كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

كيف تقلب دماء القادة حسابات الإمبراطوريات؟

 في أدبيات الصراع التاريخي والسياسي، ثمة مغالطة تقع فيها دائماً القوى المهيمنة؛ وهي اعتقادها بأن غياب الجسد أو التنكيل به يعني نهاية الفكرة وصياغة مشهد الاستسلام. غير أن التاريخ، وخاصة تاريخ هذه المنطقة الممتد من كربلاء إلى قضايا العصر الحديث، يثبت العكس تماماً. فالدم في منطق المقاومة ليس علامة انكسار، بل هو المادة الخام لأقوى ترسانة إعلامية وجماهيرية قادرة على هدم الإمبراطوريات وسحق سردياتها.
 
في عام 61 للهجرة، جُمعت رؤوس الإمام الحسين وأصحابه على أسنة الرماح وسُيِّرت إلى الشام. كان الطاغية يزيد يظن، بحساباته السياسية الضيقة، أن هذا الاستعراض المرعب هو إعلان النصر الحاسم، وصك الغلبة الأبدية لعرشه. لكن المفاجأة التي لم يحسب لها الطغاة حساباً، هي أن تلك الرؤوس الشامخة تحولت بحد ذاتها إلى "فيلق إعلامي" صامت ولكنه ناطق بالحق.
بفعل الخطاب الزينبي الصاعق، ووعي الإمام السجاد، انقلبت الطاولة الإعلامية في عقر دار الخلافة الأموية. تحولت الرؤوس فوق الرماح إلى منابر تبث المظلومية، وتكشف زيف السلطة، وتهز وجدان العاصمة الاموية. وبدلاً من أن يكون المشهد إعلاناً لكسر الإرادة، صار بدايةً لزلزال أخلاقي وتاريخي قوض أركان العرش، وتحول "النصر العسكري" الموهوم ليزيد إلى هزيمة أبدية تلاحقه عبر العصور. لقد هزمت الرؤوس المحمولة إمبراطورية بأكملها بقوة الحقيقة والبلاغة.

اليوم، تعيد المعادلة ذاتها إنتاج نفسها بكبرياء أشد وزخم معاصر. فحين تتدفق الملايين لتشييع جثمان السيد الخامنئي ، فإننا لن نكون أمام مجرد مراسم عزاء تقليدية، بل أمام هجوم إعلامي وجماهيري مضاد ينسف مليارات الدولارات وسنوات التخطيط التي أنفقتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة.
لقد سعت الدعاية الغربية لسنوات طويلة إلى محاولة فصم العرى الثقافية والعقائدية بين شعوب المنطقة، والترويج لإنهاء فكرة المحور والمقاومة. لكن هذا التشييع المليوني يأتي ليمثل "استعراض القوة الروحية" الأكبر. إنه رسالة بصرية حاسمة، ومقالة واضحة يكتبها البشر بأقدامهم وحناجرهم، لتثبت أن عقيدة المقاومة ليست قرارات سياسية عابرة، بل هي هوية متجذرة عابرة للحدود والجغرافيا.
إن مشهد البحار البشرية وهي ترفع رايات الوفاء في العراق وايران، يمثل صدمة استراتيجية لصناع القرار في واشنطن؛ إذ سيفهمون من خلاله أن غياب القائد هو ولادة جديدة وجامعة للمنهج، وليس نهاية له.
إن وجه الشبه بين رؤوس الشام وتشييع السيد الخامنئي يكمن في "صراع السرديات". في الحالتين، ظن المستكبر (يزيد بالأمس، وأمريكا اليوم) أن تصفية القادة أو غيابهم سيمهد له الطريق لفرض روايته للأحداث وصياغة الشرق الأوسط وفق مصالحه.
لكن الحقيقة التاريخية والواقعية المستمرة تثبت مجدداً: أن السيف والآلة العسكرية قد يملكان القدرة على تغييب الجسد، ولكنهما يعجزان تماماً عن دفن الفكرة. تماماً كما قلبت رؤوس الشهداء الطاولة في الشام، فإن طوفان التشييع العظيم يقلب الطاولة على الإدارة الأمريكية ومؤيديها، ليؤكد للعالم أجمع أن الدماء حين تمتزج بالوعي تصبح أقوى سلاح إعلامي عرفته البشرية.

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول الكاتب فكرة أن تصفية القادة أو غيابهم لا تعني نهاية المبادئ التي يحملونها، بل قد تتحول إلى عامل يعزز حضورها في الوعي الجمعي. ويستند إلى واقعة كربلاء بوصفها نموذجًا تاريخيًا لانتصار الرواية الأخلاقية رغم الهزيمة العسكرية، ثم يقارنها بأحداث معاصرة من زاوية صراع السرديات وتأثير الحشود في تشكيل الرأي العام. ويخلص المقال إلى أن قوة الأفكار، في نظر الكاتب، قد تتجاوز أثر القوة العسكرية في رسم مسارات التاريخ.

مسيرة-الشهداء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!