ليسَ المقصودُ منْ هذهِ السطورِ، توجيهَ اللومِ أوْ تسجيلَ المآخذ، وإنما هيَ ملحوظاتُ مواطن، يرى أنَ جمالَ المدنِ لا تصنعهُ المشاريعُ العملاقةُ وحدها، بلْ تصنعهُ أيضا التفاصيلُ الصغيرةُ ، التي يراها الناسُ كلَ يوم، فالعالمُ اليومَ يقيسُ مستوى الخدماتِ العامةِ بما يلمسهُ المواطنُ والزائرُ منْ نظافةٍ وتنظيمٍ وصيانة، قبلَ أنْ يقيسهُ بحجمِ الأبنيةِ أوْ كلفةِ المشاريع.
أولا: حماماتُ مطارِ بغدادَ الدوليِ
يعدُ مطارُ بغدادَ الدولي، واجهةً حضاريةً تستحقُ المزيدَ منْ الاهتمام، قبلَ بضعةِ أيامٍ غادرتْ مطارَ بغدادَ الدولي، وكانَ الانطباع العامّ جيدا؛ فحسنُ الاستقبال، ولطفُ التعامل، والجهودِ المبذولةِ لخدمةِ المسافرينَ تستحقُ الإشادة والتقدير، لكنْ بقيتْ ملحوظةٌ لا تقلُ أهميةٌ عنْ بقيةِ الخدمات، وهيَ واقع حماماتِ المطار، ففي عددِ منها يحتاجُ المسافرُ إلى البحثِ عنْ حماماتٍ نظيفة، عنْ شطفاهُ تعملُ بصورةٍ جيدة، أوْ صنبور يسهلُ تشغيلها، أوْ محارم ورقية وموادّ تنظيفٍ متوافرة باستمرار.
هذهِ ليستْ كماليات، بلْ منْ أبسطِ معاييرِ الخدمةِ التي أصبحتْ اليومَ جزء منْ صورةِ أيِ مطارٍ في العالم، ولعلَ منْ المناسبِ التفكيرَ في تخصيصِ مبلغٍ رمزيٍ لا يتجاوزُ دينارا واحدا يضافُ إلى رسمِ تذكرةِ السفر، يخصصُ بالكاملِ لصيانةِ وتنظيفِ هذهِ المرافقِ على مدارِ الساعة، إنْ عجزتْ السلطاتُ المختصةُ منْ توفيرِ المالِ لهذهِ الخدماتِ، منْ خلالِ شركةٍ متخصصةٍ تمتلكُ الخبرةَ والكفاءة، وبإشرافٍ مباشرٍ منْ إدارةِ المطار، لتبقى الحماماتُ بالمستوى الذي يليقُ ببوابةِ العراقِ الجوية، وليسَ في ذلكَ ما يثقلُ كاهلَ المسافر، لكنهُ قدْ يحدثُ فرقا كبيرا في مستوى الخدمة، كما أنَ زيارةً ميدانيةً إلى مطاراتٍ قريبةٍ مثل إسطنبول أوْ دبي والاطلاع على حماماتِ المطارين، ستكشفُ أنَ سرَ النجاحِ لا يكمنُ في الفخامةِ بقدرِ ما يكمنُ في الاستمرارِ بالصيانة، وسرعةْ المعالجة، والاهتمامِ بالتفاصيلِ الصغيرة.
ثانيا: عرباتُ القطاراتِ القديمةِ
عندما يطغى الماضي على الحاضرِ في محطةِ قطارِ بغداد، ومؤسستها الأم، مقابل كراجٍ العلاوي الشهير، ما زالتْ عشراتِ عرباتِ القطاراتِ القديمة، تقفُ على السككِ منذُ سنواتٍ طويلة، فهذهِ العربات أدتْ دورها في زمنها، ولها مكانتها في تاريخِ السككِ الحديديةِ العراقية، لكنَ بقاءها بهذهِ الصورةِ لمْ يعدْ يضيفُ قيمةً جماليةً أوْ عمليةً للمحطات، بلْ يجعلها أقرب إلى ساحاتٍ للخردةِ منها إلى محطاتٍ حديثةٍ تستقبلُ المسافرين، منْ الممكنِ أنْ تستثمرَ هذهِ العربات بطرقٍ عديدة؛ فتباعُ للاستفادةِ منْ قيمتها، أوْ يعادُ تدويرها، أوْ تهدى إلى الجهاتِ التي يمكنُ أنْ توظفها في أعمالها، كوحداتِ الجيشِ المتنقلة، أوْ المؤسساتِ الأمنية، أوْ الجهات التدريبية، أوْ حتى المتاحفِ إذا كانَ لبعضها قيمة تاريخية، فإنَ المحطاتِ الحديثةَ تستحقُ فضاءات أكثر اتساعا وتنظيما، تبرزُ العرباتُ الجديدةُ بدلَ أنْ تحجبها بقايا الماضي.
ثالثا: شوارعُ بغدادَ …
في المفهومِ الاقتصادي، إنَ الصيانةَ المستمرةَ أقلُ كلفةٍ منْ الإهمالِ لا تكادُ تخلو بغداد، شأنها شأن بقيةِ مدنِ العراق، منْ شوارعَ رئيسةٍ وفرعيةٍ تحتاجُ إلى معالجاتٍ بسيطة؛ حفرة هنا، أوْ هبوط محدود هناك، أوْ أجزاء متضررة لا تتطلبُ مشاريع بملياراتِ الدنانير، وإنما فرق صيانةٍ سريعةٍ تمتلكُ القرارَ والإمكانات، ففي دولٍ عديدة، تتولى البلدياتِ أوْ الفرقَ الهندسيةَ تنفيذ أعمالِ الصيانةِ ليلا، بحيثُ تنجزُ الإصلاحات في ساعاتٍ قليلة، منْ دونِ تعطيلِ حركةِ السيرِ أوْ إرباك المواطنين.
إنَ الصيانةَ الوقائيةَ أقلُ كلفةٍ بكثيرٍ منْ إعادةِ الإعمارِ بعدَ سنواتٍ منْ الإهمال، والعراق يمتلكُ الموادَ الأوليةَ منْ الأسفلتِ أوْ السليس، وما أكثرها، والخبرات الفنية التي تؤهلهُ لتنفيذِ مثلِ هذهِ الأعمالِ بصورةٍ دورية، وبكلفٍ محدودة، لتبقى شوارعُ مدنهِ أكثر جمالاً وسلامة، وليسَ هذا المقترحُ خاصا ببغدادَ وحدها، بلْ يشملُ جميع المحافظات، فكلّ مدينةٍ عراقيةٍ تستحقُ أنْ تبدوَ بأفضلِ صورةٍ أمامَ أهلها وزائريها.
كلمةٌ أخيرة:
لقدْ أثبتتْ تجاربُ العالمِ أنَ المدنَ لا تتقدمُ بالمشاريعِ الكبيرةِ وحدها، وإنما بثقافةِ الاهتمامِ بالتفاصيل، فالرصيفُ النظيف، والشارعُ السليم، والحمامُ الصحي، والمحطة المرتبة، كلها رسائل حضارية، تقول: إنَ هناكَ إدارةً تؤمنُ بأنَ خدمةَ الإنسانِ تبدأُ منْ أبسطِ احتياجاته.
لا شكَ أنَ مؤسساتنا، تمتلكُ القدرةَ على تحقيقِ ذلكَ متى ما توافرتْ المتابعةُ والإرادة، فالعراقُ يستحقُ أنْ تكونَ مطاراته ومحطاته وشوارعه بمستوى تاريخهِ ومكانته، وأنْ تصبحَ الخدمات اليومية عنوانا يفتخرُ بهِ المواطنُ قبلَ أنْ يلاحظهُ الزائر، وما نكتبهُ اليومَ ليسَ نقدا بقدر ما هوَ أمنية صادقة، لعلها تجدُ آذانا صاغية، لأنَ خدمةَ الوطنِ تبدأُ أحيانا منْ أبسطِ التفاصيل، لكنها تنتهي بصورةٍ مشرقةٍ تبقى في ذاكرةِ الجميع.
✦ كتابات في الميزان ✦
يسلط المقال الضوء على أهمية التفاصيل الصغيرة في تحسين مستوى الخدمات العامة، مؤكدًا أن صورة المدن لا تُبنى بالمشاريع الكبرى وحدها، بل بالنظافة والصيانة والتنظيم اليومي. ويستعرض نماذج من مطار بغداد ومحطة القطارات وشوارع العاصمة، داعيًا إلى اعتماد ثقافة الصيانة الوقائية والاهتمام بالمرافق العامة، بما يعكس الوجه الحضاري للعراق ويعزز ثقة المواطن والزائر على حد سواء.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!