كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الخامس : هل كان خروج الإمام الحسين (عليه السلام) سببًا في سفك دماء المسلمين؟

من الشبهات التي تتكرر في الكتابات المعاصرة قول بعضهم: إن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم أن خروجه سيؤدي إلى وقوع القتال وسفك الدماء، ولو أنه بقي في المدينة أو بايع يزيد لتجنب المسلمون تلك المأساة، ومن ثم فإن خروجه كان السبب المباشر في إراقة الدماء.
وتبدو هذه الدعوى في ظاهرها دعوة إلى حقن الدماء، إلا أنها تقوم على مغالطة عقلية وتاريخية، إذ تُحمِّل الضحية مسؤولية جريمة الجلاد، وتغفل عن الطرف الذي بادر إلى العدوان، وهو السلطة الأموية التي جعلت البيعة القسرية أو القتل خيارين لا ثالث لهما.
إن أول ما ينبغي تقريره هو أن المسؤول عن سفك الدماء هو من باشر القتل، لا من رفض الظلم. فالعقلاء جميعًا يفرقون بين من يدافع عن مبدأ مشروع، وبين من يستخدم القوة لإجباره على التنازل عنه. ولو قبلنا بمنطق هذه الشبهة، للزم أن يكون جميع الأنبياء والمصلحين مسؤولين عن الجرائم التي ارتكبها الطغاة بحقهم، لأنهم لم يستجيبوا لمطالب الظالمين، وهو استنتاج لا يقول به أحد.
فلو هدد ظالم إنسانًا بقوله: "إما أن تتنازل عن حقك أو أقتلك"، ثم نفذ تهديده، فإن العقل لا يدين المقتول، وإنما يدين القاتل؛ لأن الجريمة نشأت من إرادة المعتدي، لا من تمسك المظلوم بحقه.
وهذا هو تمامًا ما وقع مع الإمام الحسين (عليه السلام). فقد لم يكن هدف السلطة مجرد استقرار الأوضاع، وإنما كانت تريد من سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يمنحها الشرعية الدينية من خلال البيعة، فلما رفض ذلك، قررت التخلص منه بالقوة.
وقد عبّر الإمام الحسين (عليه السلام) عن سبب رفضه بقوله:
(إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة... ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله).(١)
فالإمام لم يعلن الحرب، ولم يدعُ إلى سفك الدماء، وإنما رفض أن يكون شاهد زور على شرعية حكمٍ رآه مخالفًا لقيم الإسلام.
ومن الناحية التاريخية، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) اتخذ كل السبل التي من شأنها تجنب القتال. فقد غادر المدينة دون أن يواجه السلطة بالسلاح، واتجه إلى مكة، ثم خرج منها عندما علم أن السلطة تنوي اغتياله حتى في حرم الله، صيانةً لحرمة البيت الحرام(٢).
وعندما اعترضه الحر بن يزيد الرياحي في الطريق، لم يبدأه بقتال، بل خاطبه بالحجة، وقال إنه إن كره القوم قدومه فإنه يرجع من حيث أتى(٣). وبعد وصوله إلى كربلاء، أجرى مفاوضات متعددة مع عمر بن سعد، وعرض حلولًا تجنب الجميع الحرب، إلا أن القيادة الأموية رفضت جميع المقترحات، وأصرت على البيعة غير المشروطة أو القتال(٤).
وهذه الوقائع التاريخية تثبت أن الإمام لم يكن يسعى إلى المواجهة العسكرية، بل كان يحاول منعها بكل الوسائل الممكنة.
بل إن الإمام خاطب القوم يوم عاشوراء قائلًا:
(أما بعد، فانسبوني فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم، فعاتبوها، هل يحل لكم قتلي؟ ألست ابن بنت نبيكم؟)(٥)
إن هذه الكلمات تكشف أن الإمام كان يقيم عليهم الحجة الأخيرة، ويمنحهم فرصةً للرجوع عن قرار الحرب، ولم يبدأهم بقتال حتى استنفد جميع وسائل الحوار.
ومن الأدلة الواضحة على أن الإمام لم يكن طالب حرب، أنه في ليلة عاشوراء جمع أصحابه، وقال لهم:
(هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد هذا الليل، فإن القوم إنما يطلبونني.)(٦)
ولو كان هدفه خوض معركة عسكرية بأي ثمن، لما أذن لأصحابه بالانصراف، لكنه أراد أن يرفع عنهم المسؤولية، ويؤكد أن النزاع الحقيقي كان بينه وبين السلطة، لا مع عامة الناس.
ومن جهة أخرى، فإن القول بأن الإمام كان ينبغي أن يستسلم ليمنع القتل يتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن الاستسلام للظلم لا يمنع الظلم، بل يشجعه على التوسع. وقد أثبت التاريخ ذلك بوضوح؛ إذ لم تمض سنوات قليلة بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) حتى ارتكب يزيد وقادته جرائم أكبر، منها واقعة الحرة التي استُبيحت فيها المدينة المنورة، وقتل فيها عدد كبير من الصحابة والتابعين، ثم حوصرت مكة وضُربت الكعبة بالمنجنيق(٧).
وهذا يدل على أن المشكلة لم تكن في رفض الإمام الحسين (عليه السلام)، وإنما في طبيعة السلطة التي لم تكن تتورع عن سفك الدماء لتحقيق أهدافها السياسية.
ولذلك فإن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن سببًا في سفك الدماء، بل كانت كشفًا لحقيقة نظامٍ كان مستعدًا لسفك الدماء من أجل تثبيت سلطانه. ولو سكت الإمام، لبقي هذا الانحراف متسترًا بشخصية سبط النبي (صلى الله عليه وآله)، ولأُضفيت على السلطة شرعية دينية لا تستحقها.
وقد لخّص الإمام هدفه الحقيقي بقوله:
)إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.)(٨)
إن هذا النص يمثل مفتاح فهم الثورة الحسينية؛ فهي لم تكن مشروعًا لإشعال الحرب، وإنما مشروعًا للإصلاح، أما الدماء التي سُفكت فإن المسؤولية عنها تقع على من اختار السيف بدل الحوار، والقتل بدل الاحتكام إلى الحق.
وعليه، فإن تحميل الإمام الحسين (عليه السلام) مسؤولية ما جرى في كربلاء هو قلبٌ للحقائق؛ لأن الضحية لا تتحمل وزر جريمة القاتل، كما أن الدفاع عن المبادئ لا يُعد سببًا للقتل، وإنما السبب الحقيقي هو إصرار الظالم على فرض إرادته بالقوة. ومن هنا بقي الإمام الحسين (عليه السلام) رمزًا للعدل والكرامة، بينما بقي قاتلوه عنوانًا للظلم والانحراف في ضمير التاريخ.

الهوامش
(١) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج٢، ص٣٣. 
(٢) تاريخ الطبري، ج٥، ص٣٤٧-٣٥٠؛ الإرشاد، ج٢، ص٣٥-٣٨.
(٣) تاريخ الطبري، ج٥، ص٣٨٩؛ أنساب الأشراف، البلاذري، ج٣، ص١٧١.
(٤) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج٢، ص٧٠-٨٦؛ تاريخ الطبري، ج٥، ص٣٩٩-٤٠١.
(٥) تاريخ الطبري، ج٥، ص٤٢٥؛ بحار الأنوار، ج٤٥، ص٦.
(٦) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج٢، ص٩١؛ اللهوف على قتلى الطفوف، ص١٠٩.
(٧) تاريخ الطبري، ج٥، ص٤٨٢-٤٨٧؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج٤، ص١١٨-١٢٥.
(٨) الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، ج٥، ص٢١؛ بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.

عاشوراء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!