هل هذا السؤال يدخل في باب محاولة تبسيط الحدث واختزاله في تفصيل مادي وتفويت المعنى الأكبر؟
ام هو مجرد عجز عن تفسير مشهد الحشد البشري الهائل الذي سار خلف النعش مودعاً؟
وهل خرجت الملايين من اجل صندوق وجسد فاني، أم هو إعلان بأن "الفكرة" لا تزال حية وتنبض في وجدان العواطف الجمعية ؟
في الواقع إن مثل هذا التساؤل يمس جوهر الفلسفة الاجتماعية والسياسية لكيفية تعبير الشعوب عن مواقفها، ويمكن تفكيك الرد على هذا الطرح من خلال مستويينرئيسيين:
أولاً: القيمة الرمزية والمعنوية (وهي الأهم)
في المشاهد التاريخية الكبرى، لا يعود الحدث مجرد طقس جنائزي شخصي، بل يتحول إلى استفتاء شعبي علني
والمشاركة جاءت كرسالة شعبية بالغة، ذلك إن خروج الملايين إلى الشوارع لم يكن مدفوعاً بـ"الجسد" كمادة فيزيائية، بل بالرمزية التي يمثلها الراحل.
والجماهير لا تخرج لتوديع جثمان حصراً، بل لتأكيد مبدأ، أو إعلان ولاء لنهج، أو الاحتجاج على واقع معين.
تجاوز الدعاية:
القول بأن التشييع "مجرد دعاية سياسية" يسقط أمام حقيقة أن الدول أو الجهات السياسية قد تنجح في حشد الآلاف أو عشرات الآلاف عبر وسائل الترغيب أو الترهيب،لكنها لا يمكنها مطلقاً حشد الملايين
ودفعهم إلى الشوارع طواعية لساعات طويلة وسط مشاعر حقيقية وصادقة، الكثافةالبشرية هنا هي فعل إرادي يعبر عن شرعية حقيقية وعمق جماهيري.
جسد الشهيد مقابل الفكرة: الجسد في النهاية مآله الفناء، أما القيمة المعنوية والفكرة التي يمثلها الشخص فهي ما يبقى، والتشييع المليوني هو تعبير عن إرادة شعبية.
ثانياً: تهافت المنطق المادي (النعش الفارغ)
التركيز على مسألة "هل كان النعش فارغاً أم ممتلئاً؟"
هو محاولة لتبسيط الحدث واختزاله في تفصيل مادي وتشتيت الانتباه عن الجوهر:
هذا الطرح غالباً ما يصدر من خصوم سياسيين او طائفيون او بقايا متخلفة من نظام قمعي، حينما يعجزون عن تفسير أو مواجهة الحشد البشري الهائل، فيلجأون إلى إثارةالشكوك حول تفاصيل لوجستية (كالنعش) للتقليل من الصدمة السياسية التي أحدثها المشهد.
النعش كرمز: حتى لو فرضنا جدلاً في أي جنازة تاريخية أن النعش كان رمزياً (لأسباب أمنية، أو لتعذر نقل الجثمان، أو غيرها)، فإن هذا لا يغير من حقيقة أن الملايين خرجوامن أجل المُشيَّع، وليس من أجل "الصندوق".
في علم الاجتماع السياسي، تعد الحشود الجماهيرية أحد أشكال التعبير الجمعي عن الهوية والانتماء والشرعية الرمزية، ولا يمكن تفسيرها بعامل واحد أو اختزالها في تفاصيل مادية.
والعبرة دائماً بالدلالة المعنوية والسياسية، الجسد يخص العائلة والطقس الديني، أماالزخم البشري المليوني فهو ملك للتاريخ والمستقبل والكثافة المشاركة هي الحقيقةالملموسة والواضحة التي تثبت أن القيمة المعنوية والرمزية هي المحرك الأساسي للشعوب، وهي الإجابة القاطعة التي تبطل أي محاولة للاختزال أو التشكيك.
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش المقال فكرة اختزال التشييع الجماهيري في تساؤلات تتعلق بالنعش أو الجسد، معتبرًا أن جوهر الحدث يكمن في رمزيته الاجتماعية والسياسية أكثر من تفاصيله المادية. ويرى الكاتب أن الحشود الكبيرة تعبر عن ارتباطها بالفكرة أو النهج الذي يمثله الراحل، لا بمجرد مراسم التشييع. ويخلص إلى أن قراءة مثل هذه الأحداث تستلزم النظر إلى أبعادها الرمزية ودلالاتها في الوعي الجمعي، بعيدًا عن التركيز على الجزئيات التي قد تصرف الانتباه عن المعنى الأوسع.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!