كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حينَ يستقيمُ العقلُ … تستقيمُ السياسةُ

   يروى في القولِ المأثور: رحمَ اللهُ امرأً عرفَ قدره. وليسَ هذا القولُ مجردَ حكمةٍ تترددُ على الألسن، بلْ هوَ قاعدة راسخة في إدارةِ الحياة، وأصل منْ أصولِ الحكمةِ في مواجهةِ الأزماتِ واتخاذِ القراراتِ المصيرية. فمعرفةُ الإنسانِ قدراتهِ وإمكاناته، وإدراكهُ حدوده وواقعه، لا تعني ضعفا أوْ تراجعا، بلْ تمنحهُ القدرة على تقديرِ الأمورِ بوعيٍ واتزان، وتجنبهُ الوقوع في مهاوي الغرورِ والتهورِ والانفعال، وتعينهُ على تجاوزِ المحنِ واتخاذِ القراراتِ الأكثرِ حكمةً وصوابا.
  لقدْ وهبَ اللهُ الإنسانَ العقل؛ ليكونَ ميزانا بينَ العاطفةِ والحكمة، وبينَ الاندفاعِ والتروي. قالَ سبحانهُ وتعالى: (لقدْ خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويم) التين: 4، وهذا التكريم الإلهي، لا يكتملُ إلا بحسنِ استخدامِ نعمةِ العقلِ في التفكيرِ والتدبر، فالعقلُ هوَ الذي يبني الحضارات، ويجنبُ الأمم والأفراد الوقوع في الأخطاءِ التي قدْ تكونُ كلفتها باهظة.
      إنَ الشدائدَ لا تواجهُ بالصراخ، ولا تحلْ بالعناد، ولا تدارِ بردودِ الأفعالِ المتسرعة، وإنما بالحكمة، والصبر، وحسنِ التقدير، فكثيرا ما يكونُ الصمتُ في موضعهِ أبلغَ منْ آلافِ الكلمات، وكثيرا ما يكونُ الحلمُ أقوى منْ الغضب، لأنَ الأيامَ كفيلةٌ بكشفِ الحقائق، وربما عادَ المسيء معتذرا بعدما أدركَ خطأه، بينما يبقى صاحبُ الحكمةِ محافظا على مكانتهِ وكرامته. 
   عندما ننتقلُ منْ حياةِ الأفرادِ إلى حياةِ الدول، تتسعُ دائرةُ المسؤوليةِ وتعظمُ نتائج القرارات، فالدولُ لا تدارُ بالعواطف، ولا تبنى سياساتها على الانفعالات، وإنما على دراسةٍ دقيقةٍ للمصالحِ الوطنية، وموازنة بينَ المكاسبِ والخسائر، وفهم عميق للواقعِ الإقليميِ والدولي.
في بعضِ الأحيان، قدْ يندفعُ بعضُ المواطنين، بدافعِ الحماسِ وحبّ الوطن، إلى المطالبةِ بمواقفَ حادةٍ أوْ قراراتٍ مصيرية، دونَ الالتفاتِ إلى أنَ الدولةَ تتحركُ ضمنَ شبكةٍ معقدةٍ منْ العلاقاتِ الدوليةِ والالتزاماتِ القانونيةِ والمصالحِ الاقتصاديةِ والأمنية، أوْ قدْ تقودُ القرارات المتسرعة إلى عزلةٍ سياسية، أوْ أزمات اقتصادية، أوْ تراجع في مستوى معيشةِ المواطنين، بينما يكونُ الهدفُ الأصليُ هوَ الدفاعَ عنْ الوطنِ وخدمةِ شعبه.
    إنَ السياسةَ ليستْ ميدانا للشعارات، بلْ علمٍ وفنٍ ومسؤولية. ولهذا شبهها كثير بأنها لا تعرفُ لونا ثابتا، ولا مقاسا واحدا؛ فلكلِ قضيةِ ظروفها، ولكلِ مرحلةٍ حساباتها، ولكلِ قرارِ توقيتهِ المناسب، والسياسيِ الناجحِ ليسَ منْ يرضي الجماهير في لحظةِ انفعال، وإنما منْ يحافظُ على مصالحِ شعبهِ لعقودٍ قادمة، حتى وإنْ كانتْ بعضُ قراراتهِ تحتاجُ إلى صبرٍ لفهمِ أبعادها.
    أرشدَنا القرآن الكريم إلى المنهجِ الأمثلِ في صناعةِ القرار، فقالَ سبحانهُ وتعالى: (وشاورهمْ في الأمر) آل عمران: 159، وقالَ سبحانه: (وأمرهمْ شورى بينهم) الشورى: 38، فالشورى ليستْ مجرد خلقٍ كريم، بلْ هيَ نظام للحكمِ الرشيد، يضمنُ الاستفادة منْ خبراتِ أهلِ الاختصاص، ويقللُ منْ احتمالاتِ الخطأ، ويجعلُ القرار أكثر نضجا واتزانا.
     منْ الحقائقِ التي أثبتها التاريخ أنَ تأثيرَ الدولِ لا يقاسُ بعددِ سكانها أوْ اتساعِ مساحتها فحسب، فكمْ منْ دولةٍ صغيرةٍ أصبحتْ لاعبا مؤثرا في السياسةِ والاقتصادِ العالميين، بفضلِ حكمةِ قيادتها، وقوةِ مؤسساتها، وحسنِ إدارتها لعلاقاتها الدولية.
   في المقابل، قدْ تمتلكُ دولٌ كبيرةٌ إمكاناتٍ هائلة، لكنها تهدرها بسببِ سوءِ الإدارةِ أوْ الانجرارِ وراءَ قراراتٍ غيرِ مدروسة. ومنْ هنا، فإنَ سياسةَ التوازن، أوْ ما يعرفُ بالحيادِ الإيجابي، تمثل- في كثيرٍ منْ الأحيان- نهجا حكيما يحفظُ مصالحَ الدول، ويجنبها الدخول في صراعاتٍ لا تحققُ لها مكاسب حقيقية. ليسَ الحيادُ ضعفا، كما يظنُ البعض، بلْ قدْ يكونُ أعلى درجات الحكمةِ عندما يبنى على قوةٍ واستقلالٍ في القرار، واحترام للمبادئ، وحفاظ على مصالحِ الوطن.
    إنَ التاريخَ يعلمنا أنَ الأممَ لا تنهضُ بالانفعال، وإنما بالعقل، ولا تبنى بالشعارات، وإنما بالتخطيطِ والعملِ والصبر، فالسياسةُ الحكيمةُ هيَ التي توازنُ بينَ المبادئِ والمصالح، وتحمي الإنسانَ قبلَ الأرض، وتحافظُ على الاستقرارِ دونَ التفريطِ بالكرامةِ والسيادة.
    تبقى الحقيقةُ ثابتةً لا تتغير: إنَ العقلَ السليمَ هوَ أساسُ السياسةِ السليمة، وإنَ التشاور، ودراسةْ الواقع، والتروي قبلَ اتخاذِ القرار، هيَ مفاتيحُ النجاحِ والاستقرار، فالأوطانُ أمانة، ومصالحُ الشعوبِ مسؤولية، والقرارات العظيمة لا يصنعها الانفعال، بلْ تصنعها الحكمة والبصيرة، وبعدَ النظر. ومنْ عرفَ قدر نفسه، وقدر وطنه، وقدر مسؤولياته، كانَ أقربَ إلى صناعةِ مستقبلٍ آمنٍ ومزدهرٍ لشعبه.

العقل_البشري.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!