من الشبهات التي يمكن أن تُثار حول النهضة الحسينية أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع أن يتجنب القتل باستخدام التقية؛ فيبايع يزيد ظاهريًا، ويحافظ على حياته، ثم يواصل الإصلاح من الداخل. ويقال: أليست التقية أصلًا من أصول مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؟ فلماذا لم يعمل بها الإمام في هذه القضية؟
هذه الشبهة تحتاج إلى التمييز بين التقية بوصفها وسيلة لحفظ الدين والنفس عند الضرورة، وبين اتخاذها ذريعةً لمنح الشرعية للظلم والانحراف.
أولا : التقية ليست قاعدة مطلقة
التقية في الفكر الإسلامي ليست معناها أن يتنازل الإنسان عن الحق في جميع الظروف، وإنما هي رخصة مرتبطة بظروف معينة، يكون فيها إظهار الموقف سببًا في ضرر لا تتحقق معه مصلحة شرعية راجحة.
وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):
(إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فلا تقية)(١)
فالتقية إذن ليست هدفًا بذاتها، وإنما وسيلة لحفظ النفس والدين عندما تكون الظروف تقتضي ذلك.
ومن هنا لا يصح أن يقال: بما أن التقية مشروعة، كان يجب على الإمام الحسين (عليه السلام) أن يستخدمها مهما كانت النتائج.
ثانيا : ماذا كانت تعني بيعة الإمام ليزيد؟
إن المشكلة لم تكن في مجرد كلمة يقولها الإمام سرًا أو علنًا، وإنما في البيعة نفسها.
فالبيعة في ذلك السياق لم تكن مجرد إجراء شكلي، وإنما كانت اعترافًا سياسيًا بشرعية الحاكم.
ولهذا كان موقف الإمام واضحًا منذ البداية:
(ومثلي لا يبايع مثله)(٢)
فلو بايع الإمام ثم قيل إن البيعة كانت مجرد تقية، فإن السؤال يصبح: ماذا كان سيترتب على تلك البيعة في وعي الأمة؟
إن أخطر ما كانت تخشاه النهضة الحسينية هو أن تتحول البيعة إلى شهادة شرعية من شخصية دينية كبرى لصالح حكم يزيد.
ثالثا : لماذا كان موقف الإمام مختلفًا عن حالات التقية الأخرى؟
التقية قد تكون مشروعة عندما يكون الإنسان فردًا مهددًا، ولا يترتب على موقفه الظاهري إضلال للناس أو تثبيت للباطل.
أما الإمام الحسين (عليه السلام) فكان شخصيةً عامة، وموقفه كان سيُقرأ سياسيًا ودينيًا على نطاق الأمة.
فلو بايع يزيد، لكان من الممكن أن يُقال:
إن الحسين بن علي، سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد قبل بخلافة يزيد.
وهنا لا تعود القضية متعلقة بحماية شخص الإمام فقط، بل تصبح مرتبطة بتشكيل وعي الأمة بشرعية الحكم.
رابعا : الإمام لم يكن يبحث عن الموت
ومن المهم ألا نخلط بين رفض التقية في هذه الحالة وبين حب الموت.
فالإمام الحسين (عليه السلام) حاول في مراحل متعددة تجنب المواجهة، وانتقل من المدينة إلى مكة، ثم حاول تغيير وجهته عندما تغيرت الظروف، وقدم خيارات للخروج من الأزمة.
وقد عرض الرجوع أو الذهاب إلى مكان آخر، لكن السلطة رفضت أن تسمح له بذلك دون الخضوع لشروطها (٣).
وهذا يدل على أن الإمام كان يريد حفظ الدماء، لكنه لم يكن مستعدًا لدفع ثمن حياته من خلال التنازل عن المبدأ.
خامسا: لماذا لم يقل الإمام: أبايع ثم أعارض لاحقًا
لأن هذا الخيار كان يعني أن الإمام سيمنح السلطة ما تحتاجه في تلك اللحظة: الاعتراف بشرعيتها.
والسلطة لم تكن بحاجة إلى بيعة شخص عادي، وإنما كانت تحتاج إلى بيعة شخص بحجم الإمام الحسين (عليه السلام).
ولهذا كان رفض الإمام للبيعة ذا أثر يتجاوز حياته الشخصية.
لقد أدرك الإمام أن السكوت أو البيعة يمكن أن يتحولا إلى أداة لتثبيت الانحراف في الأمة.
سادسا : التقية عندما تحفظ الدين، لا عندما تهدمه
يمكن فهم موقف الإمام من خلال قاعدة عقلية واضحة:
إذا كانت التقية تحفظ الإنسان ليواصل رسالته، فقد تكون وسيلة حكيمة.
أما إذا أصبحت التقية سببًا في تثبيت الباطل ومنح الظالم شرعيةً دينية، فإنها تفقد الغاية التي شرعت من أجلها.
وهذا ينسجم مع قوله تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
فالإمام لم يكن يواجه مجرد خطر شخصي، بل كان يرى أن القضية تتعلق بمستقبل الأمة.
وقد عبّر عن ذلك بقوله:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا).(٤)
سابعا : هل كانت التقية ستمنع المأساة؟
حتى هذا الافتراض يحتاج إلى تأمل.
فالمشكلة لم تكن أن السلطة تريد من الإمام مجرد الصمت، بل كانت تريد منه البيعة.
وقد كان المطلوب منه أن يمنح يزيد الشرعية، ولذلك لم يكن الأمر مجرد أن يختبئ الإمام أو يبتعد عن الصراع.
كما أن موقف الإمام لو كان قائمًا على البيعة الظاهرية ثم المعارضة السرية، لكان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى نتائج أكثر تعقيدًا؛ لأن السلطة كانت تستطيع استخدام البيعة لتثبيت حكمها أمام الأمة.
ومن هنا فإن الإمام اختار أن يكون موقفه واضحًا لا يحتمل التأويل.
الإمام الحسين (عليه السلام) جعل موقفه رسالة للأمة
لقد كان الإمام يعلم أن حياته ليست القضية الوحيدة.
ولهذا قال في وصيته:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر).(٥)
فإذا كان الهدف هو الإصلاح في الأمة، فإن موقف الإمام يجب أن يُفهم في ضوء أثره على الأمة، لا في ضوء المحافظة على حياته الشخصية فقط.
وقد أثبت التاريخ أن كربلاء أصبحت رسالةً هزت الوعي الإسلامي، بينما لم يكن يمكن لبيعة الإمام أن تؤدي إلى الأثر نفسه في مقاومة الانحراف.
التقية والشهادة موقفان متكاملان وليسا متناقضين
ليس معنى ذلك أن التقية مرفوضة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، بل هي مبدأ معتبر في ظروفه.
لكن حياة الأئمة (عليهم السلام) نفسها تكشف أن المواقف تختلف باختلاف الظروف والأهداف والنتائج.
فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن في ظرف يمكن فيه لبيعة ظاهرية أن تحفظ الدين من دون أن تضر به، ولذلك أصبح رفض البيعة جزءًا من مسؤوليته التاريخية.
ومن هنا لا يصح القول إن الإمام خالف مبدأ التقية، بل الأدق أن نقول: إن التقية لها موضوعها وحدودها، والإمام الحسين (عليه السلام) رأى أن موضوع التقية لم يكن متحققًا في موقف البيعة ليزيد.
وعليه، فإن السؤال: لماذا لم يستخدم الإمام الحسين (عليه السلام) التقية؟ يفترض أن التقية كانت ستؤدي إلى حفظ الدين والمبدأ، بينما كانت البيعة في ذلك الظرف تعني منح الشرعية لحكمٍ رفضه الإمام.
ولذلك لم يكن الإمام أمام خيار بسيط بين (الحياة والموت)، بل أمام خيار بين حياةٍ تحفظ شخصه مع احتمال تثبيت الانحراف، وموقفٍ يحفظ المبدأ ولو كان الثمن حياته.
فلم يختر الإمام الحسين (عليه السلام) الموت لذاته، وإنما رفض أن يجعل حياته ثمنًا لشرعنة ما اعتقد أنه انحراف عن نهج الإسلام.
الهوامش
(١) الكليني، الكافي، ج٢ ، ص٢١٣.
(٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣.
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١١.
(٤) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.
(٥) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!