كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

القيادة في النهضة الحسينية المقدسة -قراءة قرآنية- (٢)

  تحدثنا في الحلقة السابقة عن نقطتين من النقاط الخمس لمفهوم القيادة في النهضة الحسينية، ونحاول في هذه السطور الحديث عن نقطة أخرى بإيجاز .
٣- أن يكون القائد مختصًّا. 
      إنَّ اختصاص القائد في الجانب الذي يريد به قيادة الأمة في أي باب من أبوابها، في الأسرة، أو في العمل، أو المجتمع، أو السياسة .. إلخ له أثر كبير في الوصول إلى الأهداف وتحقيقها، حيث أنه سوف يرسم نقطة الانطلاق، ونقطة الغاية، والسبيل الذي يبدأ منه ويسلكه، والمنهج الذي سيقوم بتطبيقه، واختيار الأفراد لذلك، وهذا مصداق (عَلَى بَصِيْرَةٍ)، وواحدة من معاني البصيرة هي المعرفة التفصيلية للمنهج، وأحد أهم أسباب فشل القيادات البعيدة عن منهج الثقلين هو اختيار الإدارات العليا من خارج دائرة التخصص لمكان العمل والقيادة، والقرآن الكريم أشار إلى ذلك صراحة ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ)) فلنتأمل في قوله (منهم)، فالنبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" قد أكد بصيرته بشريعته المقدسة المبعوث بها لهداية البشرية.
      وهذا ما رأيناه في سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام حيث كان من هذه البيئة التي هو على بصيرة بها وبأعدائها السابقين واللاحقين فقال ((وأسير بسيرة جدي وأبي، فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق)). حيث كان على معرفة بسيرة خاتم النبيين، وسيرة سيد الوصيين، وهو ابنهما وربيبهما المادي والمعنوي، حيث وحدة المنهج والهدف الإلهي، ولعله يشير قول النبي إلى هذه الحقيقة ((حسينٌ منِّي وأنا من حسينٍ)). 
 وقد أنتجت هذه المعرفة (التخصص) تلك النهضة الحسينية المقدسة التي كانت بعض آثارها الظاهرة : 
١-  فَضْحُ الأمويين ومنهجهم وبيان عدائهم لرسول الله الذي حطَّم كيان كفرهم وشركهم وأصنامهم وجبروتهم وحفيدهم يزيد يقول ((ليت أشياخي ببدر شهدوا)). 
٢-  بيان -للأسف- حقيقة الأمة الخانعة للحاكم، والطامعة بموائده وهداياه التافهة الفانية الذليلة وهذا عمر بن سعد بن أبي وقاص يقول ((أأتركُ ملك الري والري منيتي .. أم أرجع مأثومًا بقتل حسينِ)).
٣-  إسقاط الحكم الأموي السفياني الذي جاهد في سبيل الشيطان جهادًا كبيرًا أبو سفيان وولده معاوية وحفيده يزيد من أجل بناء قواعده ودعائمه ولكنه تهاوى ذلك العرش الخاوي، فكانت تلك الثورات المتعددة بعد نهضة كربلاء ((مَنْ كانَ يعهدُ أنَّ في الدمِ قوةً - تبني الصروحَ الشامخاتِ وتهدمُ)).
٤- بيان حقيقة ذلك الفتح الحسيني العظيم الذي وعد به سيد الشهداء عليه السلام أصحابه عندما دعاهم إلى مائدة الشهادة حيث يطعمون السيوف بأجسادهم الزكية؛ لترى الأمة عبر ١٤ قرنًا صورًا عظيمةً لذلك الفتح، لم تخلد مثلها صور، إنه وعد سيد الشهداء ((مَنْ لحقَ بنا استشهدَ، ومَنْ لم يلحق بنا لم يدركِ الفتحَ)) وإنها السعادة العظيمة ((إني لا أرى الموت إلا سعادة)) فكان الفتح طريق الشهادة لكل المجاهدين على مر التاريخ.
٥- إنها كربلاء .. وصريح سيد الشهداء .. ومهوى أفئدة المؤمنين .. وطريق العشق للشهادة .. وسبيل العقيدة والرضوان.. والقبر الخالد الذي يتحدى الطغاة .. والصوت الذي لا يزال ينادي في الأمة "هل من ناصر ينصرنا" .. بل هي زفرة ودمعة وإباء الحوراء زينب وصرختها ((فواللهِ لا تمحو ذكرنا)) .. حيث صدق تلك الدعوة .. وصدق إجابة المؤمنين لها.

 (وللحديث تتمة  )) 

✦ كتابات في الميزان ✦

يواصل المقال قراءته القرآنية لمفهوم القيادة في النهضة الحسينية، متوقفًا عند مبدأ التخصص بوصفه أحد أهم مقومات القيادة الناجحة. ويبين أن الإمام الحسين (عليه السلام) جسّد القيادة القائمة على البصيرة والمعرفة الدقيقة بالمنهج والواقع، وهو ما جعل نهضته تكشف حقيقة المشروع الأموي، وتؤسس لوعيٍ إسلامي بقي أثره ممتدًا عبر القرون، حتى أصبحت كربلاء مدرسة خالدة في الإصلاح والتضحية والوعي.

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!