لم يرد الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته أن تكون حدثًا تاريخيًا ينتهي بانتهاء زمانه، وإنما أرادها مشروعًا إصلاحيًا دائمًا يعيد بناء الإنسان والمجتمع على أساس الإيمان والعدالة والكرامة. وقد تحولت زيارة الأربعين إلى الامتداد العملي لهذا المشروع، فهي ليست مجرد شعيرة تعبدية، بل مدرسة تربوية تتجسد فيها قيم الإسلام وأخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، فيتخرج منها الإنسان أكثر وعيًا وإيمانًا ومسؤولية، وينعكس ذلك على المجتمع بأسره.
وقد أكد القرآن الكريم أن الإصلاح هو غاية الرسالات الإلهية، قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: ٨٨)، كما بيّن الإمام الحسين (عليه السلام) هدف نهضته بقوله: (إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا... وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي)(١). ومن هذا المنطلق تمثل زيارة الأربعين مدرسة متجددة لتجسيد هذا الإصلاح في واقع الإنسان والمجتمع.
أولًا: القيم التي تبني الإنسان
١- القيمة الإيمانية وتجديد العهد مع الله تعالى
إن أول ما تغرسه زيارة الأربعين في نفس الزائر هو تعميق الصلة بالله سبحانه وتعالى، فالمسير الطويل، وتحمل المشقة، وترك مظاهر الراحة، كلها تتحول إلى عبادة خالصة يقصد بها التقرب إلى الله تعالى من خلال إحياء أمر أوليائه.
ولا يقف الإيمان عند حدود العاطفة، بل يتحول إلى التزام عملي، إذ يجد الزائر نفسه يعيش مع أهداف الإمام الحسين (عليه السلام)، فيراجع علاقته بالله، ويجدد توبته، ويستحضر مسؤوليته في إصلاح نفسه.
ويؤكد القرآن الكريم أن الإيمان الحقيقي هو الذي يثمر العمل الصالح، قال تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥).
كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):
(من أتى قبر الحسين (عليه السلام) عارفًا بحقه كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة...)(٢).
فالمعرفة التي تشير إليها الرواية ليست معرفة تاريخية، وإنما معرفة بالإمام ومنهجه الإصلاحي، وهي التي تصنع الإنسان المؤمن الواعي.
٢- القيمة الأخلاقية
تعد الأخلاق من أبرز ثمار زيارة الأربعين؛ إذ يعيش الزائر أجواء التواضع، والصبر، والحلم، وضبط النفس، واحترام الآخرين.
فالطريق إلى كربلاء مدرسة أخلاقية مفتوحة، يتدرب فيها الإنسان على تحمل المشقة، والتعامل الحسن مع الناس، والتسامح عند الاختلاف، وخفض الجناح للمؤمنين.
وقد قال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ٨٣).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
(كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا)(٣).
فكل زائر يمثل مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وسلوكه أثناء الزيارة يعكس حقيقة انتمائه لهم.
٣- قيمة الصبر والانضباط
إن المشي لمسافات طويلة، والالتزام بالنظام، واحترام حقوق الآخرين، والالتزام بآداب الطريق، كلها تربي الإنسان على الصبر والانضباط.
وقد وصف الله تعالى الصابرين بقوله:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠).
فزيارة الأربعين تعلم الإنسان أن الإصلاح لا يتحقق بالعجلة، وإنما بالصبر والثبات كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه.
٤- قيمة الإيثار والتضحية
لعل أبرز ما يميز الأربعين هو مشاهد الإيثار التي يقدمها أصحاب المواكب، حيث يبذلون أموالهم وجهودهم ووقتهم في خدمة الزائرين دون انتظار مقابل.
وهذه القيمة امتداد عملي لقوله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩).
كما أنها استلهام مباشر من مدرسة كربلاء التي قدم فيها الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه أعظم صور التضحية في سبيل المبادئ.
٥- قيمة الوعي والإصلاح
زيارة الأربعين ليست تجمعًا بشريًا فحسب، وإنما مناسبة لتجديد الوعي برسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، فالزائر يقرأ نصوص الزيارة التي تؤكد أن الحسين (عليه السلام):
(بذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة)(٤).
وهذا النص يبين أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتحرير عقل الإنسان من الجهل والانحراف، قبل إصلاح الواقع الخارجي.
ثانيًا: القيم التي تبني المجتمع
١- قيمة التكافل الاجتماعي
تمثل زيارة الأربعين أوسع ميدان عملي لتجسيد التكافل الاجتماعي، إذ تتحول المدن والقرى الواقعة على طريق الزائرين إلى ورشة إنسانية كبرى، يتسابق فيها الناس إلى تقديم الطعام والشراب والمأوى والعلاج والنقل وسائر الخدمات، دون تمييز بين غني وفقير، أو عربي وأعجمي، أو قريب وغريب. وهذه الظاهرة لا تقوم على منفعة مادية، وإنما تنبع من الإيمان برسالة الإمام الحسين (عليه السلام) ومن روح العطاء التي غرستها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
ويؤكد القرآن الكريم هذا المبدأ بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢)، فزيارة الأربعين تقدم تطبيقًا عمليًا لهذه الآية، إذ تتحول الخدمة إلى عبادة، والبذل إلى وسيلة للتقرب إلى الله تعالى.
كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمن)(٥). ومن أبرز مصاديق ذلك خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام)، لما فيها من إدخال السرور وقضاء الحوائج وإحياء روح الأخوة.
ولا تقتصر آثار هذا التكافل على أيام الزيارة، بل تسهم في ترسيخ ثقافة البذل والعمل التطوعي في المجتمع، مما يعزز التماسك الاجتماعي ويحد من مظاهر الأنانية والفردية.
٢- قيمة الوحدة والأخوة الإنسانية
تعد زيارة الأربعين من أعظم صور الوحدة الإسلامية والإنسانية، حيث تجتمع ملايين البشر من مختلف الجنسيات واللغات والثقافات تحت راية الإمام الحسين (عليه السلام)، دون أن تكون اللغة أو اللون أو القومية سببًا للتفاضل، وإنما يكون المعيار هو الانتماء إلى المبادئ التي ضحى من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، وقال أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ١٣).
وفي الأربعين تتحول هذه المبادئ إلى واقع ملموس؛ فالزائر يشعر بأنه جزء من أمة واحدة، يتعاون أفرادها على البر والتقوى، ويقدم كل منهم ما يستطيع لخدمة الآخر، وهو ما يعزز ثقافة التعايش والتسامح والاحترام المتبادل.
٣- قيمة المسؤولية الاجتماعية والعمل التطوعي
إن من أبرز مظاهر زيارة الأربعين اتساع دائرة العمل التطوعي، حيث يشارك آلاف المتطوعين في تنظيم حركة الزائرين، وتقديم الخدمات الطبية والإعلامية والأمنية والإرشادية، فضلًا عن إدارة المواكب الحسينية.
ويكشف هذا المشهد عن أن مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) لا تربي الإنسان على العبادة الفردية فحسب، بل تدفعه إلى تحمل المسؤولية تجاه المجتمع.
وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)(٦)، وهو مبدأ يتجسد بوضوح في الأربعين، إذ يشعر كل فرد بأن عليه واجبًا يؤديه لخدمة الآخرين، مهما كان بسيطًا.
ومن هنا تتحول الزيارة إلى مدرسة عملية لإعداد الإنسان المسؤول، الذي يجعل خدمة المجتمع جزءًا من رسالته الدينية والأخلاقية.
٤- قيمة حفظ الهوية الدينية والثقافية
في ظل التحديات الفكرية والثقافية التي تواجه المجتمعات الإسلامية، تؤدي زيارة الأربعين دورًا مهمًا في ترسيخ الهوية الإسلامية الأصيلة، وربط الأجيال بسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهداف نهضته.
فالزائر لا يحيي ذكرى تاريخية فحسب، بل يعيش منظومة من القيم والمفاهيم التي تحفظ انتماءه الديني والثقافي، وتحصنه من الانسلاخ عن هويته أو الذوبان في الثقافات المنحرفة.
وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام): (أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا)(٧)، وإحياء الأمر لا يقتصر على إقامة الشعائر، بل يشمل نشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) وقيمهم في الواقع الاجتماعي.
ولهذا أصبحت زيارة الأربعين وسيلة فعالة لنقل هذه القيم من جيل إلى آخر، والمحافظة على استمرارية المشروع الحسيني.
٥- قيمة الإصلاح المجتمعي ومواجهة الفساد
إن الغاية النهائية لزيارة الأربعين هي تحويل المبادئ الحسينية إلى مشروع إصلاح شامل، فالإمام الحسين (عليه السلام) أعلن أن هدف نهضته هو الإصلاح، وليس مجرد المعارضة السياسية.
ولهذا فإن الزائر الحقيقي هو الذي يعود من الأربعين أكثر التزامًا بالحق، وأكثر رفضًا للظلم والفساد، وأكثر حرصًا على إقامة العدل في أسرته ومجتمعه.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠)، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: ١٠٤).
ومن هنا فإن نجاح زيارة الأربعين لا يقاس بضخامة الحشود فحسب، بل بقدرتها على صناعة مجتمع أكثر عدالة، وأمانة، وتراحمًا، والتزامًا بقيم الإسلام التي استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل إحيائها.
فتكشف زيارة الأربعين عن حقيقة مهمة، وهي أن الشعائر الدينية ليست غاية مستقلة، بل وسائل لتربية الإنسان وإصلاح المجتمع. فالمسير إلى كربلاء، وما يصاحبه من عبادة وخدمة وتعاون وإيثار، يشكل منظومة تربوية متكاملة تغرس في الفرد الإيمان، والأخلاق، والصبر، والوعي، والمسؤولية، كما تؤسس في المجتمع قيم التكافل، والوحدة، والتطوع، وحفظ الهوية، والإصلاح.
ومن هنا فإن رسالة الأربعين لا تنتهي بانتهاء الزيارة، وإنما تبدأ بعدها، عندما يحمل الزائر تلك القيم إلى أسرته، وعمله، ومجتمعه، فيكون امتدادًا عمليًا لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتجسيدًا لقوله: (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي).
الهوامش
١. الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج٢، ص٣٧.
٢. ابن قولويه، كامل الزيارات، باب فضل زيارة الحسين (عليه السلام)، ص١٣٤.
٣. الكليني، الكافي، ج٢، ص٧٧.
٤. الشيخ الطوسي، مصباح المتهجد، نص زيارة الأربعين، ص٧٨٨.
٥. الكليني، الكافي، ج٢، ص١٨٨.
٦. البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن؛ والكليني، الكافي، ج٥، ص٥٦.
٧. الشيخ الصدوق، الأمالي، ص١٤٢.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!