تزخر التركة الحديثية المروية عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بالنصوص التي تكشف عن المقامات الملكوتية لأهل البيت (عليهم السلام)، وتأتي الرواية المروية عن الصحابي أنس بن مالك، والمذكورة في كتاب "بشارة المصطفى لشيعة المرتضى" للمحدّث محمد بن أبي القاسم الطبري (من علماء القرن السادس الهجري)، لتقدم مشهداً بصرياً وعقائدياً مهيباً من مشاهد يوم القيامة، تلخص فيه موقع الرسالة والوصاية في الميزان الإلهي.
"عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
إذا كان يوم القيامة نصب لي منبراً طوله ثلاثون ميلًا، ثم ينادي مناد من بطنان العرش: يا محمد، فأجيب فيقال لي: ارق فأكون في أعلاه، ثم ينادي الثانية: أين علي بن أبي طالب؟ فيكون دوني بمرقاة، فتعلم جميع الخلائق بأن محمدا سيد المرسلين وأن عليا سيد الوصيين، قال انس: فقام إليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله فمن يبغض عليا بعد هذا؟ فقال: يا أخا الأنصار لا يبغضه من قريش إلا سفحي، ولا من الأنصار إلا يهودي، ولا من العرب إلا دعي، ولا من سائر الناس إلا شقي
• المشهد الملكوتي وعظمة المنبر
يبدأ النص برسم مشهد أخروي تتطلع إليه الخلائق جمعاء: "نُصب لي منبر طوله ثلاثون ميلاً". إن ذكر المسافات والأبعاد في المشاهد الأخروية (كطول المنبر) يحمل دلالة رمزية وواقعية على الإشهار والإعلان، فالموقف المحشري يضم الأولين والآخرين، وارتفاع المنبر بهذا الشكل الشاهق يضمن أن يرى جميع البشر، بلا استثناء، حقيقة المحمدية والعلية.
- النداء من بطنان العرش: "بطنان العرش" تعني وسطه وأعماقه، وهو موضع القرب والقداسة الإلهية، ممّا يعني أن الأمر يصدر مباشرة من الإرادة الإلهية العليا.
- الترتيب الرتبي (المرقاة): صعود النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أعلى المنبر، يليه صعود أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليكون دونه بمرقاة (درجة)، يجسد عملياً المفهوم العقائدي: أن علياً هو الامتداد الطبيعي والوصي المباشر للنبي، وأنه يليه في الفضل والمقام دون فصل.
- الغاية الكبرى للمشهد: كما يعبر النص: "فتعلم جميع الخلائق بأن محمداً سيد المرسلين وأن علياً سيد الوصيين،" هذا الإعلان ليس تكريماً شخصياً فحسب، بل هو إقامة الحجة النهائية والعلنية أمام البشرية جمعاء وتثبيت للشرعية الإلهية.
• تلازم الإيمان ببغض علي (عليه السلام)
ينتقل النص في شطره الثاني إلى حوار واقِعي في الدنيا؛ حيث يستشعر رجل من الأنصار هيبة المشهد الأخروي فيتساءل متعجباً: "يا رسول الله فمن يبغض علياً بعد هذا؟"، وهو سؤال يستنكر أن يقدم عاقل على بغض شخصية كرمها الله بهذا المقام.
يأتي الجواب النبوي حازماً ومصنفاً للجهات التي تجد في قلوبها غلاً لـ “سيد الوصيين"، رابطاً البغض بأصول تكوينية وأخلاقية ودينية:
- من قريش (إلا سفحي): والسفح هنا إشارة إلى رداءة الأصل أو الدناءة والأخلاق الساقطة، حيث كانت قريش منقسمة بين خط الإيمان وخط الجاهلية وحسد النبوة.
- من الأنصار (إلا يهودي): الأنصار عُرفوا بنصرتهم للإسلام، وبغض عليّ لا يتسق مع هوية الأنصاري الحقيقي؛ لذا وصَفَ المبغِض منهم باليهودي (كناية عن النفاق أو بقاء رواسب الفكر اليهودي المعادي لأهل بيت النبوة).
- من العرب (إلا دعي): والدعي هو اللصيق بالنسَب وليس منه (ابن الزنا أو مجهول النسب)، وهو ما يتطابق مع الأحاديث المتواترة الشهيرة: "يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا ولد زِنا" أو "إلا منافق ،
- من سائر الناس (إلا شقي): الشقاء هنا هو الشقاء الأخروي والانتكاس الفطري، فمن انغلقت بصيرته عن رؤية الحق كان شقياً في كتاب الله.
ثالثاً: القيمة الحديثية والتاريخية للنص
تعتبر الرواية من الأحاديث التي تؤكد عقيدة الشيعة الإمامية في النص والتعيين؛ فالمقام التكويني والتشريعي لعلي بن أبي طالب ليس اختياراً بشرياً فرضته الظروف السياسية بعد وفاة النبي، بل هو قرار سمائي معلن في المحشر.
• كتاب المصدر: كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى يُعد من المصادر الحديثية المعتبرة التي اعتمدت الأسانيد المتصلة، وصاحبه الطبري الآملي يجمع في مروياته ما يوافق الأدلة العقلية والنقلية المتواترة في فضل أمير المؤمنين.
• التواتر المعنوي: لئن اختلف الأسلوب من رواية لأخرى، فإن مضمون هذا الحديث (المنبر، الإعلان السماوي، تصنيف المبغضين لعلي) له شواهد كثيرة جداً في كتب الفريقين (السنة والشيعة)، مما يرفعه إلى مصاف التواتر المعنوي في أن حب عليّ إيمان وبغضه نفاق وشقاء.
إن هذه الرواية الشريفة تقدم صياغة متكاملة لمعادلة الولاء والبراء في الإسلام. فالمحشر ليس مجرد مكان للحساب، بل هو ساحة لتجلي الحقائق المستورة في الدنيا؛ حيث يُرفع الغطاء ليرى الجميع بالعين الباصرة أن خط الرسالة وخط الوصاية يمثلان قمة الهرم الإنساني والملكوتي.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقرأ المقال الرواية بوصفها مشهدًا أخرويًا يعلن سيادة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ومقام وصيه الإمام علي (عليه السلام) أمام الخلائق. ويربط بين علو المنبر والنداء من العرش وإقامة الحجة الإلهية، ثم يجعل محبة أمير المؤمنين معيارًا للإيمان والولاء. غير أن إثبات درجة الرواية ودعوى تواتر مضمونها يحتاجان إلى دراسة مستقلة لأسانيدها وشواهدها الحديثية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!