كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بطالة الأطباء.. حين يتحول الحلم الأبيض إلى انتظار طويل

لم تعد بطالة الأطباء في العراق حالة فردية أو مشكلة عابرة، بل أصبحت مؤشراً خطيراً على اختلال واضح في العلاقة بين سياسات التعليم واحتياجات سوق العمل. فخلال السنوات الأخيرة شهدت البلاد توسعاً كبيراً في أعداد الكليات الطبية، ولا سيما الأهلية منها، من دون أن يقابل ذلك توسع مماثل في المستشفيات والمؤسسات الصحية وفرص التدريب والتعيين.

لقد أقبل آلاف الطلبة على دراسة الطب وهم يحملون حلماً مشروعاً بارتداء المعطف الأبيض وخدمة المرضى والحصول على مستقبل مهني مستقر. غير أن كثيراً منهم وجدوا أنفسهم، بعد سنوات طويلة من الدراسة والسهر والتدريب والإنفاق المالي الكبير، أمام أبواب مغلقة وقوائم انتظار طويلة ووعود بالتعيين لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

المشكلة لا تكمن في زيادة أعداد الأطباء بحد ذاتها؛ فالعراق ما زال بحاجة إلى تحسين مستوى الخدمات الصحية وزيادة عدد المؤسسات الطبية، خصوصاً في الأقضية والنواحي والمناطق النائية. لكن الخلل يتمثل في غياب التخطيط الذي يربط أعداد المقبولين في الكليات الطبية بالطاقة الاستيعابية للمستشفيات والاحتياجات الحقيقية لكل محافظة وتخصص.

إن افتتاح الكليات وزيادة مقاعد القبول من دون دراسة دقيقة لسوق العمل يؤديان إلى إنتاج أعداد من الخريجين تفوق قدرة القطاع الصحي الحكومي على استيعابها. وفي المقابل، لم يتمكن القطاع الطبي الخاص حتى الآن من توفير فرص عمل كافية وعادلة، كما أن الطبيب المتخرج حديثاً يحتاج إلى بيئة تدريبية وإشراف مهني لا يستطيع الحصول عليهما بسهولة من خلال العمل الفردي.

وأمام تأخر التعيينات، اضطر عدد من الأطباء الشباب إلى البحث عن أعمال بعيدة تماماً عن اختصاصهم، وبعضهم لجأ إلى العمل في التجارة أو التسويق أو مجالات أخرى لتأمين احتياجاته اليومية. ولا تمثل هذه الحالة خسارة شخصية للطبيب فقط، بل هي هدر لسنوات الدراسة وللأموال التي أنفقتها عائلته والدولة، فضلاً عن خسارة المجتمع لكفاءات كان يفترض أن تسهم في تطوير القطاع الصحي.

وتكشف هذه الأزمة عن تناقض واضح؛ ففي الوقت الذي يعاني فيه خريجو الطب من البطالة، تشكو مستشفيات ومراكز صحية عديدة من نقص الملاكات والضغط الكبير على الأطباء العاملين. وهذا يعني أن المشكلة ليست فائضاً مطلقاً في أعداد الأطباء، وإنما سوء توزيع وضعفاً في التخطيط ومحدودية التخصيصات المالية اللازمة لإنشاء مؤسسات صحية جديدة وتشغيلها.

ولا يمكن معالجة الأزمة بالاعتماد الدائم على التعيين الحكومي وحده، لأن قدرة الدولة على استيعاب الأعداد المتزايدة ستظل محدودة. لكن الانتقال إلى بدائل أخرى يتطلب تشريعات واضحة وضمانات مهنية وتمويلاً مناسباً، بما يسمح بإنشاء مشاريع صحية خاصة ومراكز تخصصية وعيادات جماعية، ويوفر للطبيب الشاب فرصة حقيقية للعمل والتدريب بدلاً من تركه وحيداً في سوق غير منظم.

كما ينبغي إعادة النظر في سياسة القبول في الكليات الطبية، وربطها بخطة وطنية تمتد لسنوات، تحدد حاجة البلاد إلى الأطباء بحسب التخصص والمحافظة والنمو السكاني. ومن الضروري أيضاً إخضاع الكليات الأهلية لمعايير صارمة تتعلق بجودة التعليم والمستشفيات التدريبية وأعداد الطلبة المقبولين، لأن التعليم الطبي لا يمكن أن يتحول إلى مشروع تجاري منفصل عن حاجة المجتمع وقدرة القطاع الصحي.

إن معالجة بطالة الأطباء تحتاج إلى رؤية مشتركة بين وزارات الصحة والتعليم العالي والتخطيط والمالية، تبدأ بإحصاء دقيق للخريجين والاحتياجات الفعلية، ثم وضع جدول واضح للتعيينات والتدريب، مع توسيع البنية التحتية الصحية وتشجيع الاستثمار المنظم في القطاع الطبي.

فليس من المنطقي أن يمضي الطالب سنوات طويلة في دراسة واحدة من أصعب المهن وأكثرها مسؤولية، ثم يجد نفسه بلا فرصة تدريب أو عمل. الطبيب العاطل لا يمثل رقماً في قوائم الخريجين، بل طاقة علمية وإنسانية معطلة، واستمرار هذه الأزمة لا يهدد مستقبل الأطباء الشباب فحسب، وإنما يهدد أيضاً مستقبل النظام الصحي في العراق.

1833.webp

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!