَ جسدِ أبيه الحسين (عليه السلام)، أيُّ روحٍ تطيقُ أن تجمعَ أشلاءَ النورِ المبعثرةِ على رمضاء كربلاء؟
كانتِ الجروحُ أكثرَ من أن تُعدَّ!
لقد تناوبَتِ الطعناتُ على الجسدِ الشريفِ حتى كأنَّها أرادَتْ أن تطفئ شمسَ الرسالةِ، غير أنَّ الدمَ الطاهرَ كانَ يكتبُ بفيضِهِ الخالدِ سطورَ الخلودِ فوقَ جبينِ الحياةِ…
وقفَ الإمام السجاد (عليه السلام) عندَ الجسدِ المباركِ، فأطبقَتِ المأساةُ على أنفاسِهِ، وغامَتِ الدنيا في عينيه.
أخذَ يحدّقُ في ذلك الجسدِ الذي أثخنَتْهُ السهامُ والرماحُ، وكأنّهُ يبحثُ بين الجراحِ عن بقيةِ قلبِهِ!
كَانَتِ الرمالُ تضمُّ الإمام الحسين كما تضمُّ الأمُّ طفلها الأخيرَ، وكانَتِ السماءُ تنظرُ إلى المشهدِ بعينٍ دامعةٍ، إذ لم يكن في الأرضِ ما هو أعظمُ من تلك الجثةِ التي احتضنَتْ مبادئ السماءِ كلها، ثم مضى بينَ الشهداءِ، يودعُ قمراً إثرَ قمرٍ، وكوكباً إثرَ كوكبٍ، فإذا بلغَ العباس (عليه السلام) خنقَتْهُ العبرةُ، فها هو ساقي العطاشى يرقدُ على ضفةِ الوفاءِ، مقطوعٍ الكفين، نازفَ البطولةِ، وكأنَّ النهرَ نفسَهُ كانَ يبكيه، ويعتذرُ إليه لأنّهُ لم يستطع أن يبلَّ شفتيه بجرعةِ ماءٍ…
وحينَ وقفَ عندَ علي الأكبر (عليه السلام)، رأى ربيعَ الشبابِ مضرَّجاً بدمِهِ، فرأى في وجهِهِ صورةَ الحسين (عليه السلام)، وفي شهادتِهِ انكسارَ قلبِ الأب الذي قدّمَ فلذةِ روحه قرباناً لله (تعالى)…
أما القاسمُ، ذلك الغصنُ الهاشمي الندي، فقد بدا كزهرةٍ داستها سنابكُ الغدرِ قبلَ أن تكتملَ مواسمُ تفتحها…
ثم تمتدُّ المأساةُ إلى الرضيعِ عبد الله، فتخرسُ الكلماتُ، ويتوارى البيانُ خجلاً من عجزِهِ، فما الذي يمكنُ أن يقالَ أمامَ طفلٍ لم يحمل إلى الدنيا سوى براءتَهُ، فاستقبلَتْهُ يدُ الجريمةِ بسهمٍ ذبحَ الطفولةَ على صدرِ أبيه!
هناك لا يبقى للغةِ سلطانٌ، ولا للفصاحةِ مجالٌ، فالمصيبةُ أكبرُ من أن تروى، وأوجعُ من أن تُحكى...
وكانَ الإمام السجاد (عليه السلام) كلما وارى جسداً تحتَ الترابِ، أحسَّ أن جزءاً من روحِهِ يوارى معه، لم يكن يدفنُ أجساداً فحسب، بل كانَ يدفنُ ذكرياتِ الطفولةِ، وأيامَ الأنسِ، وأصواتَ الأحبةِ، وظلالَ الوجوه التي كَانَتْ تملأ حياتَهُ دفئاً وطمأنينةً...
وكلُّ حفنةِ ترابٍ كانت تهوي على صدرِ شهيدٍ، كانت تهوي معها صاعقةٌ على قلبِ الإمامِ المثقلِ بالجراحِ…
ولم تكن تلك المراسمُ الجنائزيةُ حدثاً أرضياً وحسب، بل كانت ملحمةً كونيةً مهيبةً، فالملائكةُ تحفُّ بالمكانِ، والسماءُ تنثرُ دموعها على هيئةِ أنينٍ مكتومٍ، والأرضُ ترتجفُ تحتَ وطأةِ الحزنِ، وكأنَّ الوجودَ بأسرِهِ يشاركُ في تشييعِ الصفوةِ التي ارتقَتْ إلى الله تعالى مذبوحةً عطشى…
ومنذُ ذلك اليوم، لم يعد الترابُ تراباً، بل صارَ ذاكرةً تنبضُ بالشهادةِ، ولم تعد كربلاء أرضاً كسائرِ الأرضين، بل غدت قلباً يخفقُ في ضميرِ الإنسانيةِ، ومنارةً يتوارثُ الأحرارُ نورها جيلاً بعد جيلٍ، أما ذلك المشهدُ الخالدُ، مشهد السجاد (عليه السلام) وهو يجمعُ الأجسادَ المقطعةَ ويواريها الثرى بيدٍ مرتجفةٍ وقلبٍ منكسرٍ، فقد بقيت صورةً أبديةً تختصرُ معنى الوفاءِ والصبرِ والاحتسابِ.
سلامٌ على السجادِ يومَ حملَ أثقالَ المصيبةِ وحدَهُ، وسلامٌ على الأجسادِ التي عانقَتِ الثرى لتعلّمَ الدنيا كيفَ يكونُ الخلودُ، وسلامٌ على الحسين (عليه السلام) وأهلِ بيتِهِ وأصحابه، يومَ تناثرَتْ أجسادهم على الرمالِ، ويومَ احتضنتهم كربلاءُ في ثراها، ويومَ أشرقَتْ من دمائهم شمسٌ لا يأفلُ نورها ما دامَتِ السماءُ والأرضُ.
................................
ما أشبهَ النارَ بالنارِ! (12)
كأنَّ الأيامَ إذا أرادَتْ أن تفصحَ عن أسرارها أعادَتْ رسمَ المشاهدِ ذاتها، ولكن بأسماءٍ أُخرى، كأنَّ المأساةَ حينَ تعجزُ الكلماتُ عن استيعابها تكرّرُ نفسها لتظلَّ شاهدةً على عظمةِ المظلومِ وضآلةِ الظالمِ.
هنا المدينةُ، وهناك كربلاء، وهنا بيتُ فاطمة، وهناك خيامُ الحسين، غيرَ أنَّ الريحَ التي أوقدَتِ النارَ عندَ البابِ هي ذاتها التي عصفَتْ بأطنابِ الخيامِ، والقلوبُ التي لم ترعَ حرمةَ بضعةِ المصطفى هي ذاتها التي لم تعرفْ للخدرِ الزينبي قداسةً ولا للرسالةِ حرمةً، كأنَّ الزمنَ انحنى على جراحِهِ القديمةِ، ثم عادَ يفتحها بيديه...
فما بينَ البابِ المحترقِ والخيامِ المحترقةِ نسبٌ من الألمِ لا ينقطعُ، وما بينَ الزهراءِ الخارجةِ من خدرها إلى مسجدِ أبيها، وزينب الخارجة من خدرها إلى مجالسِ الطغيانِ، نَسَبٌ مِنَ الصَّبْرِ لا يَنْقَطِعُ، وَصَوْتُ حَقٍّ يَبْقَىٰ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ المَجالِسُ…
كأنَّ الزمنَ حينَ يعجزُ عن نسيانِ مآسيه يعودُ ليكتبها بالحبرِ ذاتِهِ، على صفحاتٍ أُخرى، بل يصرُّ أن يعيدَ إنشادها على مسامعِ الدهورِ، وكأنَّ الجراحَ القديمةَ تأبى أن تندملَ حتى تفتحَ من جديدٍ، فما أشبهَ ذلك اليوم الذي أحاطَتْ فيه الأحقادُ بدارِ فاطمة (عليها السلام)، فأُضرمَتْ هناك عندَ بابِ فاطمة...
كانَ اللهيبُ يتسلّقُ الخشبَ ليطرقَ بابَ النبوةِ، وكانَتْ بضعةُ الرسول (صلى الله عليه وآله) تخرجُ من وراءِ سترها، لا تحملُ في يديها إلّا وجعَ الرسالةِ، ولا في قلبها إلّا همَّ الحقيقةِ، خرجَتْ لتقفَ في وجهِ الانطفاءِ، ولتعلّمَ الأجيالَ أنَّ الحقَّ إذا حوصرَ بالكتمانِ، وجبَ على الصمتِ أن يتحوّلَ إلى خطابٍ…
ثم مرَّتِ السنون فإذا باللهيبِ ذاتِهِ يعودُ إلى كربلاء، لا ليحرقَ باباً هذه المرة، بل ليأكلَ خياماً سكنتها الطهارةُ، واحتضنتها الملائكةُ، وكأنَّ الأحقادَ القديمةَ لم تكتفِ بما فعلَتْ، فعادَتْ تستنسخُ جريمتها على نحوٍ أشدَّ قسوةٍ وأوسعَ ألماً، احترقَ البابُ يوماً، واحترقَتِ الخيامُ يوماً، وبينَ الحريقينِ كانَتِ السماءُ تقرأ المصابَ ذاتَهُ، ولكن بصوتين من نورٍ، فاطمة خرجَتْ من خدرها لتحفظَ وصيةَ أبيها من الضياعِ، وزينب خرجَتْ من خدرها لتحفظَ دمَ أخيها من النسيانِ…
فما أعجبَ هذا التشابهَ!
كأنَّ الابنةَ كَانَتِ المرآةَ التي انعكسَ فيها وجعُ الأمِّ، وكأنَّ الأمَّ كانت النبوءةَ الأولى لصبرِ الابنةِ، هذه وقفَتْ في مسجدِ المدينةِ، وتلك وقفَتْ في قصورِ الطغيانِ، غيرَ أنَّ الموقفَ كانَ واحداً، والرسالةُ واحدةً، والدمعةُ واحدةً، والوجعَ الممتدَّ بينَ القلبينِ واحداً، خرجَتْ فاطمة لا لتشكوَ مصابها، بل لتنتصبَ بملامحِ الرسالةِ كلها، ولتقيمَ الحجةَ على أمةٍ كانَتْ تسمعُ وقعَ انكسارِ الحقِّ ولا تهبُّ لنصرتِهِ… فارتفعَتْ كلماتها فوقَ جدرانِ المسجدِ، لا بوصفها خطبةً تُلقى، بل بوصفها صرخةَ السماءِ في وجهِ الأرضِ، ثم دارَتِ الأعوامُ دورتها الثقيلة، فإذا بزينب تقفُ حيث لا يقفُ إلّا العظماءُ، وقفَتْ على رمادِ الخيامِ، وعلى أنينِ الأطفالِ، وعلى فجيعةِ الأجسادِ المقطّعةِ فوقَ الثرى، تحملُ في قلبها كربلاء كلها، ثم تمضي إلى الكوفةِ والشام، لا أسيرةً كما أرادوا، بل وارثةً لمقامِ البلاغِ، وحاملةً لأمانةِ الدمِ التي عجزَتِ السيوفُ عن إسكاتها، يا لها من مشابهة تدمي الروحَ، يا زينب...
حين أخرجوكَ من بين ألسنةِ النارِ، كانت فاطمة تمشي معك في الطريقِ، وحين وقفتِ أمامَ ابن زياد ويزيد (لعنهم الله تعالى)، كانَ في صوتِكِ رجعُ ذلك الصوتِ الذي دوى يوماً في مسجدِ جدِّكِ، وكأنَّ الكلماتِ التي سقطَتْ من شفتيك لم تكن سوى أصداءَ خطبةٍ قديمةٍ ما زالَتْ ترتّلُ حزنها في ذاكرةِ الزمنِ...
إنها الحكايةُ نفسها، ظالمٌ لا يتغيّرُ، وحقٌّ لا ينكسرُ، ونارٌ تشعلها الأحقادُ، ونورٌ تعجزُ عن إطفائِهِ، فكلما أحرقوا باباً، أنبتَ الله تعالى من الرمادِ منبراً، وكلما أحرقوا خيمةً، أضاءَ من لهيبها صوتاً يفضحُ الجريمةَ…
وهكذا ظلَّتْ فاطمة وزينب آيتينِ من كتابِ الألمِ المقدسِ، إذا بكتْ إحداهما في المدينةِ، سُمِعَ نشيجُ الأُخرى في كربلاء، وإذا ارتفعَ صوتُ هذه بالحقِّ، ردّدَتْ تلك صداه عبرَ الصحارى والقصورِ...
فما أشبهَ اليومَ بالأمسِ، وما أشبه زينب بفاطمة!
نورٌ إذا حاصرَتهُ النارُ ازدادَ إشراقاً، ورسالةٌ كلما أرادوا دفنها، نهضَتْ من بين الرمادِ أكثرَ خلوداً وأشدَّ حضوراً، وشائجَ من النورِ تمتدُّ عبر الزمنِ، كأنَّ الابنةَ لم تكن سوى الصدى العظيمِ لصوتِ أمها، وكأنَ الأم كانت تمهّدُ للأجيالِ طريقَ الموقفِ الذي ستقفُهُ زينب بعدَ عقودٍ من الوجعِ، هناك أُريدُ للنارِ أن تطفئ صوتَ الزهراء، فإذا بها تزيدُهُ امتداداً، وهنا أريدُ للنارِ أن تلتهمَ آخرَ ما بقيَ من معالمِ الحسين، فإذا بها تُشعلُ في قلبِ زينب منابرَ لا تنطفئ، وكأنَّ الظالمين لم
يدركوا أن النارَ لا تأكلُ إلّا الخشبَ والقماشَ، أما المبادئ فإنَّها كلما لامستها النيرانُ ازدادَتْ توهجاً، وكلما حاصرها الطغاةُ ازدادَتْ رسوخاً في وجدانِ الأحرارِ.
فسبحانَ من جعلَ من الزهراء فاتحةَ الموقفِ، ومن زينب خاتمتَهُ المشرقةَ، هذه رفعَتْ لواءَ الحقِّ يومَ استوحشَتِ المدينةُ من صوتِ الحقيقةِ، وتلك حملَتْهُ يوم أظلمَتْ كربلاء بغيابِ الشمسِ التي سقطَتْ على الثرى، وإذا كانت فاطمة قد وقفَتْ بينَ جدرانِ المسجدِ لتدافعَ عن الإمامةِ المغصوبةِ، فإنَّ زينب وقفَتْ بينَ عروشِ الطغاةِ لتدافعَ عن الإمامةِ المذبوحةِ.
فيا للعجب...
كأنَّ الزهراء حين خطبَتْ كانَتْ تكتبُ السطرَ الأول من ملحمةِ الصبرِ، وكأنَّ زينب حينَ خطبَتْ كانت تُتمُّ السطرَ الأخيرَ منها، وهكذا ظلَّتِ الرسالةُ تمضي من قلبٍ إلى قلبٍ، ومن نورٍ إلى نورٍ، ومن جرحٍ إلى جرحٍ، حتى غدَتْ فاطمة وزينب صفحتينِ من كتابٍ واحدٍ، إذا احترقَ البابُ في أولِهِ احترقتِ الخيامُ في آخرِهِ، وإذا ارتفعَ صوتُ الزهراءِ في المدينةِ ارتفعَ صداه في الشامِ على لسانِ زينب، ليبقى الحقُّ مهما تكالبَتْ عليه الأعداءُ… عصياً على الاحتراقِ.
.........................
على أعتابِ الخيامِ…(13)
كانَ ذلك اليومُ أثقلَ من أن تحملَهُ الأرضُ، وأوجعَ من أن تتّسعَ له القلوبُ...
يومَ انفلتَ فيه الحزنُ من حدودِهِ، حتى خُيلَ إلى الكونِ أنّهُ يترنّحُ تحتَ وطأةِ مصيبةٍ لم تعرفها الليالي من قبلُ…
فكلُّ شيءٍ كانَ ينوحُ...
الرمالُ، والريحُ، وضفافُ الفراتِ، وحتى الصمتُ كانَ يقطرُ ألماً كأنّهُ جرحٌ مفتوحٌ في صدرِ الوجودِ...
لم يكن ما جرى مجرّدَ فاجعةٍ عابرةٍ، بل زلزلةٌ عصفَتْ بأركانِ الرحمةِ في الأرضِ، هجومٌ غاشمٌ على بيوتٍ ما عرفَتْ إلّا الطهرَ، وعلى قلوبٍ تربَّتْ في ظلالِ الوحي، وعلى خيامٍ كانَتْ تفيضُ بذكرِ الله (تعالى) كما يفيضُ الفجرُ بالنورِ، وما إن انطفأتْ سيوفُ القتالِ حتى اشتعلَتْ نارٌ أُخرى أشدّ قسوةً، أحاطَ اللئامُ بخيامِ الطاهراتِ، وتقدّمتِ الأيدي الآثمةُ نحوَ ما لم تمتدّ إليه يدٌ من قبل، عندها تراجعَ الضوءُ خجلاً، وغضَّتِ السماءُ طرفها حزناً، وأخذَتِ الفواجعُ تتدفّقُ تباعاً كالسيلِ إذا انهدَّ عنه السدُّ...
خرجَتِ العقائلُ من الخيامِ مذعوراتٍ، تتعثّرُ الخطواتُ بينَ ألسنةِ اللهيبِ وركامِ المصابِ، كانَتِ العفةُ ترفرفُ حولهن كجناحٍ مكسورٍ، وكانَ السترُ الذي لازمهن عمراً كاملاً يتساقطُ أمامَ قسوةِ المشهدِ كما تتساقطُ أوراقُ الربيعِ تحتَ ريحٍ عاتيةٍ، تلتفتُ مولاتنا زينب (عليها السلام) في الفضاءِ الموحشِ، تستنجدُ بوجوهٍ كانَتْ تملأ المكانَ مهابةً وعزاً، فلم تقع عيناها إلّا على أجسادٍ ساكنةٍ افترشَتِ الثرى والتحفَتِ السماءَ...
هنا العباس وقد سكنَ الصهيلُ في جوانحِهِ… وهناك عليّ الأكبر وقد نامَ على صدرِ الشهادةِ، وعلى امتدادِ الرمالِ تناثرَتْ نجومُ بني هاشم بعدَ أن كانَتْ تضيءُ آفاقَ البطولةِ، وكانَ القلبُ الزينبي يشتعلُ بينَ الضلوعِ احتراقاً لا يشبهُهُ احتراقٌ، مصيبةٌ تتوالدُ من مصيبةٍ، وجراحٌ تلدُ بعضها بعضاً، حتى غدا الحزنُ بحراً لا ساحلَ له…
اقتربَتْ من الأجسادِ الطاهرةِ، وكأنَّ الروحَ تريدُ أن تعانقَ الأرواحَ قبلَ الرحيلِ، كانَتِ الدموعُ تتسابقُ من عينيها فتغسلُ الوجوهَ التي غسلتها السيوفُ بالدماءِ، دموعٌ لا تكفي لفداحةِ الوجعِ، لكنَّها كانَتْ آخرَ ما تملكُهُ القلوبُ الوفيةُ عندَ لحظاتِ الفراقِ… مرَّ الركبُ ببطءٍ، فيما بقيَتِ الأرواحُ معلقةً عندَ ذلك المشهدِ المهيبِ، هناك على شاطئ الفراتِ كانَتِ البطولةُ نائمةً، وكانَتِ المكارمُ مضرجةً بالدمِ، وكانَتِ النبوةُ تودّعُ أبناءها في صمتٍ يفوقُ كلَّ الكلامِ، وفي خضمِّ ذلك الأسى، بدا وكأنَّ الأجسادَ الطاهرةَ تسمعُ النداءَ، نداءً خرجَ من قلبٍ أثقلَتْهُ الفواجعُ، فارتجفَتْ له الرمالُ، وماجَتْ له أرجاءُ الصعيدِ، نداءَ المحبّةِ الأخيرةِ، ونشيجَ الروحِ وهي تلوحُ لمن أحبّتْ قبلَ أن تمضي في دربٍ طويلٍ من الأحزانِ...
ثم انسابَ الركبُ مبتعداً، وبقيَتْ كربلاء خلفَهُ كجرحٍ مفتوحٍ في صدرِ الزمنِ، وبقيَتْ تلك الأجسادُ الطاهرةُ راقدةً على الثرى، لكنها لم تكن غائبةً، كانت حاضرةً في كلِّ دمعةٍ، وفي كلِّ خفقةِ قلبٍ، وفي كلِّ روحٍ تهفو إلى معاني التضحيةِ والوفاءِ…
ومنذُ ذلكَ المساءِ، صارَ للحزنِ وجهٌ يشبهُ كربلاء، وصارَ للوفاءِ صوتٌ يشبهُ زينب، وصارَتِ الدموعُ كلّما جرَتْ على الخدودِ كأنَّها تتمُّ وضوءها عندَ ضفافِ الفراتِ، حيث نامَ الأحبّةُ على ترابِ الشهادةِ، وبقيَتْ أرواحهم تملأ الدُّنيا حياةً ونوراً وخلوداً.
......................................
حين يعجزُ الدمعُ عن الوفاءِ (14)
لأبكينَّ على الحسينِ (عليه السلام) رزيةً!
ثمةَ أحزانٌ تنزلُ على القلوبِ كالغيمِ العابرِ، تلبثُ قليلاً ثم تمضي مع مواسمِ الأيامِ، وثمةَ مصائبُ تتجاوزُ حدودَ الحادثةِ لتغدو وطناً مقيماً في الذاكرةِ، كلَّما حاولَ الزمنُ أن يطويها أعادتها الأرواحُ أكثرَ حضورًا وأشدَّ اشتعالاً، ومن بين تلك الرزايا التي لم تستطعِ الأعوام أن تواريها خلفَ ستائرِ النسيانِ، تظلُّ كربلاء واقفةً كجبلٍ من الأسى، تلقي بظلالها على ضميرِ الإنسانيّةِ جيلاً بعد جيلٍ…
إنَّ بعضَ الوقائعِ تُروى بالأخبارِ، وبعضها يُحفظُ في الكتبِ، أما كربلاء فقد كُتبَتْ بمدادٍ من الدمِ والدموعِ، فلا تزالُ حروفها تنبضُ بالحياةِ كلما مرَّ ذكرُ الحسين (عليه السلام) على قلبٍ عرفَ معنى الوفاءِ، وكأنَّ تلك الفاجعةَ لم تقع في يومٍ من أيامِ الأعوامِ السابقةِ، بل وقعَتْ في قلبِ الزمنِ نفسِهِ، فظلَّ صدعها مفتوحاً لا يلتئمُ، وجرحها نازفاً لا تجفُّ دماؤه، ما أقسى أن يجتمعَ المجدُ والمظلوميةُ في رجلٍ واحدٍ، وأن تلتقي في شخصِهِ أنوارُ النبوةِ كلها، ثم يُتركُ وحيداً في صحراءَ موحشةٍ تتكاثرُ حولَهُ السيوفُ كما تتكاثرُ الذئابُ حولَ القمرِ الجريحِ…
هناك... لم يكن المستهدفُ جسداً يرادُ إسقاطُهُ، بل كانَتِ الفضيلةُ نفسها تحاصرُ، وكانَتِ القيمُ الإلهيةُ تُطعنُ في خاصرتها، وكانَ الحقُّ يُدفعُ إلى ساحةٍ أرادها الظالمونَ مقبرةً له، فإذا بها تتحوّلُ إلى منارةٍ تهدي الأجيالَ…
ولم تكنِ المأساةُ في أن الحسين (عليه السلام) قُتلَ، فالموتُ بابٌ يدخلُهُ كلُّ الأحياءِ، وإنَّما كانَتْ في الكيفيةِ التي اجتمعَ بها الغدرُ والقسوةُ والجفاءُ ليصنعوا مشهداً لم تعرفِ الإنسانيّةُ له نظيراً، فها هو سبطُ الرسول (صلى الله عليه وآله)، وريحانةُ الرسالةِ، يقفُ في آخر المطافِ بينَ رمالٍ تلفحها الشمسُ، وقد انفضَّ عنه العالمُ إلّا من ثلةٍ باعوا أرواحهم لله (تعالى)، فيما كانَتِ السماءُ تتهيأ لتشهدَ أعظمَ انتصارٍ أخلاقي عرفَتهُ الأرضُ على هيئةِ شهادةٍ، ومنذُ ذلك اليوم، صارَ الحزنُ على الحسين لغةً لا تحتاجُ إلى ترجمانٍ، تبكيه القلوبُ قبلَ العيونِ، وتنوحُ عليه الأرواحُ قبلَ الكلماتِ، لأنَّ الفاجعةَ لم تتركْ جرحاً فحسب، بل تركْتْ سؤالاً مزلزلاً في وجدانِ الإنسانِ: كيفَ استطاعَتْ يدٌ أن تمتدَّ إلى ذلك الطهرِ كلّهِ؟ وكيفَ استطاعَ الظلمُ أن يبلغَ من الجرأةِ ما يجعلُهُ يرفعُ سيفَهُ بوجهِ حفيدِ النبي؟
ولهذا لم يكن البكاءُ عليه انفعالاً عابراً، بل كانَ احتجاجاً صامتاً على كلِّ أشكالِ الظلمِ، وإعلاناً متجدداً للانتماءِ إلى جبهةِ الحقِّ، فالدمعةُ التي تُذرفُ عندَ ذكرِهِ ليست ماءً يسيلُ من العينِ، بل عهدٌ يتجدّدُ في أعماقِ الضميرِ بأن تبقى كربلاء حيّةً في القيمِ والمواقفِ، لا في الذكرى وحدها، وحين يقبلُ المحرمُ، تشعرُ الأرواحُ أنها تدخلُ موسماً من الحنينِ المقدسِ، تتوشّحُ الأيامُ بالسوادِ، لا لأنَّ اللونَ يكفي للتعبيرِ عن الحزنِ، بل لأنَّ القلوبَ تبحثُ عن أيِّ لغةٍ تستطيعُ أن تحملَ بعضَ ما يعتملُ فيها من الأسى...
غير أنَّ الحقيقةَ تبقى أكبرَ من كلِّ المظاهرِ، فمصابُ الحسين أوسعُ من أن تحتويَهُ الدموعُ، وأعمقُ من أن تستوعبَهُ المراثي، وأبقى من أن تستهلكَهُ السنون، فما زالَتْ كربلاء، بعدَ كل هذا الامتدادِ الزمني، قادرةً على أن توقظَ في النفوسِ شعورَ الألمِ الأول، وكأنَّ الخيولَ لم تبرح أرضَ الطفِّ، وكأنَّ النداءَ الأخيرَ ما زالَ يتردَدُ في أرجاءِ الوجودِ، وما زالَ المحبّون يقفونَ على أعتابِ الذكرى وهم يدركونَ أن ما يقدمونَهُ من دموعٍ وحزنٍ ووفاءٍ، على كثرتِهِ، ليس إلا قطرةً صغيرةً في بحرِ المظلوميةِ العظيمِ...
وهكذا يبقى الحسينُ حقيقةً لا يطويها الزمنُ، ونوراً لا تنالُ منه الظلماتُ، وجرحاً كلما مرت عليه السنون ازدادَ إشراقاً في ضميرِ الأحرارِ، ويبقى الحزنُ عليه شعلةً تتوارثها القلوبُ، لأنَّ بعضَ المصائبِ لا تنتهي بانتهاءِ الحادثةِ، بل تبدأ منها رحلةُ الخلودِ.
.....................................
على شاطئ الفاجعةِ... (15)
بعضُ المصائبِ تمرُّ على الإنسانِ فتُثقلُ قلبَهُ، وبعضها تمرُّ عبرَ الأجيالِ فتثقلُ أعمارَ الأُممِ، غيرَ أنَّ كربلاء كانَتْ من ذلكَ الصنفِ الذي لا يقفُ عندَ حدودِ الحادثةِ، بل يمتدُّ كجرحٍ سماوي في خاصرةِ الزمنِ، كلّما ظنَّ الناسُ أنَّ السنين أوشكت أن تسكتَ أنينَهُ، عادَ أكثرَ توهجاً في الضمائرِ، وأشدَّ حضوراً في الوجدانِ…
وفي قلبِ تلك الملحمةِ التي ازدحمَتْ بالمآذنِ المذبوحةِ والنجومِ المتساقطةِ، وقفَتْ زينب (عليها السلام)، لا كامرأةٍ فدَتْ أهلها، بل كقلبٍ احتشدَتْ فيه أوجاعُ الرسالاتِ، وكروحٍ أُودِعَتْ سرَّ الصبرِ يومَ عجزَتِ الجبالُ عن حملِهِ، كانَتْ ترى الشهادةَ وهي تزهرُ في أجسادِ أحبّتها كما تزهرُ الورودُ على حوافِّ الربيعِ، وترى السيوفَ وهي تحاولُ أن تطفئ نوراً خُلقَ من نورِ السماءِ، كانت ترى الأرضَ تضيقُ بالشهداءِ، فيما تتّسعُ لهم أبوابُ الخلودِ…
هنالكَ لم يكنِ الدمُ مجرّدَ دمٍ يسيلُ، بل كانَ آياتٍ حمراءَ تُكتبُ على صفحةِ الأبدِ، ولم تكنِ الأجسادُ المضرجةُ بالجراحِ أجساداً فحسب، بل كانَتْ منائرَ تهدي الأجيالَ إلى الطريقِ حين تتكاثفُ ظلماتُ الضلالِ…
ما القلبُ الذي يستطيعُ أن يحتملَ مشهدَ الحسين (عليه السلام) وهو يقفُ وحيداً في آخر الدُّنيا، وقد افترشَتْهُ الخيولُ بحذوتها، وتكاثرَتْ عليه الرماحُ كأنَّها أحقادُ الأممِ التي سلفَتْ كلها، وأيُّ روحٍ تبقى متماسكةً وهي ترى أبناءَ النبوةِ وقد افترشوا الرمضاءَ، فيما السماءُ من فوقهم تذرفُ نجومها حزناً، والأرضُ من تحتهم تتشرّبُ دماءً ستظلُّ أقدسَ من أن يجفَّ عبيرها؟
كانت زينب (سلام الله عليها) تمشي بين تلك الأجسادِ الطاهرةِ كما يمشي القلبُ بين أضلعِهِ المكسورةِ.
كلُّ جسدٍ هناك كان قطعةً من روحها، وكلُّ شهيدٍ كانَ نافذةً من نوافذِ عمرها أُغلقَتْ دفعةً واحدةً…
لكنها، رغم ذلك، لم تنحنِ أمامَ العاصفةِ، لأنَّ الله تعالى كانَ يُعِدُّ لها دوراً آخر؛ دورَ الشاهدِ الذي لا يموتُ، والصوتِ الذي سيحملُ كربلاء من حدودِ المكانِ إلى اتساعِ الزمنِ...
ثم جاءَ المساءُ…
ذلك المساءُ الذي لم يكن غروباً لشمسِ يومٍ واحدٍ، بل بدا وكأنَّ شمسَ العالمِ كله قد انطفأتْ فوقَ رمالِ الطفِّ، خيّمَ الصمتُ على الأجسادِ المضرجةِ، غير أنَّ ذلك الصمتَ كانَ أبلغَ من ضجيجِ الجيوشِ، لأنّ الشهداءَ كانوا قد أتـمُّوا رسالتهم، وتركوا للدمِ أن يتكلّمَ...
وحين امتدَّتْ يدُ السبي نحوَ حرمِ الرسالةِ، لم تكن زينب أسيرةً كما أرادَ الطغاةَ، بل كانَتْ سيدةَ النصرِ الخفي، حملَتْ على كتفيها بقايا الخيامِ المحترقةِ، وآهاتِ الأطفالِ اليتامى، وأحزانِ الثكالى، ثم مضَتْ تخترقُ ليلَ الظلمِ بثباتٍ لو قُسِّمَ على الأزمنةِ لكفاها، كانت تعلمُ أنَّ السيوفَ تستطيعُ أن تقتلَ الأجسادَ، لكنَّها تعجزُ عن قتلِ المعاني، ولذلك وقفَتْ في وجه الطغيانِ وقفةَ الجبالِ الراسخةِ، تحوّلُ الدموعَ إلى وعي، والمصيبةَ إلى رسالةٍ، والدماءَ إلى مشاعلَ لا تنطفئ...
ومنذُ ذلك اليومِ، لم تعُدْ كربلاء أرضاً تضمُّ شهداءها وحسب، بل أصبحَتْ سماءً تظلّلُ الأحرارَ في كلِّ عصرٍ، ولم تعد مصارعُ الهاشميينَ قبوراً صامتةً، بل غدَتْ قناديلَ معلقةً في دروبِ الإنسانيّةِ، تُعلّمها أنَّ العقيدةَ إذا امتزجَتْ بالفداءِ صنعَتِ الخلودَ، وأنّ الدمَ إذا سُفِكَ دفاعاً عن الحقِّ تحوّلَ إلى نورٍ لا تقدرُ القرونُ على حجبِهِ…
سلامٌ على تلك الأرواحِ التي ارتقَتْ من رمضاءِ الطفِّ إلى سعةِ الخلودِ، وسلامٌ على زينب، تلك التي وقفَتْ عندَ آخر حدودِ الألمِ، فلم تسقطْ، بل رفعَتْ من بين الركامِ رايةً ما زالَتْ تخفقُ في ضميرِ الإنسانيّةِ، لتخبرَ العالمَ أنَّ كربلاء لم تكن نهايةَ الشهداءِ، بل كانَتْ بدايةَ الحياةِ في مدرسةِ التضحيةِ واليقينِ.
...............
صورةُ الحقِّ حينَ يُذبحُ... (16)
إذا أقبلَ العاشرُ من محرّمٍ، أقبلَ معَهُ وجعٌ ليسَ كسائرِ الأوجاعِ، كأنَّ الزمانَ يخلعُ أثوابَ أعوامِهِ ليعودَ مثقلاً إلى يومٍ ما برحَتْ جراحُهُ تنزفُ في ضميرِ الوجودِ...
يومٌ تكسّرَتْ فيه المآذنُ على حدِّ السيوفِ، وارتجفَتْ له السماواتُ والأرضونَ، وتفرّقَتْ على رمضاءِ الطفِّ شظايا النبوةِ وعبقُ الرسالةِ، حيث استحالَ الثرى محراباً للفداءِ، وقفَ الحسين (عليه السلام) وحيداً إلّا من الله (تعالى)، يحملُ على عاتقِهِ إرثَ الأنبياءِ جميعاً، ويدافعُ بقلبِهِ قبلَ سيفِهِ عن آخر ما تبقّى من نقاءِ الرسالةِ، كانَتِ الجموعُ تحيطُ به كما تحيطُ العواصفُ بشجرةٍ مباركةٍ أبَتْ أن تنحني، فيما كانَ هو يزدادُ شموخاً كلما ازدادَ الموتُ اقترابا...
ويا لعظمةِ المصيبةِ!
فلم تكن كربلاء مصرعَ رجالٍ وحسب، بل كانَتْ مذبحاً للفضائلِ، ومأتماً للحقائقِ الكبرى، ففي كلِّ شهيدٍ سقطَ، كانَتْ تنطفئ نجمةٌ من سماءِ آل محمد، وفي كلِّ جسدٍ افترشَ الرمالَ، كانَتِ الإنسانيّةُ تفقدُ صفحةً من أنقى صفحاتها...
ثم أقبلَ عليٌّ الأكبر، كأنَّ رسولَ الله قد عادَ في شبابِهِ وهيبتِهِ ومنطقِهِ وسمتِهِ، يمشي بينَ الخيامِ نوراً متجسداً، فكانتِ العيونُ إذا وقعَ نظرها عليه تراءى لها وجهُ الجدّ المصطفى، وكانَتِ القلوبُ إذا أصغَتْ إلى حديثِهِ خُيِّل إليها أن صدى النبوةِ ما زالَ يتردّدُ في جنباتِ الأرضِ، لكنّ القومَ لم يروا فيه تلك الملامحَ المقدسةَ، ولم يقرؤوا على محيّاه آياتِ الرسالةِ، بل أعملوا فيه سيوفهم حتى هوى إلى الثرى مضرجاً بدمِهِ، وعندها لم يسقطْ شابٌّ من بني هاشمٍ فحسب، بل انكسرَ في قلبِ الحسين ركنٌ من أركانِ الحياةِ، وارتفعَ إلى السماءِ أنينٌ لو وُزِّعَ على الدهورِ لأثقلها…
غيرَ أنَّ الفاجعةَ كانَتْ تخبّئ ما هو أوجعُ، فثمةَ مشهدٌ إذا ذكرَ خجلَتِ الكلماتُ من نفسها، وانكمشَتِ البلاغةُ أمامَ هولِهِ، وتضاءلَتِ العباراتُ مهما بلغَتْ من الفصاحةِ والبيانِ…
رضيعٌ...
غصنٌ غضٌّ من دوحةِ النبوةِ، ونسمةٌ لم تزل تتعلّمُ لغتها الأولى في الحياةِ، لم يعرفْ من الدُّنيا إلا دفءَ المهدِ وحنانَ الذراعين، كانَ العطشُ قد أضنى جسدَهُ الصغيرَ، فأخذَهُ أبوه نحو القومِ لا شاهراً سيفاً ولا طالباً نصراً، بل مُثيراً إنسانيةً ضاعَتْ من القلوبِ، لكنَّ القسوةَ إذا استوطنَتْ روحاً أجدبَتْ فيها ينابيعُ الرحمةِ، فانطلقَ السهمُ لا نحو مقاتلٍ يحملُ رايةَ الحربِ، ولا نحو فارسٍ يصولُ في الميدانِ، بل نحو نحرٍ صغيرٍ ما عرفَ إلّا البراءةَ، فيا لهولِ المنظرِ…
كيف اجترأتْ يدٌ أن تكتبَ بحدِّ السهمِ تلك الصفحةَ السوداءَ؟
وكيفَ استطاعَ قلبٌ أن يرى طفلاً يتلوّى من الظمأ ثم يجيبُهُ بالموتِ؟
عندها لم يكن الذي نزفَ دماً رضيعاً وحسب، بل نزفَتْ معه الإنسانيّةُ كلها. وانفتحَ في ضميرِ الزمنِ جرحٌ لا يندملُ، وبقيَ ذلك النحرُ الطاهرُ شاهداً على أنَّ الظلمَ إذا بلغَ غايته لم يفرّقْ بين شيخٍ وطفلٍ، ولا بينَ حاملِ سيفٍ وحاملِ براءةٍ…
ومع ذلك لم تنتصرِ السهامُ، فالدمُ الذي أُريقَ هناك لم ينحدرْ إلى الترابِ، بل ارتفعَ إلى الخلودِ. وتحوّلتْ تلك الأجسادُ الطاهرةُ إلى آياتٍ تُتلى على مرِّ العصورِ، وتحوّلَتِ الدموعُ التي جرَتْ على الخدودِ إلى أنهارٍ من الوعي، وتحوّلَتْ كربلاء من واقعةٍ إلى نبضٍ خالدٍ في وجدانِ الأحرارِ…
لهذا لا يبكي المؤمن الحسين لأن الحسين قُتل فحسب، بل لأنّهُ يرى في مصابِهِ صورةَ الحقِّ حين يُذبحُ، وصورةَ الفضيلةِ حين تحاصرُ، وصورةَ الرحمةِ حين ترمى بسهمِ الغدرِ…
ويبقى الطفُّ، بعد أربعة عشر قرناً، واقفاً على تخومِ الزمنِ كفجرٍ لا يغيبُ، تنبعثُ من رمالِهِ رائحةُ الدمِ الزكي، ويعلو من جنباتِهِ نداءُ الخلودِ، شاهداً على أنَّ ما كانَ لله لا تمحوه السنون، وأنَّ الدمَ إذا امتزجَ بالعقيدةِ صارً نوراً، وإذا اقترنَ بالحقِّ صارَ حياةً لا تعرفُ الأفولَ.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!