تُعد هذه الشبهة من أكثر الشبهات تداولًا عند المقارنة بين موقفي الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، إذ يقال: إذا كان الإمام الحسن (عليه السلام) قد صالح معاوية حفاظًا على دماء المسلمين، فلماذا لم يسلك الإمام الحسين (عليه السلام) النهج نفسه مع يزيد، ويجنب الأمة مأساة كربلاء؟ وهل كان موقف الإمامين متعارضًا؟
وهذه الشبهة تنشأ من قياس حالتين مختلفتين على أنهما حالة واحدة، مع أن الظروف السياسية والاجتماعية والدينية التي أحاطت بكل إمام كانت مختلفة تمامًا، ولذلك اختلف الموقف، بينما بقي الهدف واحدًا، وهو حفظ الإسلام وصيانة الأمة.
إن أول ما ينبغي تقريره هو أن الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) لم يختلفا في المنهج، وإنما اختلفت وسيلة تحقيق الهدف تبعًا لاختلاف الظروف. فالإمام المعصوم لا يتحرك بدافع المصلحة الشخصية، وإنما وفق ما تقتضيه المصلحة العليا للإسلام. ولذلك فإن الصلح في ظرفٍ معين قد يكون واجبًا، كما أن الثورة في ظرفٍ آخر قد تكون واجبًا أيضًا.
ومن الناحية العقلية، فإن اختلاف الوسائل مع وحدة الغاية أمر يقره العقلاء جميعًا. فالقائد الحكيم لا يعتمد أسلوبًا واحدًا في جميع الظروف، بل يغيّر وسائله بحسب الواقع. فقد يكون الحوار هو الطريق الأمثل في مرحلة، بينما تكون المواجهة هي الخيار الوحيد في مرحلة أخرى، ولا يعد ذلك تناقضًا، بل هو عين الحكمة.
وهذا ما جرى مع الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام). فقد واجه الإمام الحسن مجتمعًا أنهكته الحروب، وجيشًا تسرّبت إليه الخيانة، حتى إن كبار قادته راسلوا معاوية سرًا، وعرض بعضهم تسليم الإمام إليه، بل وصل الأمر إلى الاعتداء على الإمام نفسه ونهب متاعه في معسكره(1). وفي مثل هذا الواقع لم يكن استمرار الحرب يؤدي إلا إلى إبادة ما تبقى من المؤمنين، من دون تحقيق أي مصلحة للإسلام.
لذلك اشترط الإمام الحسن (عليه السلام) في وثيقة الصلح شروطًا تحفظ الدين وحقوق الأمة، ومن أهمها أن يكون الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وألا يعهد معاوية بالحكم إلى أحد بعده، وأن يكون الأمر للإمام الحسن، فإن حدث به حدث فلأخيه الإمام الحسين (عليهما السلام)(2). وبذلك لم يكن الصلح اعترافًا بشرعية معاوية، بل هدنةً فرضتها ظروف الأمة آنذاك.
أما الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد واجه واقعًا مختلفًا تمامًا. فبعد وفاة معاوية، نقض الأخير بنود الصلح عندما فرض ولاية العهد لابنه يزيد، مع أن وثيقة الصلح نصت على خلاف ذلك(3). ولم يعد الأمر مجرد نزاع سياسي، بل تحول إلى محاولة لإضفاء الشرعية على حكمٍ وراثي يقوده رجل اشتهر باللهو والفسق، وأرادت السلطة أن تحصل على بيعة سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتكتسب شرعية دينية.
ولهذا رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البيعة منذ اللحظة الأولى، وقال كلمته الخالدة:
(إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله.)(4)
وهذا النص يكشف بوضوح أن المشكلة لم تكن في شخص يزيد فحسب، وإنما في طبيعة الحكم الذي يمثله، وأن البيعة لم تكن مجرد إجراء سياسي، بل شهادة بشرعية سلطة منحرفة.
ولو أن الإمام الحسين (عليه السلام) صالح يزيد، لكان معنى ذلك الاعتراف بحكمه، وإبطال الأساس الذي قام عليه صلح الإمام الحسن، لأن معاوية نفسه لم يكن يملك شرعًا حق توريث الحكم لابنه، فضلًا عن أن يزيد لم يلتزم بشروط الصلاح الديني والأخلاقي التي تجعل طاعته مقبولة.
وقد أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) سبب نهضته بوضوح في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، فقال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب.)(5)
فالإمام لم يخرج لإسقاط حاكمٍ واستبداله بآخر، وإنما خرج عندما أصبحت معالم الإسلام مهددة، وأصبح السكوت يعني إقرار الانحراف.
ومن الناحية التاريخية، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يبدأ بالمواجهة المسلحة، بل حاول تجنب الصدام ما أمكن، فغادر المدينة إلى مكة، ثم خرج منها لئلا تُستباح حرمة البيت الحرام، وأجرى حوارات متعددة مع الحر بن يزيد الرياحي، ثم مع عمر بن سعد، وعرض عليهم حلولًا تمنع القتال(6). إلا أن السلطة الأموية أصرت على خيارين لا ثالث لهما: البيعة أو القتل.
وهذا يثبت أن الإمام لم يرفض الصلح بوصفه مبدأً، وإنما رفض الاستسلام الذي يُفضي إلى شرعنة الانحراف، بينما كان صلح الإمام الحسن وسيلة لحفظ الإسلام في ظرفٍ مختلف.
بل إن الإمام الحسين (عليه السلام) أشار إلى طبيعة المرحلة بقوله:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا.)(7)
فالمعيار عنده لم يكن السلم أو الحرب، وإنما بقاء الحق واندثار الباطل.
ومن هنا يتبين أن المقارنة بين موقف الإمام الحسن وموقف الإمام الحسين (عليهما السلام) من دون مراعاة اختلاف الظروف التاريخية والسياسية مقارنة غير صحيحة؛ لأن كل واحد منهما أدى تكليفه الإلهي بحسب مقتضيات عصره. فالصلح والثورة لم يكونا هدفين في نفسيهما، وإنما كانا وسيلتين لحماية الإسلام.
ولذلك يمكن القول إن صلح الإمام الحسن مهّد لثورة الإمام الحسين، وثورة الإمام الحسين حفظت أهداف صلح الإمام الحسن. فكلا الإمامين تحركا من منطلق واحد، وهو صيانة الرسالة المحمدية، لكن اختلاف الواقع فرض اختلاف الموقف، من غير أن يكون بينهما أي تعارض أو تناقض.
الهوامش
(1) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص13.
(2) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص15.
(3) تاريخ الطبري، ج5، ص303؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج3، ص507.
(4) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص33؛ الاحتجاج، الطبرسي، ج2، ص24.
(5) الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، ج5، ص21؛ بحار الأنوار، ج44، ص329.
(6) تاريخ الطبري، ج5، ص389-401؛ الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص70-86.
(7) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص78؛ تاريخ الطبري، ج5، ص403.
✦ كتابات في الميزان ✦
يعالج المقال إحدى أبرز الشبهات المتعلقة بموقفي الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، موضحًا أن الصلح والثورة لم يكونا موقفين متناقضين، بل وسيلتين مختلفتين لتحقيق هدف واحد هو حفظ الإسلام وصيانة الرسالة. ويستند إلى الشواهد التاريخية والنصوص المعتبرة لبيان اختلاف الظروف السياسية والدينية بين عصر معاوية وعصر يزيد، وأن اختلاف الوسيلة كان عين الحكمة لا موضع التعارض.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!