وردَ في بعضِ الأحاديثِ المنسوبةِ إلى الأمامِ عليّ بن أبي طالبٍ (ع ) ، في كتابِ نهج البلاغة، ضمنَ رسالةٍ وجهها إلى أحدِ عماله، بعدما بلغهُ أنهُ استولى على شيءٍ منْ أموالِ الناسِ أوْ بيتِ المال، بأنْ بعثَ إليهِ كتاب شديد اللهجة، يذكرهُ فيهِ بأنَ الولايةَ أمانة، وأنَ العدل مسؤولية، وأنَ حقوقَ الناسِ لا يجوزُ التفريطُ بها أوْ الاعتداءُ عليها، وجاءَ فيها: (سبحانَ الله! أما تؤمنُ بالمعاد؟ أوم تخافُ يومَ الحساب؟ كيفَ تسويغ شراب وطعام، وأنتَ تعلمُ أنك تأكلُ حراما؟ اتقِ الله، وأرددُ إلى هؤلاءِ القومِ أموالهمْ … ووالبه، لوْ أنَ الحسنَ والحسينَ فعلاً مثل الذي فعلت، ما كانتْ لهما عندي هوادة ) .
لمْ تكنْ هذهِ الكلمات الغاضبة رسالة إلى موظفِ خانِ الأمانةِ فحسب، بلْ كانتْ إعلانا خالدا لميلادِ دولةِ العدالة، ورسالة مفتوحة إلى كلِ حاكمٍ ومسؤولٍ وقاضٍ في كلِ زمان، إنها كلماتٌ تحاكمُ الضمير قبلَ أنْ تحاكمَ الإنسان، وتضعُ المسؤولية أمامَ ميزانِ السماءِ قبلَ ميزانِ الأرض.
لمْ يبدأْ الإمام عليٍ (ع) عنْ المالِ المسروق، بلْ بدأَ بالإيمان، لأنَ أصلَ الفسادِ هوَ غيابُ رقابةِ اللهِ منْ القلب، فالذي يسرقُ المال العامّ لا يسرقُ خزانةَ الدولةِ وحدها، بلْ يسرقُ أعمارَ الناس، ويؤجلُ علاج المرضى، ويحرمُ الشباب منْ فرصِ العمل، ويهدمُ المدارس، ويطفئُ نور الأملِ في وطنٍ يستحقُ الحياة.
منْ هنا، قالَ اللهُ سبحانهُ وتعالى: ( ولا تأكلوا أموالكمْ بينكمْ بالباطلِ وتدلوا بها إلى الحكامِ لتأكلوا فريقا منْ أموالِ الناسِ بالإثمِ وأنتمْ تعلمون) البقرة: 188. إنها آيةٌ تصفُ بدقةِ ما يحدثُ عندما يتحالفُ المالُ الفاسدُ معَ النفوذ، فتضيعُ الحقوق، ويشرعنَ الظلم، ويصبحُ القانونُ حارسا للفاسدينَ بديلاً عنْ أنْ يكونَ سيفا على رقابهم.
إنَ أخطرَ ما يصيبُ الأوطانَ ليسَ الفقر، وإنما الفساد، لأن الفقرَ قدْ تزيلهُ الإرادةُ والعمل، أما الفساد، فإنهُ يهدمُ الدولةَ منْ داخلها، ويحولُ ثرواتها إلى غنائم، ويزرعُ اليأسَ في نفوسِ أبنائها، ويقتلُ الثقة بينَ الشعبِ ومؤسساتِ الدولة، فلقدْ أثبتتْ تجاربُ الشعوبِ أنَ الدولَ التي نجحتْ في بناءِ اقتصادٍ قوي، ومجتمعٍ آمن، ومؤسسات راسخة، لمْ تحققْ ذلك؛ لأنها كانتْ أغنى منْ غيرها بالثروات، وإنما لأنها جعلتْ القانون فوقَ الجميع، وأخضعتْ المسؤولَ قبلَ المواطنِ للمساءلة، وجعلتْ القضاء مستقلا لا سلطانَ عليهِ إلا الحق.
هنا تتجلى عظمةُ الإمامِ عليٍ (غ) حينَ قال: ( لوْ أنَ الحسنَ والحسينَ فعلاً مثل الذي فعلت، ما كانتْ لهما عندي هوادة ) ، إنها ليستْ عبارة تروى في كتبِ التاريخ، بلْ دستورٍ في المساواةِ أمامَ القانون، فلا ابنَ الحاكم فوقَ العدالة، ولا قريب المسؤول، ولا صاحب النفوذ، ولا زعيم الحزب.
إنَ العدالةَ التي تفرقُ بينَ الناسِ ليستْ عدالة، بلْ وجه آخر للفساد، فالحكوماتُ التي تبحثُ عنْ نهضةٍ حقيقيةٍ لا تحتاجُ إلى مزيدٍ منْ الشعارات، بلْ إلى إرادةٍ صادقةٍ تعيدُ هيبةَ الدولة، عبرَ تمكينِ القضاءِ المستقل، ومنحهِ الحريةَ الكاملةَ لملاحقة كلّ منْ امتدتْ يدهُ إلى المالِ العام، مهما كانَ منصبهُ أوْ انتماءهُ أوْ مكانته.
إنَ القضاءَ المستقلَ ليسَ خصما للحكومة، بلْ هوَ ضمانة لها، لأنهُ يحفظُ هيبةَ الدولة، ويصونُ حقوقَ المواطنين، ويعيدُ الثقةَ بينَ الشعبِ ومؤسساته، لقدْ حذرَ القرآن الكريم منْ الفساد، وعدهِ سببا للهلاكِ في الدنيا والخسرانِ في الآخرة، فقالَ سبحانه: ( ولا تفسدوا في الأرضِ بعدَ إصلاحها) الأعراف: 56. وقولهُ تعالى: ( إنَ اللهَ لا يحبُ المفسدين) القصص: 77، وقالَ سبحانهُ وتعالى: ( وإذا قيلَ لهمْ لا تفسدوا في الأرضِ قالوا إنما نحنُ مصلحون، ألا إنهمْ همُ المفسدونَ ولكنْ لا يشعرون) البقرة: 11- 12.
ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة؛ فكثيرا منْ الفاسدينَ يرفعونَ شعاراتِ الإصلاح، بينما تمتدُ أيديهمْ إلى ثرواتِ الأوطان، ويغرقونَ شعوبهمْ في الفقرِ والبطالةِ والحرمان. ن بلدنا منْ أغنى البلدانِ بالخيرات؛ ففي باطنِ أرضهِ النفط والغاز والمعادن، وعلى ظاهرها الأنهار والأراضي الزراعية والعقول القادرة على البناءِ والإبداع، ولكن هذهِ النعمَ قدْ تتحولُ إلى نقمةٍ حينَ تدارُ بالمحاصصة، وتبددُ بالفساد، وتنهبُ باسمِ السلطةِ والنفوذ.
إنَ الشعبَ العراقي الأبي ، لا يطلبُ المستحيل، بلْ يريدُ وطنا تصانُ فيهِ كرامته، ويجدُ فيهِ الشابُ فرصةَ عمل، والمريض علاجا، والطالب تعليما، والمتقاعد حياة كريمة، والأسرة أمن واستقرار، يريدُ أنْ يرى ثروات بلادهِ تنعكسُ على حياته، لا أنْ تذهبَ إلى حساباتِ الفاسدين، فإنَ التزامَ الحكوماتِ بوصيةِ الإمامِ عليٍ (ع ) ، وإطلاق يدِ القضاءِ المستقلِ لمحاسبةِ الفاسدينَ واستردادِ الأموالِ المنهوبة، لتغيرتْ أحوالُ البلاد، وأصبحتْ ثروات الوطنِ مصدرا رفاهُ لجميعِ أبنائه، لا امتيازَ لقلةٍ استأثرتْ بخيراته، فالدولُ لا تسقطُ لقلةِ مواردها، بلْ حينَ يغيبُ العدل، ويكرمُ الفاسد، ويهمشُ الشريف، ويعاقبُ الأمين. وما تزلُ كلماتُ الإمامِ عليٍ (ع) تترددُ عبرَ الزمن: (اتقِ الله، وأرددُ إلى هؤلاءِ القومِ أموالهمْ ).
✦ كتابات في الميزان ✦
يقارن المقال بين عدالة الإمام علي (عليه السلام)، التي لا تستثني قريباً أو صاحب نفوذ، وبين واقعٍ تحوّل فيه المال العام إلى غنيمة تحميها المحاصصة.
فالفساد لا يسرق خزينة الدولة فقط، بل يحرم المريض من العلاج، والشاب من العمل، والطالب من التعليم، ويقوّض ثقة الناس بمؤسساتهم.
ولا يبدأ الإصلاح بالشعارات، وإنما بقضاء مستقل يلاحق المتورطين، ويسترد الأموال المنهوبة، ويجعل القانون فوق الجميع.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!