تحيا الشعوب بتخليد ذكرى مؤسسيها، وتُرسّخ قواعد نهضتها عبر الاقتداء بقادتها.
غير أنه بمرور الزمن، قد يخبو ذلك الوهج الذي أشعله أولئك القادة؛ لتغيير نمط التفكير، ومستوى الوعي، والواقع المعيشي.
إن مدى تأثر الشعوب بقادتها يُقاس بصدق هؤلاء القادة وعظمة ثوراتهم، وبعمق الأثر الذي تركوه في نفوس شعوبهم.
يسرد لنا التاريخ قصص بطولاتٍ لقادةٍ أثروا في مجتمعاتهم عبر اتخاذ قرارات مصيرية؛ إلا أن متانة تلك القرارات وقوتها هي ما يحدد مدى استمراريتها.
وكم قرأنا وسمعنا عن ثوراتٍ اندلعت وقادةٍ نهضوا، ظلت جذوة حراكهم متقدة لبرهة من الزمن، ثم ما لبثت أن تلاشت وانطفأت.
إلاّ أن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وعلى الرغم من مرور نحو أربعة عشر قرناً على قيامها، اكتسبت خلوداً لم تحظَ به أي ثورة سبقتها.
فقد كانت نهضته ربانية خالصة، تستند إلى عقيدة إيمانية راسخة، قدم فيها نفسه، وفلذات كبده من أبنائه وإخوته وأهل بيته وأصحابه، قرابين على مذبح ثورته الإصلاحية التي أعلن عن هدفها بوضوح قائلاً: "إنّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلا بَطِراً... وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي"، لتتوج ثورته كأعظم حركة إصلاحية على مر العصور.
لقد بقيت جذوة هذه الثورة خالدة، وستظل متقدة إلى أبد الآبدين؛ لأنها ارتكزت على أسس وقواعد متينة، ترسم ملامح القيادة الناجحة الراغبة في الإصلاح الحقيقي.
ومن أبرز هذه العناصر التي تبنتها النهضة الحسينية:
… السعي الجاد نحو الإصلاح: كهدف أسمى لا حياد عنه لبناء الأمة. حيث قال : إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.
… مقارعة الفساد والمفسدين: بموقف حازم بلا هوادة أو مهادنة. حيث قال : ومثلي لايبايع مثله.
… إرساء مبادئ العدالة: والدعوة لقوانين متينة تخدم الشعوب وتصون حقوقها دون تمييز أو تفرقة.
حيث قال : إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم.
… الرؤية الشاملة والإتقان: في التخطيط للثورة، وإدارة أهدافها ومنجزاتها بحكمة.
حيث قال: أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.
… تأسيس إعلام رصين: متمثلاً في الدور العظيم الذي أُدّي بعد استشهاده (عليه السلام) لضمان إيصال رسالة الثورة وفضح التزييف، والذي ابتدأ بالسيدة زينب بنت أمير المؤمنين، وامتد إلى الإمام السجاد، ثم الأئمة من أبنائه (عليهم السلام).
لأجل كل ذلك، كُتب الخلود لثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ما بقي الدهر؛ فهي ثورة إلهية حقيقية، أعطى فيها قائدها كل ما لديه لله، فمنحه الله البقاء، والخلود، وحب الملايين في قلوب العاشقين والأحرار إلى يوم الدين.
✦ كتابات في الميزان✦
يربط المقال خلود نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بوضوح هدفها الإصلاحي وبحجم التضحية التي قدّمها قائدها وأهل بيته وأصحابه. ويعرض أبرز مرتكزاتها في رفض الفساد، والدفاع عن العدالة والحرية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما يبرز دور السيدة زينب والإمام السجاد (عليهما السلام) في حفظ رسالة النهضة وكشف حقيقة ما جرى، لتبقى عاشوراء حاضرة في وجدان الأجيال.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!