بحكم اطلاعي ومتابعتي لمجال التحليل الاستخباري، اعتقد ان دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال سيغير الكثير في طريقة العمل، وليس فقط في سرعة الوصول إلى المعلومات. فالمسالة لا تتعلق بأداة جديدة يستخدمها المحلل، بل بتغير محتمل في الطريقة التي يتم بها التعامل مع المعلومات وبناء التقديرات الاستخبارية.
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على مساعدة المحلل، فهذا الامر أصبح واقعا.
السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل سيجعل المحلل أكثر دقة، ام سيمنحه ثقة أكبر باستنتاج قد يكون خاطئا؟
لا شك ان قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات تمثل ميزة مهمة، فالمحلل يتعامل مع تقارير ومصادر مفتوحة وصور ومقاطع فيديو وبيانات جغرافية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المصادر. ومن الصعب على شخص واحد ان يراجع كل ذلك بالسرعة المطلوبة.
هنا يمكن للذكاء الاصطناعي ان يكون مفيدا جدا في ترتيب المعلومات وتلخيصها، ومقارنة المصادر، والبحث عن الروابط والأنماط التي قد لا تظهر بسهولة عند القراءة التقليدية. وهذا قد يوفر للمحلل وقتا كان يستهلكه في جمع المعلومات وفرزها، ليمنحه وقتا أكبر للتفكير والتقييم.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة اساسية: سرعة معالجة المعلومات لا تعني صحة الاستنتاج.
قد يربط النظام بين معلومات متفرقة ويقدم تفسيرا يبدو منطقيا، بينما تكون العلاقة بينها ضعيفة او غير ذات قيمة استخبارية. وقد يبني استنتاجه على معلومات ناقصة، او على مصدر غير دقيق، او على معلومة صحيحة وضعت في سياق خاطئ.
المشكلة هنا ليست في الخطأ بحد ذاته. المحلل يعرف ان الخطأ جزء من العمل الاستخباري، ويستطيع مراجعة التقدير وتصحيحه. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يكون الخطأ مقنعا.
إذا قدم النظام استنتاجا خاطئا بطريقة واضحة، فمن السهل اكتشافه. اما إذا قدمه بلغة مرتبة ومنطق يبدو متماسكا، فقد يمر الاستنتاج دون ان يثير الشك، خصوصا إذا كان المحلل يميل اصلا إلى تصديق النتيجة التي امامه.
وهذا في رأيي من أخطر ما يمكن ان يسببه الاعتماد غير المنضبط على الذكاء الاصطناعي: الثقة الزائدة.
في التحليل الاستخباري، لا تقاس قوة الاستنتاج بطريقة صياغته، بل بقوة الادلة التي تقف خلفه.
لذلك، عندما يقدم الذكاء الاصطناعي استنتاجا ما، يجب الا يكون السؤال فقط: هل يبدو منطقيا؟
بل ايضا: ما الذي يستند اليه؟
هل المعلومات التي بني عليها صحيحة؟
هل توجد معلومات اخرى تناقضه؟
وما التفسير البديل؟
هذه الاسئلة تظل من مسؤولية المحلل، ولا يمكن نقلها إلى الآلة.
هناك خطر اخر لا يقل اهمية …
وهو ان يؤثر الذكاء الاصطناعي مع مرور الوقت في طريقة تفكير المحلل نفسه.
فاذا اعتاد المحلل على الحصول على اجابة جاهزة خلال ثوان، فقد يقل تدريجيا اعتماده على بعض الممارسات الاساسية في التحليل، مثل مراجعة الفرضيات، والبحث عن الادلة المخالفة، ومناقشة التفسيرات البديلة.
وهنا قد يتحول الذكاء الاصطناعي من اداة تساعد المحلل إلى اداة تختصر عليه التفكير.
لا اعتقد ان مستقبل التحليل الاستخباري سيكون في استبدال المحلل بالآلة. لكل منهما نقاط قوة مختلفة. الذكاء الاصطناعي أسرع في معالجة البيانات والبحث عن الانماط، بينما يبقى المحلل أكثر قدرة على فهم السياق، وتقدير الغموض، وقراءة النوايا، وربط المعلومات بالظروف السياسية والامنية المحيطة بها.
لكن الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي ستعتمد على طريقة استخدامه. يمكن ان يكون وسيلة جيدة لاختبار الفرضيات، وطرح احتمالات جديدة، وكشف معلومات ربما لم ينتبه اليها المحلل. وفي المقابل، يمكن ان يصبح مصدرا لمشكلة كبيرة إذا استخدم فقط للعثور على ما يؤيد التقدير الموجود مسبقا.
لذلك، اعتقد ان العلاقة الصحيحة بين المحلل والذكاء الاصطناعي يجب ان تقوم على الشك المهني. لا ينبغي للمحلل ان يرفض مخرجات النظام لمجرد انها صادرة عن آلة، ولا ان يقبلها لمجرد انها تبدو منطقية.
وفي القضايا الحساسة، خصوصا تلك التي ترتبط بالأمن القومي وصنع القرار، يجب ان يبقى الحكم النهائي بيد المحلل، مع وجود آليات واضحة للتحقق من المعلومات ومراجعة المخرجات والعودة إلى المصادر الاصلية.
وهناك قاعدة بسيطة اراها مهمة: كلما كان الاستنتاج أكثر اهمية، يجب ان يكون التحقق منه أكثر صرامة.
في النهاية، لم يعد السؤال بالنسبة إلى مراكز التحليل هو هل نستخدم الذكاء الاصطناعي ام لا. فهذه التقنيات ستدخل بصورة اوسع في العمل الاستخباري شئنا ام ابينا.
السؤال الحقيقي هو كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي من دون ان نفقد اهم ما يميز المحلل الجيد: الشك، والاستقلالية، والقدرة على مراجعة نفسه، وعدم الاكتفاء بالتفسير الاول الذي يبدو مقنعا.
ومن واقع متابعتي لهذا المجال، اعتقد ان أخطر خطا قد لا يكون ان يقدم الذكاء الاصطناعي اجابة خاطئة، فهذا امر يمكن التعامل معه. الخطر الاكبر هو ان يقدم اجابة خاطئة تبدو صحيحة إلى درجة تجعل المحلل لا يفكر في البحث عن خطئها.
ولهذا، فإن المبدأ الذي يجب ان يحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في التحليل الاستخباري بسيط:
يجب ان يساعد الذكاء الاصطناعي المحلل على التفكير بصورة أفضل، لا ان يفكر بدلا منه.
✦ كتابات في الميزان ✦
ليس أخطر ما في الذكاء الاصطناعي أن يخطئ، بل أن يصوغ خطأه بلغة واثقة تجعله أقرب إلى التصديق. وفي عالم التحليل الاستخباري، حيث قد يقود التقدير الواحد إلى قرارات مصيرية، لا تكفي سرعة جمع المعلومات ولا أناقة الاستنتاج ما لم تسنده أدلة قابلة للتحقق. لذلك تبقى الآلة شريكًا في الفرز وكشف الأنماط، فيما يظل الشك المهني وفهم السياق والحكم النهائي مسؤوليةً بشرية لا يجوز التنازل عنها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!