حينَ يقرأُ القاري أو المستمع خبرا عنْ جريمة، فإنَ أولَ ما يبحثُ عنهُ هوَ الحقيقة، لا الانتماءات الاجتماعية للمتهم، لكنَ بعضَ وسائلِ الإعلام، درجتْ على ذكرِ اسمِ المتهمِ مقرونا بلقبهِ العشائريِ أوْ القبلي، حتى أصبحَ اسمُ العشيرة، يتكررُ في نشراتِ الأخبارِ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعي، أكثر مما يتكررُ اسمُ المجرمِ أوْ الجريمةِ نفسها.
من هنا يبرزُ سؤال مشروع: ما الجدوى منْ إقحامِ اسمِ عشيرةٍ أوْ قبيلةٍ في قضيةٍ جنائيةٍ لا يتحملُ مسؤوليتها إلا شخص واحد؟ إنَ هذهِ الممارسة، وإنْ لمْ يقصدْ بها الإساءة، فإنها تلحقُ ضررا معنويا بآلافِ الأشخاصِ الذينَ يجمعهمْ اسمٌ عشائريٌ واحد، بينما لا تربطهم- بالفعل- الإجراميّ أيّ صلة، فالعشيرةُ ليستْ متهمة، والقبيلة ليستْ طرفا في الدعوى، والعائلةِ ليستْ مسؤولةً عنْ قرارٍ اتخذهُ فردٌ بإرادته.
لقدْ جاءَ الإسلام؛ ليهدمَ فكرةَ المؤاخذةِ الجماعية، ويؤسسُ لمبدأِ العدالةِ الفردية، فقالَ سبحانه وتعالى: (ولا تزر، وآزرهُ وزر أخرى) سورةْ الأنعام: 164. و كذلك في قوله سبحانه: (كلّ امرئ بما كسب رهين) سورةْ الطور: 21. وقوله جلَ شأنه: (لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبت) سورةْ البقرة: 286، فهذهِ الآياتُ تمثلُ دستورا أخلاقيا وقانونيا في آنٍ واحد، إذْ تقررَ أنَ المسؤوليةَ شخصية، وأنَ العقوبةَ لا تتجاوزُ منْ ارتكبَ الفعل.
وكذلك ما جاءتْ به السنةُ النبوية؛ لتؤكدَ هذا المعنى، فقدْ قالَ رسولُ الله : ( لا يجني جانْ إلا على نفسهِ ). وهوَ أصلٌ عظيمٌ في الفقهِ الإسلامي، تفرعتْ عنهُ قاعدةٌ مشهورةٌ تقول: الجنايةُ لا تتعدى الجاني، فلا يؤخذُ البريءُ بذنبِ المسيء، ولا تلحقُ التهمةُ بجماعةٍ بسببِ خطأِ فردٍ منها.
لمْ تختلفْ القوانينُ الحديثةُ عنْ هذا النهج، بلْ جعلتْ شخصيةْ المسؤوليةِ الجنائيةِ، منْ أهمِ المبادئِ التي تقومُ عليها العدالة، فلا يسألُ عنْ الجريمةِ إلا مرتكبها أوْ منْ اشتركَ فيها وفقَ أحكامِ القانون، ولا تمتدُ المسؤوليةُ إلى الأسرةِ أوْ العشيرةِ أوْ القبيلة.
في العراق، يؤكدُ الدستورُ مبدأَ المساواةِ أمامَ القانون، ويقومُ النظامُ القضائيُ على محاسبةِ الأشخاصِ لا الانتماءات، فالعدالةُ لا تعرفُ الألقاب، ولا تزنِ الناسُ بعشائرهم، وإنما بأفعالهم، وما يثبتُ بحقهمْ منْ أدلة.
إنَ ذكرَ اللقبِ العشائريِ في وسائلِ الإعلامِ المختلفة، لا يضيفُ شيئا إلى الخبر، ولا يسهمُ في كشفِ الحقيقة، ولا يخدمُ سير العدالة، بلْ قدْ يفتحُ بابا للوصمِ الاجتماعي، ويؤدي إلى ربطِ اسمِ عشيرةٍ كاملةٍ بجريمةٍ ارتكبها فرد، وهوَ أمرٌ يخالفُ روحَ القانون، ومقاصدَ الشريعة، وأخلاقياتِ العملِ الإعلامي.
إنَ العشائرَ العراقيةَ كانت، وما زالت، مدارس للقيمِ والمروءةِ والشهامةِ وإصلاح ذات البين، وقدمتْ للوطنِ رجالاً في ميادينِ الدفاعِ والعلمِ والقضاءِ والإدارةِ والثقافة، وأسهمتْ في بناءِ الدولةِ والمجتمع، ومنْ الظلمِ أنْ يختزلَ هذا التاريخ الطويل في خبرٍ جنائيٍ يتعلقُ بشخصٍ واحد، ولا توجدُ عشيرة، مهما بلغتْ مكانتها، تستطيعُ أنْ تمنعَ جميع أفرادها منْ الخطأ، فالكمالُ ليسَ منْ صفاتِ البشر.
في كلِ مجتمعٍ يوجدُ الصالح والطالح، والمستقيم والمنحرف، وهذهِ سنةْ اللهِ في خلقه، وقدْ لخصتْ الحكمةُ الشعبيةُ العراقيةُ هذا المعنى بقولها: ( كلٌ لشة تتعلقُ منْ كراعها). أيٌ أنَ كلَ إنسانٍ يتحملُ نتيجةَ عملهِ وحده، ولا يجوزُ أنْ يتحملَ غيره تبعات أفعاله.
لهذا ندعو إلى حجبِ المعلومات، ولا إلى حمايةِ المتهمِ منْ المساءلة، بلْ ندعو إلى حمايةِ العدالةِ منْ التعميم، وحمايةِ المجتمعِ منْ الوصم، وصيانةِ أسماءِ العشائرِ والقبائلِ منْ أنْ تذكرَ في غيرِ موضعها.
منْ هنا، فإننا نناشدُ المؤسسات الإعلامية، أنْ تعتمدَ سياسة واضحة تقضي بالاكتفاءِ بذكرِ الاسمِ الثنائيِ أوْ الثلاثيِ للمتهمِ عندَ نشرِ الأخبار، وأنْ يتركَ الاسم الرباعيّ واللقب العشائريّ للوثائقِ القضائية، وأضابيرِ التحقيق، حيثُ تقتضي الضرورةُ القانونيةُ إثباتَ الهويةِ كاملة، دونَ أنْ يتحولَ ذلكَ إلى مادةٍ للنشرِ الإعلامي.
إنَ احترامَ الإنسانِ لا ينفصلُ عنْ احترامِ انتمائه، واحترامِ العشائرِ لا يعني حمايةَ المخطئ، بلْ يعني عدمُ تحميلِ الأبرياءِ وزرا منْ أساء، ولتبقَ عشائرُ العراق، بكلِ مسمياتها، عنوانا للوحدةِ والكرامةِ والأصالة، ولتبقَ العدالة وفية لقاعدتها الخالدة: لا يحاسبُ إلا منْ أخطأ، ولا يحملْ الذنب إلا منْ اقترفه.
العشائرُ العراقيةُ كانتْ قبلَ الجريمة، وستبقى بعدها، أما الجريمة، فتبقى فعلاً فرديا ينتهي بحكمِ القضاء، ولا يجوزُ أنْ يتحولَ اسمُ عشيرةٍ كاملةٍ إلى عنوانِ الخطأِ شخص واحد. أو: إذا كانتْ العدالة تعاقبَ الأفراد، فإنَ الإنصافَ يقتضي أنْ تصونَ سمعةْ الجماعات، فلا تذكرُ العشائر في موضعِ الاتهام، لأنها أكبرُ منْ أخطاءِ الأشخاص، وأبقى منْ أفعاله.
نودُ أنْ نذكرَ هنا، أنَ القرآنَ الكريمَ قدْ أرشدنا إلى أسمى معاييرِ العدالةِ والإنصاف؛ فعندما أنزلَ الله- سبحانهُ وتعالى- قولهُ تعالى: (تبتْ يدا أبي لهبٍ وتب) سورةْ المسد: 1، لمْ يذكرْ نسبهُ إلى النبيِ الأكرم ، ولمْ يقل: هذا عمُ رسولِ الله، أوْ هذا منْ بني هاشم، بلْ خاطبهُ باسمهِ الذي اقترنَ بموقفهِ وأفعاله، لأنَ ميزانَ الحقِ لا يعرفُ محاباة للنسب، ولا تقديسا للعشيرة، ولا حماية للقبيلة.
منْ هذا الهديِ القرآنيِ العظيمِ ، نتعلمُ أنَ المسؤوليةَ شخصية، وأنَ الإنسانَ يحاسبُ على عملهِ لا على انتمائه. فلا ينبغي أنْ نحملَ عشيرةً بأكملها وزر فعل ارتكبهُ فرد، ولا أنْ نجعلَ اسمَ القبيلةِ أوْ العائلةِ عنوانا للاتهام، لأنَ العدالةَ لا تبحثُ عنْ الأنساب، بلْ تبحثُ عنْ الأدلةِ والوقائع. إنَ احترامَ العشائرِ لا يكونُ بجعلها ستارا يحجبُ الحقيقة، كما أنَ تحقيقَ العدالةِ لا يكونُ بتشويهِ سمعتها بسببِ تصرفاتِ أفرادٍ منها.
إن المتهمُ أمامَ القانونِ هوَ شخصٌ محددٌ باسمهِ وصفته، وليسَ عشيرة أوْ قبيلة أوْ عائلة بأكملها؛ لأنَ في ذلكَ حفظا لكرامةِ الناس، وصونا لمبدأِ المساواةِ الذي قامتْ عليهِ الشرائعُ والقوانين، فلنقتدي بمنهجِ القرآنِ الكريم، ولنكتبْ اسمَ الشخصِ المطلوبِ للعدالةِ مجردا منْ ألقابهِ العشائريةِ أوْ انتماءاتهِ الاجتماعية، فالحقُ لا يحتاجُ إلى نسبٍ يحميه، والباطل لا يصبحُ حقا مهما كانَ صاحبهُ منْ عائلةٍ أوْ قبيلة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يدعو الكاتب وسائل الإعلام إلى عدم إقحام الألقاب العشائرية في الأخبار الجنائية، لأن الجريمة مسؤولية فردية لا تتحملها القبيلة أو العائلة. ويؤكد أن الشريعة الإسلامية والقوانين الحديثة تقرّان مبدأ شخصية العقوبة وعدم مؤاخذة الأبرياء بجريرة غيرهم. ويخلص المقال إلى أن حماية سمعة العشائر لا تعني التستر على المخطئ، بل تعني محاسبة الجاني وحده وصيانة المجتمع من الوصم والتعميم.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!