كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول الثورة الحسينية / القسم السادس : هل فشلت الثورة الحسينية لأنها انتهت باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ؟

يُثير بعض الكُتّاب والمشككين شبهةً مفادها أن الثورة الحسينية كانت مشروعًا فاشلًا؛ لأنها انتهت باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، ولم تُسقط الدولة الأموية، ولم يتسلّم الإمام زمام الحكم، وبذلك لم تحقق أهدافها السياسية.
وتنبع هذه الشبهة من حصر مفهوم النجاح في الانتصار العسكري أو الوصول إلى السلطة، بينما تتجاهل أن كثيرًا من الحركات الإصلاحية في التاريخ لم تُقاس بنتائجها العسكرية، بل بما أحدثته من تغيير في الوعي، وإحياءٍ للمبادئ، وكشفٍ لحقيقة الأنظمة الظالمة.
إن أول ما ينبغي بيانه هو أن الحكم على أي حركة لا يكون إلا من خلال الهدف الذي قامت من أجله. فإذا كان هدف الإمام الحسين (عليه السلام) هو الوصول إلى الحكم، لجاز القول إنه لم يحقق غايته، أما إذا كان هدفه إصلاح الأمة، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكشف انحراف السلطة، فإن تقييم الثورة يجب أن يكون في ضوء هذه الأهداف، لا في ضوء النتائج العسكرية.
وقد أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه غاية نهضته، فقال في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب.) (١)
وهذا النص يُعد الوثيقة الأساسية لفهم النهضة الحسينية، إذ لم يذكر الإمام طلب الملك أو السعي إلى السلطة، وإنما جعل الإصلاح هو الهدف الأول لخروجه.
ومن الناحية العقلية، فإن النجاح لا يُقاس دائمًا بتحقيق المكاسب الآنية، وإنما بمدى تأثير الفكرة في المستقبل. فالأنبياء أنفسهم لم يُؤمن بهم جميع أقوامهم، واستشهد عدد منهم، ومع ذلك لم يقل أحد إن رسالاتهم قد فشلت، لأن معيار النجاح هو أداء الرسالة وتحقيق أهدافها، لا مجرد البقاء في السلطة.
وقد أثبت التاريخ أن الثورة الحسينية أحدثت تحولًا عميقًا في وجدان الأمة الإسلامية، فقد انكشفت حقيقة الحكم الأموي بعد كربلاء، وبدأت موجة واسعة من الاعتراضات والثورات، مثل ثورة أهل المدينة (واقعة الحرة)، وثورة التوابين، وثورة المختار الثقفي، وثورة زيد بن علي فيما بعد، وكلها كانت متأثرة بروح النهضة الحسينية، وتسعى إلى الثأر من قتلة الإمام أو مواجهة النهج الأموي(٢).
ومن أبرز الشواهد التاريخية أن يزيد نفسه، بعد أن رأى موجة السخط التي اجتاحت العالم الإسلامي، حاول التنصل من مسؤولية قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، وألقى التبعة على عبيد الله بن زياد، وهو ما يدل على أن كربلاء لم تُحقق للنظام الأموي نصرًا سياسيًا، بل جرّت عليه أزمةً في شرعيته أمام المسلمين(٣).
كما أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان ينظر إلى نهضته بوصفها مشروعًا لإحياء الضمير الإسلامي، ولذلك قال في إحدى خطبه:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا.) (٤)
فلو كان معيار النجاح عند الإمام هو البقاء حيًا أو تحقيق نصر عسكري، لما وصف الشهادة في سبيل الحق بالسعادة، ولما اعتبر الحياة مع الظالمين لونًا من الذل والمهانة.
ومن الناحية التاريخية أيضًا، فإن الثورة الحسينية لم تنتهِ باستشهاد الإمام، بل بدأت مرحلة جديدة قادتها السيدة زينب والإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)، من خلال الخطب التي أُلقيت في الكوفة والشام، والتي كشفت للرأي العام حقيقة ما جرى في كربلاء، حتى تحولت قضية الحسين (عليه السلام) إلى قضية الأمة كلها، لا قضية أسرة أو جماعة معينة(٥).
ولو كانت الثورة قد فشلت، لما بقيت حيّة في وجدان المسلمين أكثر من أربعة عشر قرنًا، ولما أصبحت عاشوراء مصدر إلهام لكل حركات الإصلاح والحرية في العالم الإسلامي.
ومن الشواهد المهمة أيضًا أن الدولة الأموية نفسها لم تستطع محو ذكر الإمام الحسين (عليه السلام)، رغم محاولاتها منع الناس من زيارته، وملاحقة أنصاره، وتشويه أهداف نهضته، بل بقيت ذكراه تتجدد عامًا بعد عام، بينما انتهى ملك بني أمية، ولم يبقَ منه إلا صفحات التاريخ.
وقد تنبّهت السيدة زينب (عليها السلام) إلى هذه الحقيقة، فقالت ليزيد في مجلسه:
(فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا) (٦)
لقد أثبت الزمن صدق هذه الكلمات؛ فلم يبقَ من سلطان يزيد شيء، بينما بقي اسم الحسين (عليه السلام) رمزًا عالميًا للعدالة والكرامة ورفض الظلم.
    إن من يقيس الثورة الحسينية بمنطق الغلبة العسكرية يغفل أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يخوض معركةً أخلاقيةً وعقائدية قبل أن تكون معركةً عسكرية. فقد نجح في إسقاط الشرعية الأخلاقية عن الحكم الأموي، وكشف زيف الشعارات التي كان يرفعها، ورسّخ في ضمير الأمة أن السكوت على الظلم ليس من الدين، وأن التضحية في سبيل المبادئ هي الطريق إلى بقاء الرسالة.
    ومن هنا فإن الثورة الحسينية لم تكن فاشلة، بل كانت من أنجح الثورات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي؛ لأنها حققت أهدافها الكبرى، وهي حفظ الإسلام من التحريف، وإحياء فريضة الإصلاح، وإقامة الحجة على الأمة، وكشف حقيقة الحكم الأموي، وهي آثار ما تزال ممتدة إلى يومنا هذا.
الهوامش 
١. ابن أعثم الكوفي، الفتوح، ج٥، ص٢١؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
٢. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٧٢-٤٩٨؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص١١٨-١٥٢.
٣. البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص٢٢١؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج٨، ص٢٣٦.
٤. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٨؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.
٥. الطبرسي، الاحتجاج، ج٢، ص٣٠-٣٦؛ السيد ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص١٤٢-١٥٣.
٦. الطبرسي، الاحتجاج، ج٢، ص٣٥؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٥، ص١٣٥.

القيم_الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!