كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هل تنجح الحكومة في توحيد الإيرادات وإدخالها في الخزينة العامة؟

في بلد غني بالموارد والثروات ، وحكومته تمول  العديد من الفعاليات وتؤدي معظم الخدمات ، تطرح العديد من التساؤلات مقرونة بالعجب والاستغراب ، كيف يعقل أن تشكل إيراداتها غير النفطية  نسب منخفضة من مجموع الإيرادات ، والتساؤل مقبول  استنادا لما يظهر في الموازنات الاتحادية  وفي التقارير والحسابات الختامية  ، ومنها موازنة  2023 ،  وحسب ( تقرير أرقام موازنة 2023 وحقائق النفقات والإيرادات )  الذي أصدرته وزارة المالية ، كان المخطط  أن تكون  ألإيرادات الإجمالية 134.5 تريليون دينار، منها 117.2 تريليون دينار إيرادات نفطية و17.3 تريليون دينار إيرادات غير النفطية ( الإيرادات غير النفطية  بنسبة  12.9% )  ، وهذه النسبة لم يتم بلوغها  ، ففي الواقع الفعلي ، بلغ إجمالي إيرادات العراق النفطية وغير النفطية في تلك السنة 135.6 تريليون دينار ، منها 125.8 تريليون دينار إيرادات نفطية و9.7 تريليون دينار إيرادات غير نفطية ، بمعنى إن الإيرادات غير النفطية كانت  بنسبة 7.15 % من المجموع . 
والإيرادات العامة للدولة يفترض أن تكون  كبيرة واكبر من هذه النسبة بكثير  كونها  تشمل عدة فقرات منها  ، الضرائب والرسوم والأجور والغرامات وما يأتي من إيراد العقارات والأملاك والاستثمارات ، وفي بلدنا يسال المواطن منذ سنوات أين تذهب إيرادات ( المنتجات النفطية المنتجة محليا ، المرور من المعاملات والغرامات ، التسجيل العقاري والمحاكم وكتاب العدول ، الماء والمجاري والكهرباء ، الضرائب على الدخل والمهن والسكن والعقارات ، المستشفيات والمراكز التخصصية بالعام والخاص ، الكمارك والمنافذ الحدودية ، شركات الهاتف النقال ، التعليم العالي من أجور الدراسة والمكاتب الاستشارية والصناديق ، النقل البري والجوي واستخدام الأجواء وخدمات الطائرات ، الخارجية من التصديقات ، الفيزا وإقامة العرب و الأجانب ، أرباح بيع الدولار ، إيرادات الشركات العامة والمختلطة  التي تبلغ بالعشرات ، خدمات دوائر البلدية ، إيرادات وإرباح المصارف لحكومية ، الزراعة والسياحة والمزارات ، غيرها ) ، و بضوء  ما يتم استيفائه من نسب وأرقام ترهق وتزعج البعض ، يزداد السؤال شدة  لماذا تكون الإيرادات  بهذه النسب و المقدار ؟ .
وليست هناك صعوبة في الإجابة عن كل تساؤل وسؤال   ، لان جزءا  مهما  من  الإيرادات الحكومية لاتمر إلى الخزينة المركزية تطبيقا لوحدة الإيراد و لعدة أسباب ،  أولها : أنها تذهب  لبنود ضمن عدة مسميات بعناوين الصناديق والتمويل الذاتي والمستقلة  وغيرها من الأنواع ، فبعض الإيرادات تخضع لقوانين وأنظمة تجيز الصرف من تلك الإيرادات لتغطية المصروفات في مجالات عديدة  بهيئة  مدفوعات ، ثانيها : أنها لا تدخل في الخزينة بسبب الفساد والالتفاف على التعليمات وهناك عشرات الأمثلة  استنادا لما  تم الكشف عنه في  هيئة النزاهة والقضاء ، او التي لم يتم الكشف عنها بعد  لعدة أسباب  ، ثالثها : الإيرادات التي لم تتم جبايتها لعوامل وأسباب عديدة منها ضعف كفاءة أداء الأجهزة الإدارية والفساد والضغوطات ، ومن أمثلتها قوائم الكهرباء وأجور الماء  والبضائع التي تدخل من منافذ خارج سيطرة الدولة ،وعصيان البعض عن تسليم ما عليهم من التزامات واستحقاقات ، ورابعا : لأسباب وضغوطات ومحميات  تندرج تحت العديد من المسميات .
وخلال مؤتمر حوار بغداد الثامن ( الذي عقد خلال آب 2026 ) ، كشف دولة رئيس مجلس الوزراء  ، عن توجه  الحكومة لتصحيح ما يحصل منذ  سنوات بما يضمن زيادة الإيرادات غير النفطية ،   واستشهد بحالة تتعلق بإيراد المنتجات النفطية ، قائلا :  إن وزارة النفط تشتري مليون برميل يوميا بسعر(  5000 ) دينار للبرميل لتحويلها إلى منتجات نفطية ، وقد تم التوجيه بان يباع لها النفط الخام بخصم  30% من أسعار النفط السائدة ، بشرط إبقاء الدعم للمواطن ، وان هذا القرار سيطبق ابتداءا من  1/ 10 / 2026   ، ويوفر 17.8 تريليون دينار سنويا ، وبهذا التوجه أيضا ، أصدرت وزارة المالية أعماما إلى الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة ، بوجوب تسديد 50% من إيراداتها بمختلف الأبواب ، وان تتم التسويات في الحسابات الختامية .
وتعظيم الإيرادات غير النفطية ، ضروريا جدا  لمقابلة النفقات الحالية ولمعالجة الديون ، التي قال رئيس مجلس الوزراء إنها بلغت ( 208 ) تريليون دينار ، وهي قابلة للزيادة   بضوء انخفاض صادرات النفط والتعهد بدفع مستحقات أكثر من ( 8 ) ملايين موظف ومتقاعد شهريا بانتظام ، وان هذه الإجراءات تتطلب الحزم  ، لان كل  الوزارات والتشكيلات بمختلف التسميات ،  تعمل بموارد الدولة والتي هي ملكا لثروات الشعب ،  والابتعاد عن وحدة الإيراد في الموازنات الاتحادية ، وفسح المجال تحت عناوين التمويل الذاتي في بلد يعاني من ضعف الرقابة وانتشار الفساد ،  يتسبب بعدة تداعيات ، تتعلق بهدر المال العام وعدم العدالة في توزيع الثروات وفتح منابع للفساد ،  فالإيرادات التي لا تدخل الخزينة يتم تبويبها كنفقات وحوافز وغيرها من الأبواب ، وفي بعض الحالات تتم المبالغة في الإنفاق التشغيلي وغير التشغيلي تحت تبرير تلبية الاحتياج وإزالة البيروقراطية عن القرار ، ووجه عدم العدالة إن العاملين في تلك الوحدات وان كانوا جميعا من الموظفين و يجمعهم سلم رواتبهم بموجب القانون 22 لسنة 2008 ، إلا أنهم يستلمون مستحقات من المخصصات والحوافز والمكافآت والأجور تختلف كثيرا عن بقية الموظفين ، وذلك ينشا  مطالبات لتوحيد الرواتب حسب الفئات لكل القطاعات .
والتوجه الحكومي لزيادة الإيرادات غير النفطية هو توجه ايجابي ومهم من كل الجهات ، ولكنه قد يواجه بمجموعة من العقبات ، أبرزها  يتعلق بالتشريعات من القوانين والأنظمة والتعليمات التي أوجدت كيانات مالية لبعض التشكيلات ، وهذا يتطلب تشريع من مجلس النواب يقضي بإيقاف العمل بها لحين إعادة النظر بالنصوص التي وردت بالتشريعات ،  ودون ذلك ممكن إن  تتصدى المحكمة الاتحادية إن كان مجرد إجراء ، كما ينبغي التحسب من ردود أفعال الفئات والأفراد الذين يتضررون من هكذا قرارات ، سيما الذين تبلغ مدخولاتهم الأضعاف عن اقرأنهم ببقية الوزارات ، وهذا الموضوع يتطلب الحرص عدم المساس بمصالح عموم الناس ، بعدم زيادة الضرائب او الرسوم او الأجور ، إذ يكفي ما تعانيه  شرائح عديدة من الغلو في الأسعار  التي ترتفع تدريجيا دون علاج  .

✦ كتابات في الميزان ✦

يضع المقال يده على مفارقة اقتصادية واضحة: تعدد موارد الدولة العراقية في مقابل بقاء الإيرادات غير النفطية عند مستويات متدنية. ولا يختزل المشكلة في ضعف الجباية، بل يربطها بتشتت الحسابات والصناديق والتمويل الذاتي والفساد وضعف الرقابة. وتكمن أهمية الطرح في تأكيده أن تعظيم الإيرادات يجب أن يبدأ باسترداد موارد الدولة وتوحيدها، لا بفرض أعباء جديدة على المواطن؛ فيما يبقى النجاح مرهونًا بتعديل التشريعات ومواجهة الجهات المستفيدة من الواقع المالي القائم.

ايرادات.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!