كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

نصب تذكاري للإهمال: لماذا يسقط"جسر السندية" من حسابات الإعمار الوكني؟

في وقت تشهد فيه العاصمة بغداد ومحافظات عراقية عدة نهضة عمرانية واسعة، وتتحول المجسرات والأنفاق الجديدة إلى شرايين تربط أوصال المدن، يقف مشروع «جسر السندية» شاهدًا حيًّا على سنوات طويلة من التعثر والنسيان.

فالمشروع الذي أُريد له أن يكون طوق نجاة لآلاف المواطنين، تحوّل بمرور الأعوام إلى ما يشبه النصب التذكاري للوعود الحكومية المؤجلة، ومثالًا صارخًا على اتساع فجوة الثقة بين المواطن والسلطة التنفيذية.

ولا تتوقف أهمية هذا المعبر عند حدوده المحلية، إذ يمثل شريانًا حيويًا يربط محافظة ديالى بمحافظة صلاح الدين، ويخدم حركة المواطنين والمنتسبين والقوات الأمنية المتوجهة إلى قاعدة بلد الجوية والمناطق المحيطة بها، ما يمنحه بعدًا أمنيًا ولوجستيًا بالغ الأهمية.

كما يُعد من أبرز الطرق المباشرة التي يسلكها الزائرون القادمون من ديالى باتجاه مرقد السيد محمد بن الإمام الهادي (عليه السلام) في بلد، ومرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في سامراء، فضلًا عن أهميته الاقتصادية في نقل المحاصيل الزراعية والسلع بين المحافظتين.

وتبدأ حكاية المعبر من مفارقة مؤلمة، إذ لا يزال الأهالي والزائرون والقوات الأمنية يعتمدون على جسر حديدي عائم وضيق، لا يتناسب مع أعداد المركبات ولا مع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة. وبحسب تقارير محلية، فإن الجسر الحالي يتألف من ممر واحد وتعبره المركبات بالتناوب، وسط مخاوف مستمرة من ضعف قدرته على تحمل الأحمال الثقيلة.

ومع الإعلان عن إنشاء جسر كونكريتي بديل، استبشر الأهالي والمزارعون خيرًا، ولا سيما أن المنطقة تُعد من المناطق الزراعية المهمة التي تسهم محاصيلها في رفد أسواق عدد من المحافظات العراقية.

لكن الآمال سرعان ما اصطدمت بواقع التلكؤ؛ إذ توقفت الأعمال وبقيت الركائز الكونكريتية قائمة وسط النهر، تواجه عوامل التعرية والإهمال، وتختصر قصة مشروع طال انتظاره.

وبحسب بيان رسمي صادر عن وزارة التخطيط في 6 شباط 2025، يبلغ طول الجسر الكونكريتي 336 مترًا، ويستند إلى 12 دعامة و48 ركيزة، فيما تبلغ مقترباته من جهة ديالى 220 مترًا. وقد وصلت نسبة الإنجاز إلى نحو 40%، بينما عزت الوزارة توقف العمل إلى مشكلات استملاك أراضي المواطنين، مؤكدة تشكيل لجان لحسم العائدية وتثمين الأراضي الواقعة ضمن مسار المشروع. وزارة التخطيط العراقية

وقبل أربع سنوات، نقلتُ شخصيًا معاناة الأهالي عبر تقرير تلفزيوني مصور بُثّ في برنامج «دفتر ملاحظات» على شاشة القناة العراقية الرسمية، وواجهنا خلاله وزير الإعمار والإسكان آنذاك.

وفي ذلك اللقاء، قدّم الوزير وعدًا صريحًا وموثقًا باستئناف العمل وإنجاز الجسر فور إقرار الموازنة المالية. غير أن السنوات مضت، وتغيرت الحكومات، وغادر الوزير منصبه، فيما بقي الوعد معلقًا وبقي المشروع على حاله، مخلفًا خيبة أمل كبيرة لدى سكان المنطقة.

ولا يقتصر ألم الأهالي على تعطل مشروع خدمي، بل يتضاعف وهم يشاهدون مشاريع عملاقة تُفتتح في مناطق أخرى خلال مدد قياسية، في حين يظل جسرهم، الذي يمثل بالنسبة إليهم «الأمل المنشود»، متوقفًا ومهملًا.

لقد بات المشهد يوحي وكأن هذه المنطقة، بما تمتلكه من ثقل زراعي وأمني وخدمي وديني، قد سقطت من حسابات التنمية، أو أن سكانها يعيشون بعيدًا عن أولويات الدولة واهتماماتها.

ومن منطلق المسؤولية الوطنية والرقابية، نتوجه بهذا الخطاب مباشرة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء، بوصفه أعلى سلطة تنفيذية في الدولة، مطالبين إياه بالتدخل العاجل لإنهاء هذا الملف.

فالنجاح الحقيقي لأي حكومة لا يُقاس فقط بعدد المشاريع الكبرى المنجزة في مراكز المدن، وإنما بقدرتها على تحقيق العدالة التنموية والوصول إلى المناطق التي عانت طويلًا من الحروب والإهمال والتهميش.

إننا ندعو رئيس مجلس الوزراء إلى إجراء زيارة ميدانية عاجلة ومفاجئة لموقع جسر السندية، ليقف بنفسه على حجم المعاناة اليومية التي يعيشها الأهالي، ويطّلع على أسباب بقاء الركائز الكونكريتية مهجورة وسط النهر.

كما نطالب بتشكيل لجنة تحقيقية عليا وجادة، تتمتع بصلاحيات واضحة، لمراجعة جميع مراحل المشروع وكلفه وعقوده، والكشف عن أي شبهات فساد إداري أو مالي، وتحديد مسؤولية الجهات والشركات والمقاولين المتسببين في تأخيره، وإحالة المقصرين إلى الجهات القضائية المختصة.

لم يعد الأهالي يملكون ترف الانتظار، ولم تعد الوعود الشفهية واللجان التقليدية قادرة على إقناعهم. إن إعادة الحياة إلى مشروع جسر السندية ليست مجرد مطلب خدمي، بل اختبار حقيقي لجدية الدولة في معالجة المشاريع المتلكئة وتحقيق العدالة بين مناطق البلاد.

لقد حان الوقت لرفع الحيف عن المناطق المستفيدة من هذا المشروع، وإثبات أن أبناءها في قلب الوطن، وليسوا مجرد نقطة منسية على هامش خارطة التنمية.

✦ كتابات في الميزان ✦

يكشف المقال أن تعثر جسر السندية لا يمثل إخفاقًا خدميًا عابرًا، بل صورةً لاختلال العدالة التنموية واستمرار الفجوة بين الوعود الحكومية وما يُنجز على الأرض. فالمشروع يجمع بين الأهمية الأمنية والزراعية والاقتصادية والدينية، ومع ذلك بقي متوقفًا لسنوات، فيما يطالب الأهالي بتدخل حكومي مباشر يكشف أسباب التلكؤ ويعيد العمل إلى هذا الشريان الحيوي.

السندية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!