قد يطرح بعض المشككين هذا التساؤل: إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد علم باستشهاد مسلم بن عقيل، وتيقّن من تخلي أهل الكوفة عن نصرته، فلماذا لم يرجع إلى مكة أو المدينة قبل أن يُحاصر في كربلاء؟ أليس الانسحاب في تلك المرحلة أكثر حكمةً من البقاء في مواجهةٍ يعلم أنها ستنتهي باستشهاده؟
وتبدو هذه الشبهة في ظاهرها منطقية، إلا أنها تغفل تسلسل الأحداث التاريخية، كما تتجاهل حقيقة الموقف الذي وُضع فيه الإمام الحسين (عليه السلام).
إن أول ما ينبغي بيانه أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يُصر على القتال بعد تبدل الظروف، بل حاول تجنب المواجهة بكل الوسائل المشروعة. فبعد أن وصله خبر استشهاد مسلم بن عقيل، جمع أصحابه وأخبرهم بما حدث، وقال لهم إن شيعته قد خذلوه، وأذن لمن أراد منهم بالانصراف، فانصرف عددٌ ممن كانوا قد التحقوا به في الطريق، ولم يُكره أحدًا على البقاء (١).
وهذا يدل على أن الإمام لم يكن يسير نحو القتال بدافع العاطفة أو الرغبة في الحرب، وإنما كان يتعامل مع الوقائع بكل وضوح.
ثم إن الإمام لم يصل إلى كربلاء مختارًا، بل مُنع من مواصلة السير. فقد اعترضه الحر بن يزيد الرياحي بأمرٍ من عبيد الله بن زياد، ومنعه من الرجوع إلى المدينة أو العودة إلى مكة، وألزمه بالسير في طريقٍ لا يدخله الكوفة ولا يرده إلى الحجاز، حتى انتهى به الأمر إلى أرض كربلاء (٢).
ومن هنا، فإن القول: "لماذا لم يرجع؟" يتجاهل أن الرجوع لم يعد متاحًا بعد أن فرضت السلطة حصارها العسكري عليه.
بل إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكتفِ بذلك، وإنما عرض على جيش عمر بن سعد عدة حلولٍ لتجنب الحرب، منها أن يتركوه يرجع من حيث أتى، أو أن يذهب إلى أحد ثغور المسلمين، أو أن يذهب إلى يزيد مباشرةً فيحاوره، إلا أن عبيد الله بن زياد رفض جميع هذه المقترحات، وأصر على شرطٍ واحد، وهو أن ينزل الإمام على حكمه ويبايع يزيد (٣).
إذن فالمعركة لم تقع لأن الإمام رفض الانسحاب، وإنما لأن السلطة رفضت السماح له بالانسحاب.
ومن الناحية العقلية، فإن الإنسان لا يُلام على عدم فعل شيءٍ مُنع منه بالقوة. فإذا حاصر جيشٌ خصمه ومنعه من الرجوع، فلا يصح بعد ذلك أن يُقال: لماذا لم يرجع؟
كما أن قبول الإمام بالاستسلام لم يكن يعني النجاة، بل كان يعني الاعتراف بشرعية يزيد، وهو الأمر الذي رفضه الإمام منذ البداية، عندما قال:
(إنا أهل بيت النبوة... ويزيد رجلٌ فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله.) (٤)
ومن الشواهد التاريخية أيضًا أن عمر بن سعد كتب إلى عبيد الله بن زياد يُخبره بمقترحات الإمام، ورأى أن قبولها سيجنب المسلمين القتال، لكن شمر بن ذي الجوشن أفسد ذلك، وأقنع ابن زياد برفض أي حل لا ينتهي باستسلام الإمام الكامل (٥).
وهذا يكشف أن القرار بالحرب لم يكن قرار الإمام الحسين (عليه السلام)، بل قرار السلطة الأموية.
وقد عبّر الإمام عن طبيعة الموقف الذي وُضع فيه بقوله:
(ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة.) (٦)
فالقضية لم تكن بين البقاء والرجوع، وإنما بين الاستسلام للباطل أو الثبات على الحق.
ولو أن الإمام قبل بالذلة حفاظًا على حياته، لأصبحت بيعته دليلًا على شرعية الحكم الأموي، ولضاعت الرسالة التي خرج من أجلها، وهي إصلاح الأمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعليه، فإن الادعاء بأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع الانسحاب بعد تخلي أهل الكوفة عنه لا تؤيده المصادر التاريخية؛ لأن الإمام حاول تجنب القتال، وطلب السماح له بالرجوع، لكن السلطة رفضت ذلك، وأغلقت أمامه جميع السبل إلا البيعة أو القتال. ومن ثم فإن المسؤولية عن وقوع معركة كربلاء تقع على السلطة الأموية التي منعت كل الحلول السلمية، ولم تترك للإمام خيارًا سوى الثبات على المبدأ الذي خرج من أجله.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٦٣-٦٥.
(٢) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٠٢-٤٠٧.
(٣) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص٥٧-٥٩.
(٤) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣.
(٥) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١٢.
(٦) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩٩؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج٢، ص٧.
✦ كتابات في الميزان ✦
يردّ النص على شبهة عدم رجوع الإمام الحسين (عليه السلام) بعد استشهاد مسلم بن عقيل، موضحاً أن الإمام كشف لأصحابه تغير الموقف وأذن لهم بالانصراف. ثم منعه جيش الحر من العودة أو مواصلة طريق يختاره، ورفضت سلطة ابن زياد المقترحات التي تجنّب القتال. وبذلك لم يكن الخيار بين الرجوع والبقاء، بل بين الخضوع لحكمٍ يزيد (لع) أو الثبات على المبدأ، فتتحمل السلطة الأموية التي منعت كل الحلول السلمية، ولم تترك للإمام خيارًا سوى الثبات على المبدأ الذي خرج من أجله


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!