كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الثاني


الشبهة الأولى: لماذا لم يبايع الإمام الحسين (عليه السلام) يزيد حقنًا للدماء؟
تُعد هذه الشبهة من أكثر الشبهات تداولًا عند الحديث عن النهضة الحسينية، ويطرحها بعضهم بالقول: لو أن الإمام الحسين (عليه السلام) بايع يزيد كما بايع غيره، لما وقعت مأساة كربلاء، ولحُقنت دماء أهل بيته وأصحابه، أليس حفظ النفوس مقدمًا على المواجهة؟
وتبدو هذه الشبهة في ظاهرها دعوةً إلى السلم، لكنها تغفل عن طبيعة البيعة في الإسلام، وعن حقيقة شخصية يزيد، وعن الأهداف التي خرج الإمام الحسين (عليه السلام) من أجلها.
إن البيعة في المفهوم الإسلامي ليست إجراءً شكليًا، وإنما هي إقرارٌ بشرعية الحاكم والتزامٌ بطاعته، ولذلك فإن مبايعة الإمام الحسين (عليه السلام) ليزيد لم تكن تعني مجرد تجنب القتل، وإنما كانت تعني منح الشرعية الدينية لحاكم اشتهر بالفسق والانحراف، وهو ما لم يكن الإمام ليقبل به؛ لأن الإمامة عنده مسؤولية شرعية قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.
ولهذا أعلن الإمام موقفه منذ اللحظة الأولى، فقال:
(إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجلٌ فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله)(١).
وهذه العبارة تُعد من أهم النصوص في فهم الثورة الحسينية؛ لأنها تكشف أن سبب الرفض لم يكن نزاعًا على الحكم، وإنما امتناعًا عن إضفاء الشرعية على نموذج حكم يناقض الإسلام في قيمه وسلوكه.
ومن الناحية العقلية، فإن الإنسان إذا كان صاحب مكانة دينية واجتماعية، فإن توقيعه أو موافقته يمنح الشرعية لمن يؤيده. فلو أن الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بايع يزيد، لاحتج الناس بهذه البيعة على أن يزيد يمثل الإسلام، ولسقطت معايير التمييز بين الحق والباطل، ولأصبح كل ما يصدر من السلطة يُنسب إلى الدين.
ومن هنا لم يكن الأمر متعلقًا بحفظ حياة شخص واحد، وإنما بحفظ هوية الأمة وعقيدتها. فهناك مواقف يكون السكوت فيها أخطر من المواجهة؛ لأن نتائجها تمتد إلى أجيال متعاقبة، وهو ما أدركه الإمام الحسين (عليه السلام) بوضوح.
وقد صرح بذلك في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، فقال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب)(٢).
وتكشف هذه الوصية أن مشروع الإمام لم يكن مشروع مواجهة عسكرية، بل مشروع إصلاح ديني وأخلاقي، وأن رفض البيعة كان جزءًا من هذا الإصلاح؛ لأن الإصلاح لا يجتمع مع الاعتراف بشرعية الفساد.
وقد يستشكل بعضهم بأن الإسلام يدعو إلى حقن الدماء، وهذا صحيح، لكنه ليس على إطلاقه؛ إذ إن حفظ الدماء مقصد عظيم ما لم يكن ثمنه ضياع الدين نفسه. ولذلك وقف الأنبياء والمصلحون في وجه الانحراف رغم ما تعرضوا له من الأذى؛ لأن بقاء المبادئ أهم من السلامة المؤقتة.
ولهذا قال الإمام الحسين (عليه السلام) أيضًا:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا)(٣).
وهذا النص يبين أن المشكلة لم تكن شخصية مع يزيد، وإنما كانت في انقلاب القيم حتى أصبح الحق معطلًا والباطل ظاهرًا، وعندئذٍ تصبح مقاومة الانحراف واجبًا شرعيًا.
ومن الناحية التاريخية، فإن يزيد لم يكن يطلب مجرد إعلان الطاعة، بل كان يريد بيعة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها شهادةً دينية على صحة حكمه، ولهذا أمر واليه على المدينة بأخذ البيعة من الإمام فورًا، وإن امتنع فليُضرب عنقه(4). وهذا يكشف أن السلطة كانت تدرك أن شرعيتها ناقصة ما دام الحسين (عليه السلام) رافضًا لها.
ولو كانت القضية مجرد المحافظة على الأرواح، لكان يكفي الإمام أن يبايع سرًا أو يظهر الموافقة ثم يعتزل، لكنه رفض ذلك؛ لأنه كان يعلم أن الناس ستحتج ببيعته، وستعتبرها دليلًا على عدالة السلطة، فتضيع معالم الدين.
ولذلك خاطب أهل الكوفة بقوله:
(فلعمري، ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله)(٥).
فالإمام هنا يحدد صفات الحاكم الشرعي، وهي صفات لا تنطبق على يزيد، مما يؤكد أن البيعة له كانت تنازلًا عن هذه المبادئ.
لقد أثبتت أحداث التاريخ بعد عاشوراء صحة موقف الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ لم تمض سنوات قليلة حتى وقعت وقعة الحرة في المدينة، واستُبيحت المدينة المنورة، وقُتل الآلاف من أهلها، ثم ضُربت الكعبة بالمنجنيق في عهد يزيد(٦). وهذه الأحداث تكشف أن المشكلة لم تكن في رفض الحسين للبيعة، وإنما في طبيعة الحكم الأموي نفسه، وأن مبايعته لم تكن لتمنع الظلم، بل كانت ستمنحه غطاءً دينيًا.
ومن هنا فإن القول بأن الإمام كان ينبغي أن يبايع حقنًا للدماء يتجاهل أن الدماء لم تُسفك بسبب رفض الحسين للبيعة، وإنما بسبب إصرار السلطة على فرض البيعة بالقوة. وكان بإمكان يزيد أن يترك الإمام وشأنه، لكنه اختار القتل بدل الحوار.
وهكذا يتضح أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يرفض البيعة طلبًا لسلطة أو رغبةً في الحرب، وإنما رفضها لأنها كانت تعني الاعتراف بشرعية حكمٍ يناقض مبادئ الإسلام. وقد قدّم دمه وأهل بيته ليبقى الدين متميزًا عن السلطة المنحرفة، وليبقى للأمة معيار تعرف به الحق من الباطل، وهو ما جعل نهضته تمتد أثرًا عبر القرون، بينما سقطت شرعية من قاتلوه في ميزان التاريخ.
الهوامش
(١) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج٢، ص٣٣. 
(٢) الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، ج٥, ص٢١؛ بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٣) تاريخ الطبري، ج٥، ص٤٠٣؛ الإرشاد، ج٢، ص٧٤.
(٤) تاريخ الطبري، ج٥، ص٣٣٣؛ أنساب الأشراف، البلاذري، ج٣، ص١٤٥.
(٥) تاريخ الطبري، ج٥، ص٣٥٣؛ الإرشاد، ج٢، ص٣٨.
(٦) تاريخ الطبري، ج٥، ص٤٨٢. البداية والنهاية، ابن كثير، ج٨، ص٢٤١. 

✦ كتابات في الميزان ✦

يعالج المقال واحدة من أبرز الشبهات المتعلقة بالنهضة الحسينية، موضحًا أن رفض الإمام الحسين (عليه السلام) لبيعة يزيد لم يكن موقفًا سياسيًا أو سعيًا إلى السلطة، بل موقفًا عقائديًا يهدف إلى منع إضفاء الشرعية على حكم رآه مخالفًا لقيم الإسلام. ويستند الكاتب إلى النصوص التاريخية وأقوال الإمام الحسين (عليه السلام) ليؤكد أن نهضته كانت مشروعًا للإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الحفاظ على هوية الدين كان مقدمًا على السلامة الشخصية، وهو ما منح ثورته أثرًا خالدًا في الوعي الإسلامي.

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!