كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

العلمُ بينَ الخضرِ وسليمانٍ (عليهما السلام)  حينَ يفتحُ اللهُ للإنسانِ بابا منْ المعرفة

 تلتقي قصصُ الأنبياءِ وأهلُ العلم، كما، ووردتْ في آياتِ القرآنِ الكريمِ عندَ حقيقةٍ عظيمة، مفادها أنَ العلمَ كلهُ منْ الله- سبحانهُ وتعالى- وحده، وأنَ الإنسانَ لا يؤتى منه، إلا بقدر- ما شاءَ الله- أنْ يؤتيه. منْ أبلغِ المواضعِ التي تكشفُ هذهِ الحقيقة؛ قصةْ النبيّ موسى (غ) معَ العبدِ الصالحِ الذي آتاهُ الله رحمةً وعلما منْ لدنهِ في سورةِ الكهف، وقصةِ النبيِ سليمانٍ (غ) في سورةِ النمل، حينَ سخرَ الله لهُ منْ ملكهِ ، ما لمْ يسخرهُ لغيره، وأراهُ منْ آياتِ العلمِ والقدرةِ ما يعجزُ العقلُ البشريُ عنْ تصوره، وكأنما القرآن الكريم، يضعُ أمامَ الإنسانِ سؤالاً كبيرا، عنْ ماهيةِ وقيمةِ العلم، إذا لمْ نعرفْ من، وهبه، وما قيمةْ المعرفةِ إذا لمْ تقدْ إلى الخضوعِ لله.
أولا: موسى والخضرُ (عليهما السلام) 
   يبدأُ اللقاء، بعبارةٍ قرآنيةٍ عظيمةٍ تصفُ صاحبَ هذا العلم: ( فوجدا عبدا منْ عبادنا آتيناهُ رحمةً منْ عندنا وعلمناهُ منْ لدنا علما) الكهف: 65، فالآيةُ الكريمة، لمْ تقلْ إنَ الخضرَ امتلكَ العلمَ بذاته، وإنما قالت: (وعلمناهُ منْ لدنا علما ) .
 منْ هنا، تبدأُ القضيةُ التي تربطُ بينَ الخضرِ وسليمان: العلمُ عطيةٌ إلهية، وليسَ ملكا مطلقا للإنسان، فقدْ أوتيَ الله سبحانهُ وتعالى؛ الخضر (ع) علما خاصا في تلكَ الوقائعِ التي جرتْ بينهُ وبينَ موسى (ع)، فقالَ في نهايةِ الرحلة: ( وما فعلتهُ عنْ أمري، ذلكَ تأويل ما لمْ تسطعْ عليهِ صبرا) الكهف: 82، أيْ أنَ هذهِ التصرفاتِ لمْ تكنْ منْ اجتهادٍ شخصيٍ مستقل، وإنما كانتْ في إطارِ ما علمهُ الله سبحانه وتعالى، وأمرهُ به. 
تضمنت الآية الكريمة، ثلاثة قصص:
1. السفينةُ :  قالَ تعالى: ( فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينةِ خرقها، قالَ أخرقتها لتغرقَ أهلها لقدْ جئت شيئا أمر) الكهف: 71، ثمَ كشفَ الخضرُ لموسى حقيقة ما وراءَ المشهد: ( أما السفينةُ فكانتْ لمساكينَ يعملونَ في البحرِ فأردتُ أنْ أعيبها وكانَ وراءهمْ ملكٌ يأخذُ كلَ سفينةٍ غصبا) الكهف: 79. كانَ ظاهر الفعلِ إفسادا، لكنَ وراءَ الظاهرِ حماية ورحمة.
 2. الغلامُ: جاءَ الحدثُ الأصعبُ على نفسِ موسى عليهِ السلام: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتلهُ قالَ أقالتْ نفسا زكيةً بغيرِ نفسٍ لقدْ جئت شيئا نكرا) الكهف: 74، ثمَ جاءَ البيانُ الإلهيُ على لسانِ الخضر: (وأما الغلامُ فكانَ أبواهُ مؤمنينِ فخشينا أنْ يرهقهما طغيانا وكفرا، فأردنا أنْ يبدلهما ربهما خيرا منهُ زكاةً وأقربَ رحما) الكهف: 80- 81، هنا ينبغي التوقفُ طويلا: الأبوانِ مؤمنان، ولمْ يقلْ القرآن إنهما عاصيان، بلْ وصفهما بالإيمان، أما الغلام، فكانَ يخشى أنْ يرهقهما بطغيانهِ وكفره. إنها صورةٌ منْ صورِ العلمِ الذي يتجاوزُ إدراكَ الإنسانِ المحدودِ للحدث؛ فالإنسانُ يرى اللحظة، بينما الله سبحانهُ وتعالى، يعلمُ الماضي والمستقبل والعواقب
 3. الجدارُ والكنز: يصلُ موسى والخضرُ( عليهما السلام) إلى قريةِ رفضِ أهلها إطعامهما، ومعَ ذلكَ أقامَ الخضر(ع) جدارا يكادُ يسقط: فانطلقا حتى إذا أتيا أهلَ قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أنْ يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريدُ أنْ ينقضَ فأقامه، قالَ لوْ شئت لاتخذت عليهِ أجرا؟ الكهف: 77، ثمَ كشفَ السبب: ( وأما الجدارُ فكانَ لغلامينِ يتيمينِ في المدينةِ وكانَ تحتهُ كنزٌ لهما وكانَ أبوهما صالحا فأرادَ ربك أنْ يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة منْ ربك، وما فعلتهُ عنْ أمري) الكهف: 82. 
 هنا تظهرُ كلمةٌ شديدةُ الدلالة: (وكانَ أبوهما صالحا ) ، فصلاح الأب امتدَ أثرهُ إلى أبنائه، وحفظَ اللهُ لهما كنزهما حتى يبلغا أشدهما، هكذا تتكررُ كلمةُ الرحمةِ في قصةِ العلم: علمٌ لا ينفصلُ عنْ الرحمة، ومعرفة لا تنفصلُ عنْ أمرِ الله، وأحداث قدْ يبدو ظاهرها مؤلما بينما تخفي في أعماقها حكمة لا يدركها الإنسانُ في اللحظةِ نفسها.
ثانيا: سليمان، والهدهد 
    عندما يحملُ مخلوق صغير خبرا عظيما،  إذ كانَ سليمان (ع) نبيا وملكا، آتاهُ اللهُ علما واسعا، وسخرَ لهُ الجنّ والريح والطير، ومعَ ذلكَ كانَ يتفقدُ الطير، ولا يحتقرُ شأنا مخلوقا صغيرا.
  قالَ تعالى: (وتفقدَ الطيرَ فقالَ ما ليَ لا أرى الهدهدَ أمْ كانَ منَ الغائبين، لأعذبنهُ عذابا شديدا أوْ لأذبحنهُ أوْ ليأتيني بسلطانٍ مبين) النمل: 20- 21، ثمَ جاءَ الهدهدُ بخبرٍ لمْ يكنْ حاضرَ عندَ سليمان: ( فمكثَ غيرَ بعيدٍ فقالَ أحطت بما لمْ تحطْ بهِ وجئتك منْ سبأٍ بنبأِ يقين، إني وجدتُ امرأةً تملكهمْ وأوتيتْ منْ كلِ شيءٍ ولها عرشٌ عظيم، وجدتها وقومها يسجدونَ للشمسِ منْ دونِ اللهِ وزينَ لهمُ الشيطانُ أعمالهمْ فصدهمْ عنِ السبيلِ فهمْ لا يهتدون) النمل: 22- 24.
   هنا مفارقةٌ بديعة؛ الهدهدُ كانَ أصغرَ منْ سليمانٍ ملكا، لكنهُ حملَ معلومة، لمْ تكنْ عندَ سليمانٍ في تلكَ اللحظة، وهذا درس عظيم في المعرفة: لا يجوزُ للإنسانِ أنْ يظنَ أنَ امتلاكهُ علمَ في مجالٍ يعني امتلاكهُ كلَ العلم. فالعلمُ موزع، والقدرات متفاوتة، وكلّ مخلوقٍ عندهُ شيءٌ منْ المعرفةِ بحكمِ ما خلقهُ اللهُ عليه.
ثالثا: عرشُ بلقيس
   منْ يستحضرُ العرش، قبلَ أنْ يرتدَ طرفُ العين؟ ثمَ سألَ سليمان أهل مجلسه: ( قالَ يا أيها الملأُ أيكمْ يأتيني بعرشها قبلَ أنْ يأتوني مسلمين، قالَ عفريتٌ منَ الجنِ أنا آتيكَ بهِ قبلَ أنْ تقومَ منْ مقامكَ وإني عليهِ لقويَ أمين) النمل: 38- 39، ثمَ يأتي المشهد الأعجب: ( قالَ الذي عندهُ علم منْ الكتابِ أنا آتيك بهِ قبلَ أنْ يرتدَ إليك طرفك، فلما رآهُ مستقرا عندهُ قالَ هذا منْ فضلِ ربي ليبلوني أأشكرُ أمْ أكفرُ ومنْ شكرَ فإنما يشكرْ لنفسه، ومنْ كفرَ فإنَ ربي غنيٌ كريم) النمل: 40، وهنا تبلغُ القصةَ ذروتها. العفريتُ قال: (أنا آتيك به) قبلَ أنْ يقومَ سليمان منْ مقامه.
   أما الذي (عندهُ علم منْ الكتاب)، فقالَ سبحانه: ( أنا آتيك بهِ قبلَ أنْ يرتدَ إليك طرفك ) ، لكنَ الأهمَ منْ سرعةِ الحدثِ ليسَ السرعةَ نفسها، وإنما ردّ فعلِ سليمان: (هذا منْ فضلِ ربي) لمْ يقل: هذا منْ عبقريتي، ولا منْ قوتي، ولا منْ ملكي، بلْ ردِ النعمةِ إلى صاحبها الحقيقي: اللهُ سبحانهُ وتعالى، وهنا تكمنُ الأخلاقُ القرآنيةُ للعلم: كلما اتسعتْ المعرفة، وجبَ أنْ يتسعَ معها التواضع.
رابعا: هلْ كانَ سليمان أوْ الخضر يملكانِ علمَ الغيب؟
      يتطلب، أنْ نفرقَ بينَ العلمِ الذي يمنحهُ اللهُ لبعضِ عباده، وبينَ علمِ الغيبِ المطلق، فالقرآنُ يقررُ بوضوح: ( قل لا يعلمُ منْ في السماواتِ والأرض الغيب إلا الله) النمل: 65، إذنْ لا الخضر، ولا سليمان (عليهما السلامُ ) ، ولا غيرهما يملكونَ علمَ الغيبِ استقلالا، وما ظهرَ في قصةِ الخضرِ منْ علمٍ بما سيحدثُ للغلام، أوْ بالسفينة، أوْ بالكنزِ إنما هوَ علمٌ خاصٌ علمهُ اللهُ إياه، كما قالَ تعالى: (وعلمناهُ منْ لدنا علما ) ، وكذلكَ الذي أحضرَ عرش بلقيس لمْ يقلْ القرآنُ إنهُ يملكُ علمَ الغيب، وإنما قال: (الذي عندهُ علم منْ الكتابِ ) ، وهذهِ العبارة وحدها تحملُ معنى عظيما: علمٌ منْ الكتاب، وليسَ كلّ العلم.
خامسا: فوقَ كلِ عالمٍ عليمٍ  
   في سورةٍ كريمةٍ أخرى، تأتي الآية التي تختصرُ هذا المعنى كله: ( وفوقَ كلِ ذي علمٍ عليم) يوسف: 76، إنها قاعدةٌ كبرى، في فلسفةِ العلمِ القرآنية، قدْ يكونُ الإنسانُ عالما، وفوقهُ عالم، قدْ يكونُ أستاذا، وفوقهُ منْ هوَ أعلم، قدْ يصلُ العقلُ إلى اكتشافٍ عظيم، ثمَ يكتشفُ بعدَ سنواتٍ أنَ وراءهُ آفاقا لمْ يكنْ يعلمها، لكنَ فوقَ جميعِ البشرِ والمخلوقاتِ العليم( اللهُ سبحانهُ وتعالى)، ولهذا، فإنَ أعظمَ ما يفعلهُ العلمُ الحقيقيُ في قلبِ الإنسانِ ليسَ أنْ يجعلهُ متكبرا، بلْ إنَ يجعلهُ أكثر خشوعا.
سادسا: العلمُ الذي أمرنا الله به
     منْ أجملِ الأدعيةِ القرآنيةِ، في طلبِ العلمِ قول اللهِ تعالى لنبيهِ محمدٍ ( ص) : ( وقلْ ربِ زدني علما) طه: 114، لمْ يأمرْ اللهُ نبيهُ أنْ يقول: ربٌ زدني مالا، أوْ ربّ زدني سلطانا، وإنما جاءَ الدعاء: (ربّ زدني علما ) ، وقالَ سبحانه: ( يرفعُ الله الذينَ آمنوا منكمْ والذينَ أوتوا العلم درجات) المجادلة: 11، وقالَ  سبحانه وتعالى: ( إنما يخشى اللهَ منْ عبادهِ العلماء) فاطر: 28، فالعلمُ في القرآنِ ليسَ مجرد تراكمٍ للمعلومات، ولا وسيلة للتفاخر، ولا أداة للسيطرةِ على الآخرين، فالعلمُ الحقيقيُ يهدي إلى معرفةِ الله، ويكشفُ للإنسانِ حدودَ قدرته، ويجعلهُ أكثر مسؤوليةٍ عنْ الأرضِ والإنسانِ والحياة.
سابعا: ما الرابطُ بينَ الخضرِ وسليمان؟
     ليسَ الرابطُ الأعمقُ في كونٍ الاثنينِ، امتلكا معرفةً خارقةً للمألوف، وإنما في مصدرِ العلمِ وحدودهِ وغايته، فالخضرُ (ع) قال، في ختامِ قصته: ( وما فعلتهُ عنْ أمري ) ، والرجل الذي عندهُ علم منْ الكتابِ في قصةِ سليمانِ أظهرَ أنَ لديهِ (علما منْ الكتابِ ) ، وسليمان (ع) نفسه عندما رأى العرش أمامهُ قال: (هذا منْ فضلِ ربي ) ، فثلاثة المعان تجتمع: العلمُ منْ الله، والقدرةِ منْ الله، والفضلِ منْ الله.
    إنَ الإنسانَ مهما بلغَ منْ العلمِ لا يتحولُ إلى إله، ومهما بلغَ منْ المعرفةِ لا يحيطُ بكلِ شيء، ومهما أوتيَ منْ قدرة، فلا يستغني عنْ خالقه. 
      منْ هنا تعلمنا، قصةَ الخضرِ (غ) أنَ ظاهرَ الأحداثِ ليسَ دائما هوَ حقيقتها الكاملة، وقصةْ النبيِ سليمانٍ (غ) معَ الهدهد، أنَ المعلومةَ قدْ تأتيك منْ حيثُ لا تتوقع، وقصةْ عرشِ بلقيس ، أنَ قدرةَ الإنسانِ قدْ تتجاوزُ ما اعتادهُ الناسُ حينَ يمنحهُ اللهُ علما وقدرة. أما سليمان، فيعلمنا أنَ أعظمَ ما يفعلهُ العالمُ عندَ بلوغِ النعمةِ هوَ أنْ يقول: (هذا منْ فضلِ ربي ) . 
     منْ كلِ ما تقدم: نرى أنَ العلمَ أمانة، إننا نعيشُ في عصرٍ أصبحتْ فيهِ المعرفةُ تصلُ إلى الإنسانِ في ثوان، وأصبحتْ التقنيةُ قادرةً على إنجازِ ما كانَ يبدو في الأزمنةِ الماضيةِ ضربا منْ الخيال، لكنَ القرآن، يذكرنا بأنَ المشكلةَ ليستْ في مقدارِ ما نعرف، بلْ في كيفَ نستخدمُ ما نعرف، علما بلا أخلاقٍ قدْ يتحولُ إلى ظلم، وعلما بلا رحمةٍ قدْ يتحولُ إلى قسوة، وعلمَ بلا تواضعٍ قدْ يتحولُ إلى غرور، وعلمَ بلا إيمانٍ قدْ يجعلُ الإنسانَ يرى قدرته، وينسى واهب القدرة.
    إنَ العلم، الذي أرادهُ اللهُ لعباده، فهوَ علمٌ يقودُ إلى الإصلاح، الرحمة، العدل، العملِ الصالح، إعمارِ الأرض، وخدمةِ الإنسان.
    فلنتركْ كلَ علمٍ أوْ خطابٍ أوْ جدالٍ لا يخدمُ العباد، ولا يصلحُ الأرض، ولنتمسك بالعلمِ الذي أمرنا اللهُ بطلبه، العلم الذي يبدأُ منْ كلمةٍ (اقرأْ ) ، ويعلمنا أنْ نقول: ( ربّ زدني علما) ثمَ كلما ازددنا علما، ازددنا تواضعا، وكلما اتسعتْ معرفتنا، أدركنا اتساعَ ما نجهله، وكلما فتح اللهِ لنا بابا منْ أبوابِ المعرفة، قلنا كما قالَ سليمان عليهِ السلام: هذا منْ فضلِ ربي، لأنَ فوقَ كلِ عالمٍ عليم، وفوقَ كلِ قدرةٍ قدرةَ الله، وفوقَ كلِ معرفةِ علمٍ (وفوقَ كلِ ذي علمٍ عليمٌ ) .  صدقَ اللهُ العظيم.

✦كتابات في الميزان✦

يقدّم المقال قراءة قرآنية مترابطة لمفهوم العلم بوصفه عطاءً إلهيًا وأمانة أخلاقية، مستعينًا بقصتي الخضر وسليمان (عليهما السلام). ويبيّن أن المعرفة الحقيقية لا تقود إلى الغرور، بل إلى التواضع والخشوع وإدراك حدود العقل البشري. وتكتسب الفكرة راهنيتها في عصر التقنية؛ إذ لا تكمن قيمة العلم في اتساعه وحده، بل في توظيفه لخدمة الإنسان وتحقيق الرحمة والعدل والإصلاح.

الحروف_المقطعة_في_القرآن.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!