كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

فضائل أهل البيت - عليهم السلام - : بين الإستحقاق الإلهي والمسؤولية الرسالية

 أجمعت الأدلة القطعية من محكم القرآن الكريم ، ومتواتر الروايات الشريفة ، والسيرة العطرة ، على ثبوت منظومة متكاملة من الفضائل والكرامات لأهل البيت ( عليهم السلام ) . هذه المنظومة مؤيدة أيضاً بالشواهد الوجدانية وتجارب التوسل بهم ومطلق التعامل معهم ، فضلاً عما يستقل به العقل من ضرورة تعظيمهم وحفظ منزلتهم وحرمتهم ..

وتتنوع هذه الامتيازات والاستحقاقات لتشمل أبعاداً متعددة :

■ تشريعية وتكوينية : كالولاية الإلهية والعصمة وإحاطة العلم .

■ علمية وعملية: كالمرجعية المعرفية الشاملة والعبادة المنقطعة النظير .

■ شخصية واجتماعية : كالكمال الأخلاقي والقيادة الرشيدة للأمة .

■ روحية وجسدية : كطهارة الذات والنقاء الروحي .

ومن الخطأ الفادح حصر هذه الفضائل بنظرة أحادية وتحجيمها في خانة الأجر والثواب المُعجّل ، أو النظر إليها كعطاءات وجوائز شخصية نالوها إزاء عبادة وتسامٍ روحي فحسب . إن هذه النظرة المجتزءَة تجعل الفضيلة معزولة عن حركة التاريخ وحاجة الأمة .

فبدلاً من ذلك ، يجب الانطلاق نحو رؤية غائية أوسع وأعظم أهمية . رؤية تعود على المسلمين - كأفراد وكأمة - بعوائد مصيرية في دينهم ودنياهم . وتتجسد هذه الرؤية في أن الامتياز الإلهي يتناسب طردياً مع حجم المسؤولية الرسالية . فالمرتبة القيادية التي رتبهم الله فيها كأئمة للمسلمين ، وخلفاء للنبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، تتطلب أدوات تمكين استثنائية .

يقضي الوجدان السليم وبناء العقلاء بأن تكليف أي شخص بمسؤولية جسيمة يستدعي تزويده بالإمكانيات ، والمؤهلات ، والصلاحيات التي تمكنه من أداء دوره على أكمل وجه . فمن غير المنطقي تكليف قائد بإدارة أمة دون إعطائه بسطة في العلم والجسم ، ودون منحه العصمة والولاية والقدرة على الهداية .

بناءً عليه : تصبح فضائل أهل البيت هي  الأدوات المعرفية والوجودية التي جهزهم الله بها لقيادة وإنقاذ البشرية .

وقاعدة الوسع والتمكين ذات أصل قرآني أيضا ، فقد أرشد القرآن الكريم في مواضع عديدة إلى هذا التلازم بين ما يُعطى للإنسان وبين ما يُطلب منه :

● مبدأ موازنة التكليف مع الطاقة : يقول تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [الأعراف : 42] .

● مبدأ التناسب بين العطاء والإنفاق : يقول تعالى: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا } [ الطلاق : 7 ] .

والخلاصة : أنّ الفضيلة هي عقد مسؤولية ، وإن فضائل أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن يوماً لغرض المباهاة أو مجرد أوسمة تشريفية ، بل هي عهود مسؤولية . فكل كرامة يمتلكونها هي نافذة أمل للأمة ، وكل علم لديهم هو منار هداية للمسلمين . وبهذا يتحوّل مفهوم الفضل من استحقاق شخصي ناتج عن الماضي إلى مسؤولية قيادية تصنع المستقبل .

عن الامام الرضا عليه السلام في الكافي : [ إنَّ العَبْدَ إِذَا اخْتَارَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأُمُورِ عِبَادِهِ، رَحَّبَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ، وَأَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ، وَأَلْهَمَهُ الْعِلْمَ إِلْهَاماً، فَلَمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوَابٍ، وَلَا يَتَحَيَّرُ فِيهِ عَنِ الصَّوَابِ، فَهُوَ مَعْصُومٌ مُؤَيَّدٌ، مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ، قَدْ أَمِنَ مِنَ الْخَطَايَا وَالزَّلَلِ وَالْعِثَارِ، وَخَصَّهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ حُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَشَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ ] .

ولعل آية التطهير هي الجامعة المانعة لكل ما نريد قوله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا

✦ كتابات في الميزان✦

يقدّم النص فضائل أهل البيت (عليهم السلام) بوصفها مؤهلات إلهية مرتبطة بمسؤولية الإمامة وقيادة الأمة، لا مكافآت شخصية أو أوسمة للتشريف. فالعصمة والعلم والولاية والكمال الأخلاقي، وفق هذه الرؤية، أدوات تمكين توازي حجم المهمة الرسالية الموكلة إليهم. ويستند الكاتب إلى القرآن ورواية الإمام الرضا (عليه السلام) لبيان أن اختيار القائد الإلهي يقترن بتزويده بما يعينه على الهداية وحفظ الدين.

الكساء.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!