في الحياةِ الإداريةِ والمؤسسية، قدْ يفقدُ المسؤول التنفيذي، ولا سيما منْ شاغلي الدرجاتِ العليا، منصبه أوْ وظيفته لأسبابٍ متعددة؛ فقدْ يكونُ ذلكَ نتيجةَ تغيراتٍ دستورية، أوْ قراراتٍ إدارية، أوْ تبدلَ الحكومات، أوْ إعادةْ هيكلةِ المؤسسات. وبعدَ سنواتٍ قضاها، وهوَ يخاطبُ منْ قبلِ المحيطينَ بهِ بالألقابِ البروتوكوليةِ التي يفرضها موقعه، منْ (دولة، معالي، سعادة، سيادة، أستاذ، وسيدٍ ) ، ففجأةً يجدُ نفسهُ خارجَ دائرةِ المنصبِ والألقاب، فيبدأُ رحلةَ البحثِ عنْ موقعٍ جديدٍ يعيدهُ إلى واجهةِ المشهد.
في خضمِ هذا السعي، قدْ يكلفُ بمنصبٍ آخر، قدْ يكونُ فخريا أوْ تشريفيا، في إحدى المنظماتِ أوْ المؤسساتِ أوْ منظماتِ المجتمعِ المدني، منْ دونِ أنْ يكونَ ذلكَ المنصبُ متناسبا معَ مؤهلاتهِ العلميةِ أوْ خبراتهِ العمليةِ أوْ قدراتهِ الإدارية، بلْ قدْ يتجاوزُ في بعضِ الأحيانِ إمكاناتهِ وتخصصهُ وخبرته. وهنا، يحضرُ إلى الذهنِ القولُ المأثور: (رحمَ اللهُ امرأً عرفَ قدرهُ ) .
ومعَ ذلك، يحرصُ البعض على الظهورِ الإعلاميِ المكثف، وكأنَ رسالتهُ إلى المجتمعِ هي: ( ما زلت موجودا )، فيتوهمُ أنَ كثرةَ الظهورِ يمكنُ أنْ تعوضَ نقص الكفاءة، وأنَ الأضواءَ قادرةٌ على منحِ الشرعيةِ التي لا يمنحها الأداء، لكنَ الأيامَ كفيلةٌ بكشفِ الحقيقة؛ فمعَ مرورِ الوقت، تتضحُ المقدرةُ العلميةُ والإداريةُ لصاحبِ المنصب، وتظهرُ قدرتهُ الحقيقيةُ على إدارةِ المرفقِ الذي أسندتْ إليهِ مسؤوليةُ قيادته، ولا سيما حينَ يكونُ ذلكَ الموقعُ أقلَ منْ المنصبِ الذي كانَ يتولاهُ سابقا.
إنَ المحسوبيةَ والعلاقاتِ الشخصيةَ والتأثيراتِ المالية، وأحيانا المجاملاتُ السياسيةُ والاجتماعية، قدْ تتغلبُ على معاييرِ الكفاءةِ والاستحقاق، فيمنحُ المنصب، حتى لوْ كانَ تشريفيا أوْ فخريا، إرضاء لهذا الطرف، أوْ ذاك، أوْ تحقيقا لتوازناتٍ آنية، ولوْ كانَ محدود الصلاحيات، وهذهِ الظاهرة تضعفُ المؤسسات؛ لأنها تقدمُ الولاءات على الكفاءات، والمصالحِ الخاصةِ على المصلحةِ العامة.
ليسَ المنصبَ الإداريَ أوْ القيادي، مجردَ كرسيٍ يجلسُ عليهِ صاحبه، ولا لقب يضافُ إلى اسمه، وإنما هوَ مسؤولية تتطلبُ علما راسخا، وخبرة متراكمة، وثقافة واسعة، وقدرة على اتخاذِ القرارِ وإدارةِ الأزمات، فضلاً عنْ النزاهةِ وحسنِ التقدير. فالكرسيُ الكبيرُ لا يصنعُ رجلاً كبيرا، وإنما الرجل الكفؤ هوَ الذي يمنحُ الكرسيّ هيبته وقيمته.
لوْ تأملنا واقعَ العديدِ منْ المؤسسات، لوجدنا نماذجَ متكررةً لأشخاصٍ جلسوا على كراسٍ أكبرَ منْ مقاساتهمْ الفكريةِ والإدارية، فعجزوا عنْ استيعابِ مسؤولياتها، وأصبحتْ قراراتهمْ عبئا على المؤسسةِ بديلاً عنْ أنْ تكونَ وسيلة لتطويرها والنهوضِ بها. فليسَ كلّ منْ شغلَ منصبا قادرا على إدارةِ مؤسسة، وليسَ كلّ منْ امتلكَ لقبا أمتلكُ بالضرورةِ المعرفةَ التي تليقُ بذلكَ اللقب.
في المقابل، هناكَ كفاءاتٌ حقيقيةٌ بقيتْ بعيدة عنْ مواقعِ القرار، لا لضعفٍ فيها، ولا لنقصٍ في علمها أوْ خبرتها، وإنما لأنها لمْ تمتلكْ شبكةْ العلاقاتِ أوْ النفوذِ الذي يفتحُ أبوابَ المناصب، ومعَ ذلك، ظلتْ في كتاباتها وأبحاثها وخبراتها العلميةِ والعمليةِ مناراتٍ في تخصصاتها العامةِ والدقيقة، بينما تقدمَ غيرها إلى الواجهةِ لا بفضلِ الكفاءة، وإنما بفضلِ العلاقاتِ والولاءات.
إنَ بناءَ المؤسساتِ الرصينة، لا يقومُ على المجاملات، ولا على التوازناتِ المؤقتة، ولا على توزيعِ المناصبِ لإرضاءِ الأشخاص، وإنما يقومُ على قاعدةٍ راسخةٍ مفادها: وضعُ الشخصِ المناسبِ في المكانِ المناسب.
هذهِ ليستْ عبارةً إنشائيةً ، تقالُ في المناسبات، بلْ هيَ مبدأ إداريّ وقانونيّ يحققُ العدالةَ الوظيفية، ويرفعُ كفاءةَ الأداء، ويعززُ ثقةَ المجتمعِ بمؤسساته، فحينَ يسندُ المنصبَ إلى منْ يمتلكُ العلم والخبرة والقدرة، يصبحُ الموقعُ وسيلةً لخدمةِ الناسِ وتطويرِ المؤسسة، أما حينَ يسندُ إلى منْ لا يملكُ مقوماته، فإنَ المنصبَ يتحولُ إلى عبءٍ على المؤسسة، مهما كانتْ الألقاب التي يحملها صاحبه.
في هذا السياق، يلفتُ القرآنُ الكريمُ الأنظارَ إلى حقيقةِ اختلافِ القدراتِ والأدوارِ بينَ الناس، وأنَ هذا التنوعَ قائمٌ على حكمةٍ إلهية، كما في قولهِ سبحانهُ وتعالى: ( أهمّ يقسمونَ رحمتْ ربك، نحنُ قسمنا بينهمْ معيشتهمْ في الحياةِ الدنيا ورفعنا بعضهمْ فوقَ بعضِ درجاتٍ ليتخذَ بعضهمْ بعضا سخري، ورحمتْ ربك خير مما يجمعون) (الزخرف: 32 ) ، ويبقى المعيارُ الحقيقيُ لأيِ منصبٍ هوَ ما يقدمهُ صاحبهُ منْ إنجاز، لا ما يحملهُ منْ لقب؛ فالألقابُ تزول، والمواقع تتبدل، والكرسيّ لا يبقى لأحد، أما الكفاءةُ والأثرُ الطيب، فيبقيانِ شاهدينِ على قيمةِ الإنسان. فالمنصبُ لا يصنعُ الرجال، وإنما الرجال همْ الذينَ يصنعونَ قيمةَ المناصب.
وليسَ لنا في تقلبِ الأحوالِ وتبدلِ المواقعِ إلا أنْ نقول: للهِ في خلقهِ شؤونا، فالأقدارُ تتبدل، والمواقع تتغير، والأحوال لا تثبتُ على حال، وكلُ ذلكَ يجري وفقَ مشيئةِ اللهِ وحكمته. قالَ سبحانه وتعالى: (كلَ يومٍ هوَ في شأن) الرحمن: 29.
إنَ الله- سبحانهُ وتعالى- يدبرُ شؤونَ خلقهِ في كلِ حين؛ فيعزُ ويذل، ويرفعُ ويخفض، ويعطي ويمنع، ويبدلُ الأحوال، ويصرفُ الأقدار، وما على الإنسانِ إلا أنْ يعرفَ قدره، وأنْ يدركَ أنَ المنصبَ عابر، وأنَ اللقبَ زائل، وأنَ ما يبقى في النهايةِ هوَ العلم، والعمل، والأخلاق، والأثرُ الطيب.
فطوبى لمنْ عرفَ قدره، وقبلَ موقعه، وأدى مسؤوليته، ولمْ يجعلْ منْ المنصبِ غايةْ لذاته؛ لأنَ قيمةَ الإنسانِ ليستْ في علوِ الكرسيِ الذي يجلسُ عليه، بلْ في مقدارِ ما يضيفهُ إلى المكانِ الذي يجلسُ فيه.
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش المقال إشكالية إسناد المناصب على أساس العلاقات والمجاملات بدلًا من الكفاءة والخبرة، مؤكدًا أن قيمة المنصب تُستمد من قدرة صاحبه على الإنجاز لا من اللقب الذي يحمله. ويبين أن المؤسسات لا تنهض إلا عندما تُقدَّم المعرفة والاستحقاق على المصالح الضيقة، فيما يبقى العلم والأثر الحسن هما الرصيد الحقيقي للإنسان بعد زوال المناصب. ويختتم المقال بالتأكيد على أن المناصب زائلة، أما الكفاءة والأخلاق والإنجاز فهي التي تخلّد أصحابها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!