في هذهِ الحياة، قدْ نصادفُ أشخاصا يتركونَ في قلوبنا أثرا جميلاً لا ينسى، وآخرينَ يخلفونَ جراحا يصعبُ اندمالها، قدْ نتعرضُ للأذى مرةً أوْ مرتين، فنصبرُ ونحتسب، ونلجأُ إلى كتابِ اللهِ نستمدُ منهُ السكينة، ونستغفرُ لأنفسنا، ولمنْ أساءَ إلينا، ونعفو عنهمْ إذا أبدوا ندمهم، واعتذروا، ابتغاءً مرضاةِ الله، ورجاء لعظيمِ الأجركما في قوله تعالى: (فمنْ عفا وأصلحَ فأجرهُ على الله) (الشورى: 40) .
إنَ العفوَ لا يعني الغفلة، ولا يقتضي تكرار الوقوعِ في الخطأِ نفسه، فليسَ كلّ الناسِ يتغيرونَ بالإحسان، ولا كلّ منْ أحسنت إليهِ يردُ الجميل بمثله، فهناكَ منْ يقابلُ المعروفَ بالإساءة، ويخفي وراءَ ابتسامتهِ نياتِ الغدر، ويواجهُ الصدق بالمكر، ويستغلُ الثقةَ لتحقيقِ مصالحه. لذلك، فإنَ التسامحَ خلقٌ عظيم، لكنَ الحكمةَ تقتضي أنْ يكونَ مقرونا بالبصيرةِ وحسن التقدير، حتى لا يتحولَ العفوُ إلى بابٍ يتكررُ منهُ الأذى.
في بعضِ الأحيان، قدْ تصدقُ في بعضِ الناسِ الحكمة التي تقول: " تبقى الأفعى، أفعى، وإنْ بدلتْ جلدها "، فالأفعى قدْ تخلعُ جلدها كلما شاخ، فيبدو للناظرِ أنها ولدتْ منْ جديد، لكنَ أنيابها لا تنزع، وسمها لا يجف، وإنما يظلُ كامنا في أعماقها، ينتظرُ لحظةَ غفلة؛ لينفثَ ما أخفاه، وكذلكَ بعضُ النفوس؛ قدْ تتقنُ تغييرَ الأقنعة، وتتزينُ بعباراتِ الود، وتلبسُ ثوب اللين، غير أنَ الطباعَ الراسخةَ لا تمحوها الزينة، ولا تبدلها المظاهر.
منْ هنا، أرشدنا القرآنُ الكريمُ إلى اليقظةِ منْ أهلِ النفاقِ والعداوة، فقالَ سبحانه: (همّ الأعادي، فأحذرهم) (المنافقين: 4) ، فالمؤمنُ ليسَ ساذجا يخدعهُ بريق الكلمات، ولا قاسي يملؤهُ سوءُ الظن، بلْ يجمعُ بينَ نقاءِ القلبِ وبصيرةِ العقل، فيحسنُ الظنّ دونَ أنْ يعطلَ فطنته، ويصفحُ دونَ أنْ يسلمَ زمام نفسهِ لمنْ اعتادَ الغدر والإيذاء.
يعدُ العفو شجرة باسقة، جذورها الإيمان، وثمرتها راحةْ القلب، لكنهُ لا يعني أنْ نعيدَ مفاتيحَ الثقةِ إلى يد كسرتها مرارا، ولا أنْ نفتحَ أبوابَ القلوب، لمنْ أثبتتْ الأيامُ أنَ الوفاءَ ليسَ منْ طبعه، فالوردةُ قدْ تعطرُ المكان، أما الزهورُ المصنوعة، فلا تمنحُ إلا منظرا خادعا، وكذلكَ الابتسامةِ الصادقةِ تشرقُ منْ قلبٍ سليم، بينما الابتسامةُ المصطنعةُ ليستْ إلا قناعا يخفي ما وراءهُ منْ ضغينة، كما يخفي الرمادُ جمرا لا يزالُ متقدا.
عندما نقدم العفو ابتغاءً لمرضاةٍ الله، ونجعلُ الاستغفار زادا لأنفسنا، والدعاءِ بالهدايةِ نصيبا لمنْ أساءَ إلينا، فإنَ أصلحَ اللهِ قلوبهم، فذلكَ فضل منْ اللهِ ورحمة، وإنْ أصروا على أذاهم، فليكنْ موقفنا حزما يزينهُ العدل، وحذرا لا يشوبهُ ظلم، وابتعادٌ يخلو منْ روحِ الانتقام، فليسَ كلّ منْ غيرَ ثوبه، قدْ غيرَ قلبه، وليسَ كلا منْ بدلِ ملامحهِ قدْ بدلَ جوهره؛ فالمعادنُ الأصيلةُ تعرفُ بثباتها، أما الزيف، فيبقى زيفا، وإنْ تلألأَ تحتَ ضوءِ الأيام.
وهكذا، تبقى (الأفعى، أفعى، وإنْ بدلتْ جلدها ) ؛ فالمظاهرُ قدْ تتغير، أما الطباعُ الراسخة، فلا تتبدلُ بسهولة، ولا سيما إذا تكررتْ الإساءة، وتأكدتْ التجربة. وقدْ جمعَ الإسلامُ بينَ خلقِ العفوِ وحكمةِ الحذر، فقالَ تعالى: ( فمنْ عفا وأصلحَ فأجرهُ على الله) الشورى: 40، فجعلُ العفوِ والإصلاحِ منْ أجلِ أخلاقِ المؤمن، وأعظمها أجرا. لكنه- في الوقتِ نفسه- أرشدَ إلى عدمِ الغفلةِ عنْ أهلِ السوء، فقالَ سبحانه: (همّ الأعادي، فأحذرهم) (المنافقين: 4 ) .
ليسَ في الإسلامِ، تعارض بينَ العفوِ والحذر؛ فالعفوُ خلق كريم، أما الحذر، فهوَ حكمةْ تحفظِ الإنسانِ منْ تكرارِ الأذى. وورد في الحديث الشريف: "لا يُلدغ المؤمن من جُحرٍ مرتين"، ومعناه أن المؤمن يتعلم من تجاربه، فلا يكرر الخطأ نفسه ولا يقع في الخداع أو الأذى بالطريقة ذاتها مرة أخرى، بل يكون أكثر حذرًا وحكمة.
من هنا، فإنَ منْ ثبتتْ إساءته، وتكررتْ خيانته، ولمْ تظهرْ منهُ توبة صادقة أوْ تغيير حقيقي، فإنَ الحذرَ منهُ ليسَ سوءَ ظن، بلْ هوَ أخذَ بالأسبابِ وامتثال لهديِ القرآن، فالمؤمنُ طيبُ القلب، لكنهُ ليسَ ساذجا، يعفو إذا كانَ العفو موضعه، ويحذرُ إذا اقتضتْ الحكمةُ ذلك.
✦ كتابات في الميزان ✦
يؤكد المقال أن الإسلام يجمع بين خلق العفو وحكمة الحذر، فالتسامح لا يعني تكرار الثقة بمن اعتاد الإساءة أو الغدر. ويستند الكاتب إلى آيات قرآنية وأحاديث شريفة ليبين أن المؤمن يعفو ابتغاء مرضاة الله، لكنه يتعلم من تجاربه ولا يسمح بتكرار الأذى. ويخلص إلى أن التغيير الحقيقي يكون في الأخلاق والجوهر، لا في المظاهر والأقنعة التي قد تخفي النفوس السيئة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!