العرب والأكراد: صياغة الهوية الوطنية العراقية في مواجهة التحديات
تتجلى الهوية الوطنية العراقية بأبهى صورها في التلاحم التاريخي بين العرب والأكراد كونهما الركيزتين الأساسيتين لبناء الدولة العراقية المتماسكة.
ولم تكن هذه الأخوة مجرد شعارات عابرة، بل صاغتها مواقف مشهودة في الملمات والأزمات سطرها التاريخ بأسماء شخوص وتواريخ راسخة تعكس عمق المصير المشترك والتضامن الإنساني والوطني.
محطات تاريخية وشخصيات قيادية
عام 1920 (ثورة العشرين الخالدة): تضامن الشيخ محمود الحفيد (البرزنجي) في السليمانية مع قادة الثورة في الفرات الأوسط والجنوب مثل الشيخ شعلان أبو الجون، مطلقاً انتفاضته في الشمال ليعيق تحركات الاحتلال البريطاني.
وما بعد 2003: برز دور الزعيم الكردي مسعود البارزاني الذي أكد مراراً على الإرث التاريخي لوالده الملا مصطفى البارزاني في بناء جسور الأخوة مع العرب، وحرصه على تعزيز العلاقات التاريخية مع القبائل العربية والمرجعيات الدينية في النجف الأشرف، مكرساً مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية لإدارة البلاد.
كما قاد السيد جلال طالباني جهود تقريب وجهات النظر بين القوى العربية والكردية، مؤكداً أن بغداد هي المظلة الجامعة لكل العراقيين.
أزمة عام 2014 الإنسانية
تجسدت الأخوة فعلياً إبان الهجمة الإرهابية على المحافظات الغربية، حيث وجّه رئيس إقليم كردستان آنذاك مسعود البارزاني بفتح حدود الإقليم واستقبال ملايين النازحين العرب، متقاسمين معهم المأوى ولقمة العيش بأعلى درجات النخوة الإنسانية.
وافرزت الازمة ولجوء تلك العوائل الى الاقليم نتائجا
إجتماعية كان احد نتائجها ازدياد المصاهرة والشراكات وادارة المصالح
دور القبائل والتداخل الثقافي
لعبت القبائل العربية والكردية، مثل قبائل شمر والجبور وعشائر البارزانيين والسورجيين، دوراً محورياً في توطيد اللحمة الوطنية وعقد التحالفات العشائرية لحقن الدماء. وانعكس هذا التعايش على التداخل الثقافي واللغوي؛ فأصبحت كلمات مثل "كاكا" (الأخ بالترابط الكردي) و"عيني" و"أغاتي" متداولة بكثرة في الشارع العراقي. وتجلت العادات المشتركة في احترام المناسبات؛ فالعراقيون جميعاً يحتفلون بأعياد الربيع (نوروز) جنباً إلى جنب مع المناسبات الإسلامية والوطنية، مجسدين قيم الشهامة التي يتصف بها ابن الجنوب والوسط والشمال.
وحدة المصير وعدالة التوزيع
تستوجب هذه المسيرة زيادة اللحمة الوطنية عبر الجمع والتفاعل والابتعاد عن عوامل الفرقة والتشتت. فالأعداء الذين استهدفوا أمن العراق لم ينظروا يوماً إلى قومية العراقي، أو دينه، أو لغته، بل كان هدفهم تقويض هويته الجامعة؛ فالمفخخات ورصاص الإرهاب لم يفرق بين شهيد عربي في بغداد أو كردي في أربيل. وبناءً على هذه التضحيات، فإن خيرات العراق وثرواته المائية والنفطية يجب أن ينعم بها كل عراقي من زاخو إلى الفاو بغض النظر عن موقعه الجغرافي أو عِرقه، ليبقى العراق سداً منيعاً بوجه التحديات.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!