كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المرأةُ بينَ التكريمِ الإلهي، وسوءِ الفهمِ البشريِ

  المقدمة :
 في اليومِ الإسلاميِ للعنفِ ضدَ المرأة، لا نحتاجُ إلى، أنْ نبحثَ للمرأةِ عنْ مكانةٍ يمنحها إياها أحد؛ فالمرأةُ لمْ تنتظرْ يومَ شهادة منْ رجل؛ كيْ تكونَ إنسانا، ولمْ تكنْ كرامتها منحةً اجتماعيةً أوْ قرارا سياسيا، وإنما كرمها الله- سبحانهُ وتعالى- يومَ جعلها شريكةَ الإنسانِ في أصلِ الخلق، وشريكة لهُ في التكليف، وشريكة في الثوابِ والعقاب، وشريكة في بناءِ الحياة.
   إن المرأةُ أم، ومدرسة، فإنها المدرسةُ الأولى التي يتعلمُ فيها الإنسانُ، معنى الحبِ والرحمةِ والانتماء، وهيَ أخت، وفي الأخوةِ سند لا تعوضهُ الأيام، وهيَ زوجة، ليستْ خادمة في بيتِ الرجل، ولا تابع له، وإنما شريكةْ عمر، وسكن ومودة ورحمة، وهيَ ابنة، كانتْ في الجاهليةِ تدفنُ حية، فجاءَ الإسلام؛ ليجعلَ الإحسانُ إليها بابا منْ أبوابِ الجنة، وهيَ طبيبة ومعلمة وقاضية وأستاذة ومهندسة وموظفة ومبدعة وقائدة، تشاركُ الرجلَ في صناعةِ الحياة، لا بوصفها نسخةً منه، بلْ بوصفها إنسانا كامل الكرامة، مختلفا في بعضِ الخصائص، متساويا معهُ في الإنسانيةِ والجزاءِ والمسؤولية.
    منْ هنا، فإنَ المشكلةَ ليستْ في تفسير البعض لبعض الآيات الكريمة أو فهما، وإنما في بعضِ القراءاتِ البشرية، التي تأخذُ آيةً منْ سياقها، أوْ حديثا منْ مناسبته، ثمَ تجعلُ منهُ سيفا مسلطا على المرأة، وكأنَ الله- سبحانهُ وتعالى- خلقُ المرأةِ ليكونَ الرجلُ وصيا على إنسانيتها.
  يجب أن نعرف الحقيقةُ، أنَ القرآنَ الكريم، لا يتعاملُ معَ المرأةِ باعتبارها كائنا ناقصا في القيمة، بلْ يجعلُ معيار التفاضلِ هوَ التقوى والعمل الصالح، لا الذكورة والأنوثة: ( يا أيها الناسُ إنا خلقناكمْ منْ ذكرٍ وأنثى وجعلناكمْ شعوبا وقبائلَ لتعارفوا، إنَ أكرمكمْ عندَ اللهِ أتقاكم) سورةْ الحجرات، الآية 13، فالآيةُ لمْ تقل: إنَ أكرمكمْ عندَ اللهِ أرجلكم، ولا أموالكم، ولا أنسابكم، ولا أجانسكم، وإنما قالت: (أتقاكمْ).
  لقد تعدَّدتْ تفاسيرُ بعضِ الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ النبويةِ الشريفةِ، وتنوَّعتْ أوجهُ فهمِها وتأويلِها، ولا سيَّما تلكَ التي تناولتْ قضايا المرأةِ؛ ومن هنا، نعرِّجُ على بعضِها، للوقوفِ على دلالاتِها وما أُثيرَ حولَها من اختلافٍ في التفسيرِ والفهمِ.
أولاً. الآياتُ والأحاديث التي يرددها بعضُ الأشخاصِ بحق المرأة
1.     الآية: إنَ كيدهنَ عظيمٌ 
   قالَ سبحانه وتعالى: ( فلما رأى قميصه قدْ منْ دبرٍ قالَ إنهُ منْ كيدكن، إنَ كيدكنَ عظيما) سورةْ يوسف، الآية 28، فالكثير، يقتطعونَ هذهِ العبارةَ منْ سياقها ليجعلوها حكما إلهيا على النساءِ جميعا، وهذا فهمٌ غيرُ دقيق.
    لقدْ جاءتْ الآيةُ الكريمةُ في سياقِ قصةٍ محددة، وقائلِ العبارةِ هوَ العزيز، بعدَ أنْ ظهرتْ لهُ حقيقةٌ واقعةٌ معينة، وليستْ الآيةُ تقريرا عاما يقول: إنَ كلَ امرأةٍ مخادعةٍ أوْ أنَ طبيعةَ النساءِ قائمةٌ على الكيد، والقرآنُ نفسهُ يذكرُ امرأةً عظيمةً هيَ امرأةُ فرعون، ويقدمها نموذج للإيمانِ والاستقلالِ الأخلاقيِ في مواجهةِ الطغيان: (وضربَ اللهُ مثلا للذينَ آمنوا امرأةْ فرعونِ إذْ قالتْ ربّ ابن لي عندك بيتا في الجنةِ ونجني منْ فرعونٍ وعمله ونجني منْ القومِ الظالمين) سورةْ التحريم، الآية 11،
 وكذلكَ يذكرُ القرآنُ ملكة سبأ، امرأة قادتْ قومها، وأدارتْ شؤونَ دولة، واتخذتْ قرارا سياسيا حكيما، ولمْ يقدمها القرآنُ باعتبارها نموذجا للعجز، بلْ نموذجٍ للعقلِ والتدبرِ وحسنِ اتخاذِ القرار، فالمرأةُ في القرآن، ليستْ صورةٌ واحدة، فيها الصالحة، وفيها الطالحة، كما في الرجالِ تماما، والقرآن لا يظلمُ جنسا بسببِ خطأِ فرد.
2.     الآية: مثنى وثلاث، ورباع 
  ليستْ هذهِ الآية الكريمة لتكريمِ الرجلِ على حسابِ المرأةِ في قوله سبحانه وتعالى: فانكحوا ما طابَ لكمْ منْ النساءِ مثنى وثلاث ورباع، فإنْ خفتمْ ألا تعدلوا فواحدة أوْ ما ملكتْ أيمانكم، ذلكَ أدنى ألا تعولوا سورةْ النساء، الآية 3. فلا يجوزُ فصلها عنْ سياقها، فقدْ جاءتْ في سياقِ الحديثِ عنْ اليتامى والعدلِ في حقوقهن، ثمَ وضعتْ حدا للتعدد، وربطتهِ بشرطٍ بالغِ الصعوبةِ والخطورة، وهوَ العدل. والآيةُ لا تقولُ للرجل: تزوجَ كما تشاء، بلْ تقولُ بوضوح: (فإنْ خفتمْ ألا تعدلوا فواحدة)، فالقضية ليستْ امتيازا ذكوريا مطلقا، وإنما تنظيم اجتماعيٍ وقانونيٍ وأخلاقيٍ في سياقٍ تاريخيٍ محدد، مشروطٍ بالعدل، فمنْ الظلمِ أنْ تستخدمَ الآية ذريعة، لإهانةِ المرأةِ أوْ التعاملِ معها باعتبارها شيئا يمتلكهُ الرجل، فالزواجُ في القرآنِ ليسَ ملكية للمرأة، وإنما ميثاق: (وأخذنَ منكمْ ميثاقا غليظا) سورةْ النساء، الآية 21، والميثاق الغليظ لا يبنى على الاستعلاء، بلْ على المسؤولية.
3.     الحديث: النساءُ ناقصاتُ عقل ودين 
    هذهِ ليستْ آيةً قرآنية، فهيَ حديث نبوي شريف، وليستْ منْ القرآنِ الكريم، وردتْ في سياقٍ معين، ولا يصحُ تحويلها إلى شعارٍ لاحتقارِ المرأةِ أوْ نفيِ عقلها أوْ إيمانها، والقرآن نفسه يقدمُ لنا نماذج لنساءٍ امتلكنَ الحكمةَ والإيمانَ والشجاعةَ والقدرةَ على اتخاذِ القرار، ومنْ أعظمِ النماذج: 
أ - مريم عليها السلام، التي اصطفاها اللهُ وطهرها.
 ب - امرأةْ فرعون، التي واجهتْ طغيانا أعظمَ طاغية.
ت- ملكة سبأ، التي ناقشتْ واحتاطتْ وتدبرت، ولمْ تتخذْ قرارا انفعاليا.
ث- أمّ موسى، التي أوحى اللهُ إليها، وألهمها في أخطرِ لحظاتِ حياتها.
ج- نساء المؤمنينَ اللواتي كنَ حافظات للعلمِ والروايةِ والتاريخ.
   أما القرآنُ الكريم؛ فيقررُ قاعدةً واضحة: ( أني لا أضيعُ عملَ عاملٍ منكمْ منْ ذكرِ أوْ أنثى، بعضكمْ منْ بعض) سورةْ آلِ عمران، الآية 195، فتأملوا العبارةَ الأخيرة: (بعضكمْ منْ بعضٍ ) ،  فليست المرأةُ منْ عالم، والرجل منْ عالمٍ آخر، فكلاهما منْ الإنسانية، وكلاهما مسؤول أمامَ الله، وكلاهما يستطيعُ أنْ يسموَ أوْ يسقط.
4.     الآية: الرجالُ قوامونَ على النساءِ
 تعد القوامةِ مسؤولية، وليستْ استبدادا قالَ تعالى: (الرجال قوامونَ على النساءِ بما فضل اللهِ بعضهمْ على بعضٍ وبما أنفقوا منْ أموالهم) سورةْ النساء، الآية 34، فمنْ أخطرِ الأخطاءِ أنْ تفهمَ القوامة على أنها رخصةٌ لإهانةِ المرأةِ أوْ التحكمِ في حياتها أوْ مصادرةِ شخصيتها، فالقوامةُ في جوهرها مسؤوليةً ورعايةً وإنفاقا وحمايةً وإدارةً لشؤونِ الأسرة، وليستْ تفويضا إلهيا بالظلم، والدليلِ أنَ القرآنَ نفسهُ يجعلُ العلاقةَ الزوجيةَ قائمةً على السكنِ والمودةِ والرحمة: ( ومنْ آياتهِ أنْ خلقَ لكمْ منْ أنفسكمْ أزواجا لتسكنوا إليها وجعلَ بينكمْ مودة ورحمة) سورةْ الروم، الآية 21، فهلْ يمكنُ أنْ تكونَ القوامة التي أرادها اللهُ قسوةً وإذلالا، بينما جعلَ أساس العلاقةِ المودة والرحمة، إنَ الرجلَ الذي يستعملُ القوامة لإذلالِ زوجتهِ لمْ يفهمْ القوامة، بلْ فهم السلطةِ منْ دونِ مسؤولية.
5.     الآية: للذكرِ مثلُ حظِ الأنثيينِ
    يعد هذا حكم في نظامِ المواريث، وليسَ قاعدة لتفضيلِ الرجلِ في كلِ شيءٍ قالَ تعالى: (يوصيكمْ الله في أولادكم، للذكرِ مثلُ حظِ الأنثيين) سورةْ النساء، الآية 11، فهذهِ الآية تتحدثُ عنْ حالةٍ محددةٍ منْ حالاتِ الميراث، ولا تقول: إنَ الرجلَ أفضلُ منْ المرأةِ في كلِ شيء، ولا إنَ قيمةَ الرجلِ الإنسانيةَ تساوي ضعفِ قيمةِ المرأة.
    يعدُ نظامُ المواريثِ في القرآنِ منظومةً متكاملة، ولا يجوزُ أخذُ جزءِ واحدٍ منها، وبناءِ تصورٍ كاملٍ عنْ قيمةِ المرأة. والقرآنُ يقررُ في موضعٍ آخر: (ولهنَ مثل الذي عليهنَ بالمعروف) سورةْ البقرة، الآية 228، وهذهِ منْ أعمقِ الآياتِ في بناءِ العلاقةِ بينَ الرجلِ والمرأة: حقوقٌ متبادلة، وواجباتٌ متبادلة، ومعروف يحكمُ العلاقة، فإذا كانَ للرجلِ حق، فللمرأةِ حق، وإذا كانَ على الرجلِ واجب، فعلى المرأةِ واجب. وليسَ معنى اختلافِ بعضِ الأحكامِ في بعضِ المجالاتِ أنَ أحدهما أرفعُ إنسانيةٍ منْ الآخر.
ثانياً. الآياتُ والأحاديث التي يتناساها بعضُ الأشخاص في حق المرأة:
1.    الآية: وعاشروهنَ بالمعروفِ
   قالَ تعالى: وعاشروهنَ بالمعروف، فإنْ كرهتموهنَ فعسى أنْ تكرهوا شيئا ويجعلُ اللهُ فيهِ خيرا كثيرا، سورةْ النساء، الآية 19، فلمْ يقلْ القرآن: عاشروهمْ عندما تكونُ الحياةُ سهلةً فقط، بلْ قال: بالمعروف. والمعروفُ كلمةٌ واسعة، تدخلُ فيها الكرامة، والاحترام، والرحمة، وحسن الكلام، وعدمِ الإهانة، وعدم تحويلِ الزواجِ إلى سجن، بلْ إنَ الآيةَ تبلغُ غايةً عظيمةً منْ الحكمةِ حينَ تقولُ للرجل: قدْ تكرهُ شيئا، ولكنْ ربما جعلَ اللهُ فيهِ خيرا كثيرا، فليستْ كلُ خلافاتِ الحياةِ سببا للظلم، وليستْ كلّ امرأةٍ لا توافقُ رغباتُ الرجلِ امرأةً سيئة.
2.     الحديث: الاحسان الىَ النساء 
  أكدتْ السنةُ النبويةُ الصحيحةُ معنى الإحسانِ إلى النساء، ومنها حديث: " استوصوا بالنساءِ خيرا "، وحديث: خيركمْ خيركمْ لأهله، وأنا خيركمْ لأهلي " خيركمْ خيركمْ لأهلهِ " هذا حديث صحيح، ومعناهُ أنَ حقيقةَ أخلاقِ الإنسانِ لا تقاسُ بما يقدمهُ للغرباءِ فقط، بلْ بما يفعلهُ داخلَ بيته. فقدْ يكونُ الرجلُ لطيفا أمامَ الناس، مبتسما في المجالس، محترما في العمل، ثمَ يعودُ إلى بيتهِ ليكونَ أكثر الناسِ قسوة. وهنا يأتي الميزانُ النبوي: خيركمْ خيركمْ لأهله. فالأخلاقُ التي لا تصلُ إلى البيتِ ليستْ أخلاقا كاملة، واستوصوا بالنساءِ خيرا " . هذهِ ليستْ دعوةً إلى تفضيلِ المرأةِ على الرجل، وإنما دعوة إلى عدمِ ظلمها، لأنها كانتْ في مجتمعاتٍ كثيرةٍ عبرَ التاريخِ الحلقةَ الأضعفَ في ميزانِ القوة. والوصيةُ بالمرأةِ خيرٌ تعني أنَ قوتك كرجلٍ ليستْ رخصةً لاستعمالِ القوةِ ضدها. فالقوةُ الحقيقيةُ ليستْ أنْ تستطيعَ أنْ تؤذي، بلْ إنَ تستطيعُ أنْ تؤذي، ولا تفعل.
3.رفقا بالقواريرِ 
وردَ هذا المعنى في السنةِ النبويةِ في سياقِ الرفقِ بالنساء، وتشبيههنَ بالقواريرِ يحملُ معنى اللطفِ والرقةِ والحذرِ منْ الكسر. والقلبُ الإنساني، رجلاً كانَ أمْ امرأة، يمكنُ أنْ ينكسر. لكنَ المرأة، بما تحملهُ منْ مشاعرَ ومسؤولياتٍ وأعباء، تحتاجُ إلى رجلٍ يعرفُ أنَ الكلمةَ قدْ تكونُ أحيانا أشدَ منْ السلاح. ليسَ كلُ جرحٍ ينزفُ دما.
4.ما أكرمهنَ إلا كريما، وما أهانهنَ إلا لئيم " 
هذهِ العبارة شائعة جدا، ولكنْ لا يصحُ الجزمُ بنسبتها إلى النبي محمد (ص)، بهذا اللفظ؛ لذلكَ الأفضلِ، أنْ تذكرَ بوصفها حكمةً شائعةً لا حديثا ثابتا، أما المعنى العام، فينسجمُ معَ الأحاديثِ الصحيحةِ التي تحثُ على إكرامِ النساءِ وحسنِ معاشرتهن، والحقيقةُ أنَ إهانةَ المرأةِ لا تكشفُ ضعفَ المرأة، بلْ تكشفُ أخلاق منْ يهينها. المرأةُ في القرآنِ ليستْ تابعا للرجلِ يقولُ اللهُ سبحانهُ وتعالى: والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضهمْ أولياء بعض، يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عنْ المنكر؟ سورةْ التوبة، الآية 71.
إنَ العلاقةَ في المجتمعِ الإيمانيِ ليستْ علاقةَ سيدِ بعبد، ولا علاقةِ إنسانٍ كاملٍ بإنسانٍ ناقص، وإنما علاقةْ تكاملٍ وتعاونٍ ومسؤوليةٍ مشتركة. ويقولُ تعالى:؟ إنَ المسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ ، أعدَ الله لهمْ مغفرة وأجرا عظيما؟ سورةْ الأحزاب، الآية 35.
الخاتمة:
     بعد أنْ طوّفنا في رحابِ الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ النبويةِ الشريفةِ، واستجلينا ما تضمّنته من معانٍ ساميةٍ ومبادئَ راسخةٍ بشأنِ المرأةِ ومكانتها وحقوقِها، فإنّ من الضروري أنْ ننتقلَ من مرحلةِ الاستعراضِ والنقلِ إلى مرحلةِ التحليلِ والاستنتاجِ؛ لنخلصَ إلى جملةٍ من النتائجِ والتحليلاات، ونطرحَ عددًا من التوصياتِ التي نراها جديرةً بالتأملِ، وكما يأتي:
أولاً: النتائج
1.    المساواة في التكليف والثواب: يتضح من الآيات الكريمة أن القرآن الكريم لا يربط الإيمان والعمل الصالح والعبادة والثواب بجنس الإنسان؛ فقد خاطب الرجال والنساء معاً، وأكد أن معيار الجزاء هو الإيمان والعمل الصالح، لا كون الإنسان ذكراً أو أنثى. قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) النحل: 97.
2.    الكرامة الإنسانية لا تقوم على الجنس: لا يجعل القرآن الكريم الذكورة معياراً للتكريم، ولا الأنوثة سبباً للانتقاص، وإنما يقرر أن معيار التفاضل الحقيقي هو التقوى والعمل الصالح والإنسانية.
3.    المرأة شريكة في النجاح وصناعة الحياة: تكشف التجربة الإنسانية أن النجاح لا يصنعه فرد واحد دائماً؛ فقد تكون وراء نجاح الرجل أمٌّ غرست، أو زوجة ساندت، أو أخت شجعت، أو معلمة صنعت الوعي. كما قد يقف وراء نجاح المرأة أبٌ آمن بقدرتها، أو زوج احترم طموحها، أو معلم فتح أمامها أبواب العلم.
4.    النجاح الحقيقي لا ينتقص من مكانة الشريك الإنسان الواثق من ذاته لا يرى في نجاح شريكه تهديداً له، لأن النجاح ليس معركة بين الرجل والمرأة، وإنما هو إضافة إلى الأسرة والمجتمع والإنسانية.
5.    القرآن الكريم لا يحمل حواء وحدها مسؤولية الخطيئة الأولى: تؤكد الآيات القرآنية أن الوسوسة والإغواء تعلقا بآدم وحواء معاً، كما في قوله تعالى ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ([البقرة: 36]، وقوله تعالى: ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) الأعراف: 20. ومن ثم، فإن تحميل المرأة وحدها مسؤولية الخطيئة الأولى لا يستند إلى التصور القرآني.
6.    الاختلاف بين الرجل والمرأة لا يعني الانتقاص: الاختلاف في الطبيعة أو الوظائف أو الأدوار لا يعني أن أحد الطرفين أقل قيمة من الآخر؛ فالتنوع بين أعضاء الجسد لا يلغي أهمية أي منها، وكذلك فإن الاختلاف بين الرجل والمرأة ينبغي أن يُفهم في إطار التكامل لا الصراع.
7.    المنهج القرآني يقوم على الكرامة والمسؤولية والتكامل: لا يقوم التصور القرآني على جعل الرجل سيداً مطلقاً والمرأة تابعاً بلا إرادة، كما لا يقوم على إلغاء الفروق الطبيعية بينهما، بل يؤسس لعلاقة تقوم على المسؤولية والرحمة والمعروف والتعاون.
8.    المرأة العراقية شريكة أصيلة في بناء الوطن: لم تكن المرأة العراقية بعيدة عن صناعة التاريخ، فقد أسهمت في بناء المجتمع بوصفها أماً، ومعلمة، وطبيبة، وأستاذة جامعية، وقاضية، وموظفة، ومهندسة، ومثقفة، ومشاركة في مختلف مجالات الحياة العامة.
9.    تكريم المرأة لا ينبغي أن يكون موسمياً إن الاحتفال بالمرأة لا ينبغي أن يتحول إلى كلمات وشعارات تنتهي بانتهاء المناسبة، بينما تستمر في الواقع مظاهر التمييز أو الإقصاء أو العنف أو حرمانها من فرص التعليم والعمل والمشاركة.
10.العادات الاجتماعية ليست بالضرورة أحكاماً دينية من أخطر مظاهر الظلم أن تتحول بعض العادات والتقاليد الاجتماعية إلى أحكام دينية، ثم تُنسب إلى القرآن الكريم من دون تدبر أو فهم صحيح للنصوص.
ثانياً: التحليلات
1.    إن القراءة الانتقائية للنصوص الدينية تؤدي إلى ظلم المرأة: فليس من المنهج الصحيح أن يختار الإنسان الآيات التي يرى فيها حقاً له، ويتجاهل الآيات التي ترتب عليه واجباً ومسؤولية. فالنص الديني لا يُفهم بالانتقاء، وإنما بقراءته في سياقه الكلي.
2.    الحق لا ينفصل عن المسؤولية:فإذا ذُكرت القوامة، وجب أن تُفهم باعتبارها مسؤولية ورعاية وإنفاقاً وحماية، لا امتيازاً مطلقاً أو رخصة للسيطرة والإهانة. وإذا ذُكرت الطاعة، فلا يجوز فصلها عن الرحمة والمعروف وحسن المعاشرة.
3.    الصراع بين الرجل والمرأة صراع وهمي يخسر فيه المجتمع: فالرجل والمرأة ليسا طرفين في معركة وجودية، بل شريكان في بناء الأسرة والمجتمع. وكل خطاب يحول العلاقة بينهما إلى صراع دائم يضر بالطرفين ويهدد استقرار الأسرة.
4.    التمييز ضد المرأة يضر بالتنمية الوطنية: عندما تُحرم المرأة من التعليم أو العمل أو المشاركة في مواقع المسؤولية بسبب جنسها، فإن المجتمع لا يخسر المرأة وحدها، بل يخسر طاقة بشرية وعلمية وإبداعية يمكن أن تسهم في تقدمه.
5.    الأسرة الناجحة تقوم على الاعتراف المتبادل: لا يمكن بناء أسرة مستقرة إذا نظر أحد الطرفين إلى نجاح الآخر باعتباره تهديداً لمكانته. فالنجاح الأسري الحقيقي يقوم على التعاون، والتشجيع، والاحترام، وتقاسم المسؤولية.
6.    المجتمع العادل لا يساوي بين المختلفين بطريقة تلغي خصوصيتهما: العدالة لا تعني بالضرورة التطابق الكامل بين الرجل والمرأة في كل الأدوار، كما أن الاختلاف لا يعني التمييز أو الانتقاص. والعدل الحقيقي هو منح كل إنسان كرامته وحقوقه وفرصه العادلة.
7.    الإسلام لا ينبغي أن يُستخدم غطاءً للممارسات الاجتماعية الظالمة: كثير من الممارسات التي تُفرض على المرأة قد تكون نابعة من أعراف اجتماعية أو ثقافات تاريخية، وليس بالضرورة من القرآن الكريم أو من جوهر الشريعة. ولذلك يجب التمييز بين الدين من جهة، والعادات والتقاليد من جهة أخرى.
ثالثاً: التوصيات
1.    اعتماد قراءة شاملة للقرآن الكريم والسنة النبوية، والابتعاد عن القراءة الانتقائية التي تقتطع النصوص من سياقها لتبرير موقف مسبق.
2.    تعزيز الخطاب الديني المعتدل الذي يوضح أن كرامة المرأة وحقوقها لا تتعارض مع القيم الإسلامية، وأن الإسلام لا يبرر الظلم أو الإهانة أو العنف.
3.    التمييز الواضح بين الأحكام الدينية والعادات الاجتماعية، وعدم تحويل التقاليد والأعراف إلى قواعد دينية ملزمة من دون دليل صحيح.
4.    تطوير المناهج التعليمية، بما يعزز قيم الاحترام والتعاون والتكامل بين الرجل والمرأة، ويقاوم الصور النمطية التي تكرس التمييز.
5.    دعم تعليم المرأة وتمكينها علمياً ومهنياً، لأن تعليم المرأة لا ينعكس عليها وحدها، بل ينعكس على الأسرة والمجتمع والدولة بأكملها.
6.    ضمان مشاركة المرأة في الحياة العامة ومواقع اتخاذ القرار، وفقاً للكفاءة والنزاهة والقدرة، بعيداً عن الإقصاء أو التمييز.
7.    تعزيز الحماية القانونية والاجتماعية للمرأة، من العنف والاستغلال والتمييز، مع ضمان احترام كرامتها الإنسانية.
8.    تحويل المناسبات الخاصة بالمرأة من احتفالات رمزية إلى سياسات عملية، تتعلق بالتعليم والعمل والعدالة والحماية وتكافؤ الفرص.
9.    تعزيز ثقافة الشراكة داخل الأسرة، بحيث يُنظر إلى نجاح الرجل والمرأة باعتباره نجاحاً للأسرة والمجتمع، لا انتصاراً لطرف على حساب طرف آخر.
10.ترسيخ مبدأ أن الحقوق تقابلها واجبات، وأن كل نص يمنح حقاً يقابله التزام بالمسؤولية والرحمة والعدل وحسن المعاملة.
11.اعتماد معيار التقوى والعمل الصالح والإنسانية معياراً للتكريم، بعيداً عن التمييز القائم على الجنس أو الأصل أو المكانة الاجتماعية.
12. رفض استخدام القرآن الكريم أداة للظلم أو الإهانة، والتأكيد على أن القرآن الكريم كتاب هداية ورحمة وعدل، ولا يجوز تحويله إلى وسيلة لتبرير العنف أو التسلط أو الانتقاص من كرامة المرأة.
الخلاصة :
   إن القراءة المتوازنة للقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، تكشف أن المرأة ليست كائناً ناقصاً أو تابعاً، كما أن الرجل ليس كائناً متسلطاً أو صاحب امتياز مطلق، فالرجل والمرأة، في المنظور الإنساني والقرآني، شريكان في المسؤولية والحياة، يجتمعان في أصل الخلق، ويتساويان في التكليف والثواب والكرامة الإنسانية، مع اختلاف بعض الخصائص والأدوار.
   من ثم، فإن الطريق الصحيح ليس في إقامة صراع بين الرجل والمرأة، بل في بناء علاقة تقوم على العدل والرحمة والاحترام والتكامل؛ لأن أي ظلم يقع على المرأة باسم الدين هو في حقيقته ظلم للدين نفسه، وأي انتقاص من كرامة الإنسان هو انتقاص من جوهر الرسالة التي جاءت لهداية الإنسان ورحمة العالمين.

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال الفارق بين تكريم الإسلام للمرأة وبين القراءات البشرية الانتقائية التي تقتطع النصوص من سياقاتها لتبرير التمييز أو التسلط. ويؤكد أن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على الكرامة والرحمة والتكامل والمسؤولية المشتركة، لا على الصراع أو الانتقاص. كما يدعو إلى فصل الأحكام الدينية عن العادات الاجتماعية، وتحويل تكريم المرأة من شعارات موسمية إلى حماية وتعليم وتمكين ومشاركة حقيقية.

المرأة.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!