كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

القيادة في النهضة الحسينية المقدسة -قراءة قرآنية- (٤) الأخيرة

  تحدثنا في الحلقات السابقة الثلاث عن نقاط أربع من النقاط الخمس لمفهوم القيادة في النهضة الحسينية، ونحاول في هذه السطور الحديث عن النقطة الخامسة الأخيرة بإيجاز  : 
٥- ثبات القائد والأمة على المنهج. 
      إنَّ من ضروريات نجاح القائد في قيادة الأمة هو الثبات على المنهج الذي تم العمل عليه، وعدم التزلزل والتراجع برغم جميع التحديات اليقينية والمحتملة التي ستواجهه، وهذا يحتاج إلى النقاط الأربع لمعالم القيادة المتقدمة، فكُلُّ مصلح عليه أنْ يكون على بينة من مواجهة الآخرين له إما عداءً، أو حقدًا، أو جهلًا، والقرآن الكريم قد اشار إلى أمثلة متعددة تؤكد ذلك.
فالثبات مسألة لا بد منها للقائد والأمة التي قام بتهيئتها مهما كان عددها، قال تعالى في بيان صورة رائعة للثبات برغم المواجهات والتحديات: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح: 29] فثبات القائد جعل الأمة تسير على خطاه، وتتشجع بوجوده في وسط الأمة، وهذا ما أكدته الآية المبارك التي تحدثنا عنها سابقًا في بيان قيادة النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم": ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي .... وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [يوسف: 108] فالقائد يؤكد ثباته على منهجه وعقيدته وعدم الرضوخ للمعاندين ((وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)). والشواهد التاريخية لهذا الثبات متعددة إلى آخر رحيل القائد الأعظم "محمد" عن الدنيا مجاهدًا من أجل تثبيت منهج القيادة للأمة.
   وهذا ما رأيناه في ربيب القرآن سبط النبي الإمام الحسين "عليه السلام" والقاعدة من أهل بيته وأنصاره في الثبات وعدم التزلزل حتى النهاية والفوز بوسام الشهادة، والأمثلة ذكثيرة وعظيمة للمواقف الراسخة، فمثلًا:
١-   موقف ولده "علي الأكبر" وهو يعلن ثباته: ((أنَا عَليّ بن الحسين بن علي - نحن وبيت الله أولَى بِالنّبي * تاللهِ لا يَحكُمُ فينا ابنُ الدّعي - أضرِبُ بالسّيفِ أحامِي عَن أبي * ضَربَ غُلامٍ هَاشِميٍّ عَلوي)).
٢-  موقف أخيه "العباس" الذي كان أعظم محامٍ ومتفانٍ لهذا المنهج وهو يقول في قتاله الأعداء: ((واللهِ إنْ قطعتـم يمينـي - إني أحامي أبدًا عن ديني * وعن إمامٍ صادقِ اليقينِ - سبطِ النبيِّ الطاهرِ الأمينِ)).
 ٣-  موقف أصحابه المتسابقين على الشهادة والثابتين على النصرة ومنه: ((أنحنُ نخلِّي عنك؟ وبِمَ نعتذرُ عندَ اللهِ من أداءِ حقِّكَ؟ لا واللهِ حتى أكسرَ في صدورِهِم رمحي هذا، وأضربُهُم بسيفي ما ثبتَ قائمُهُ في يدي ولا أفارِقُكَ، ولو لم يكن معي سلاحٌ أقاتِلهم به لقذفتهم بالحجارةِ ولم أفارقِكَ حتى أموتَ معكَ)).
٤-  وأما موقف القائد سيد الشهداء "عليه السلام" فقد كان يودِّع كُلَّ واحد منهم، ويحمله بعد شهادته، حتى لم يبق إلا هو وحيدًا ولم يتزلزل لحظة واحدة.
٥-  موقف النسوة اللواتي قد فجعن بذلك المصاب العظيم، ووقوف العقيلة الحوراء زينب "عليها السلام" وثباتها بوجه ابن زياد في الكوفة، ويزيد في الشام ومواجهتهما بصلابة العقيدة وبصيرتها وعدم الرضوخ لتهديد الطغاة.

الاربعين (2).jpg


    أخيرًا.. 
 إنَّ هذا الثبات القيادي الحسيني يبعث في الأمة روح التضحية والفداء من أجل مقدساتها، والتفاني بلذاتها وشهواتها تجاه الأمر الإلهي وطاعته، وعدم الفرار من جهاد هذه النفس الأمارة، وبيان مدى عظمة الشريعة في بناء القائد والقاعدة الراسخة على المبادىء والقيم النبيلة. والسلام

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!