التقاطع بين الوثيقة والأسطورة في الفضاء الرقمي المعاصر
تتقاطع أحيانًا الوثائق الاستخباراتية المفرج عنها مع الخيال ونظريات المؤامرة، فتُنتزع الكلمات من سياقاتها وتُعاد صياغتها في صورة أساطير رقمية عابرة للقارات. ومن أكثر تلك الأساطير إثارةً فرضية وجود «بوابة نجمية سومرية» في العراق، قيل إنها كانت الدافع الخفي وراء الغزو الأمريكي عام 2003.
غير أن فحص وثائق «غرفة القراءة» التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يكشف حقيقة مختلفة تمامًا؛ فمصطلح STAR GATE لا يشير إلى جهاز سومري للانتقال بين الكواكب، بل إلى مرحلة متأخرة من برنامج أمريكي مثير للجدل، اختبر إمكان استخدام «المشاهدة عن بُعد» في جمع المعلومات الاستخباراتية.
أولًا: من أين جاءت أسطورة البوابة السومرية؟
روّج مايكل سالا، أحد منظّري ما يسمى «السياسة الفضائية الخارجية» أو Exopolitics، لفرضية تزعم أن نظام صدام حسين كان يمتلك معلومات أو تقنية مرتبطة ببوابة فضائية مدفونة تحت أحد المواقع الأثرية العراقية، ولاسيما زقورات الجنوب أو مدينة أوروك.
وبحسب هذه الرواية، لم يكن الهدف الحقيقي من غزو العراق تجريده من أسلحة الدمار الشامل، بل السيطرة على «البوابة» قبل تفعيلها أو وصول قوى أخرى إليها. إلا أن هذه المزاعم لم تُدعّم بوثيقة أثرية أو عسكرية قابلة للتحقق، وبقيت ضمن أدبيات نظريات المؤامرة. عرض صحفي لأطروحة مايكل سالا
ثم امتزجت الفرضية بقراءات زكريا سيتشين للنصوص المسمارية، التي أعادت تقديم «الأنوناكي» بوصفهم كائنات فضائية متطورة، بدل كونهم مجموعة من الآلهة في المعتقدات القديمة لبلاد الرافدين. ومن هذا المزج بين الأسطورة السومرية والخيال الفضائي وُلدت رواية تتحدث عن تقنية كونية تركتها مخلوقات قادمة من كوكب آخر.
ثانيًا: ما حقيقة مشروع STAR GATE؟
يحتاج التسلسل التاريخي هنا إلى تصحيح مهم: لم يبدأ المشروع تحت اسم STAR GATE عام 1978 كما يُشاع، بل بدأت وكالة الاستخبارات المركزية تمويل أبحاث «المشاهدة عن بُعد» في معهد ستانفورد للأبحاث عام 1972، قبل أن توقف مشاركتها المباشرة عام 1977.
بعد ذلك انتقلت التجارب إلى مسارات عسكرية واستخباراتية حملت أسماء رمزية متعددة، من بينها GRILL FLAME وCENTER LANE وSUN STREAK، ثم جُمعت الأنشطة المتبقية لاحقًا تحت اسم STAR GATE.
وكان الهدف اختبار ادعاء قدرة بعض الأشخاص على وصف مواقع أو منشآت بعيدة لا تصل إليها حواسهم بصورة مباشرة. ولم يكن البرنامج معنيًا بالفيزياء الفلكية أو التنقيب الأثري أو صناعة بوابات مادية. وثيقة وكالة الاستخبارات عن تاريخ أبحاث المشاهدة عن بُعد
ثالثًا: لماذا يظهر العراق في وثائق البرنامج؟
يظهر العراق في عدد من ملفات المشروع بسبب حرب الخليج الثانية والاحتياجات الاستخباراتية والعسكرية المرتبطة بها، وليس بسبب زقورة أور أو آثار أوروك.
فقد حاول القائمون على البرنامج استخدام «المشاهدين عن بُعد» في مهمات تتصل بتقدير التحركات العسكرية العراقية، واحتمالات الهجوم، ومواقع الصواريخ المتحركة. وتعرض إحدى المهام الاستخباراتية لعام 1991 سيناريوهات مرتبطة بإطلاق صواريخ «سكود» واحتمال تحرك القوات العراقية باتجاه السعودية. وثيقة المهمة الاستخباراتية 91004
وهنا تكمن نقطة الخلط الأساسية: وجود كلمتي Iraq وSTAR GATE داخل المجموعة الأرشيفية نفسها لا يعني وجود «بوابة نجمية عراقية». الأولى تحدد مسرح المهمة العسكرية، والثانية اسم برنامج استخباراتي اختبر ظاهرة نفسية مزعومة.
كما أن إدراج الوثائق داخل مجموعة STARGATE في أرشيف وكالة الاستخبارات لا يعني بالضرورة أن الوكالة أعدّت جميعها أو آمنت بمضمونها؛ فالمجموعة تضم مواد أنتجتها جهات عسكرية وبحثية متعددة ثم نُقلت إلى الوكالة لأغراض التقييم ورفع السرية.
رابعًا: كيف تحوّل الاسم الرمزي إلى أسطورة؟
أسهمت عدة عوامل في صناعة الأسطورة الرقمية:
التطابق اللفظي: جاء رفع السرية عن أجزاء من البرنامج في الفترة نفسها تقريبًا التي انتشر فيها فيلم الخيال العلمي Stargate عام 1994، الذي تتمحور قصته حول بوابة مادية تقود إلى عالم آخر.
الغموض الاستخباراتي: تحمل الوثائق أختام السرية وأرقامًا طويلة ومصطلحات تقنية، ما يمنحها لدى القارئ غير المتخصص هالةً توحي بأنها تخفي أسرارًا استثنائية.
الرمزية الأثرية: وفرت زقورات العراق ومدنه السومرية بيئة بصرية مثالية لإعادة إنتاج الحكاية وربطها بحضارات موغلة في القدم.
الاجتزاء من السياق: تحولت كلمة STAR GATE من اسم رمزي لبرنامج تجسس نفسي إلى وصف حرفي لجهاز مادي مزعوم.
الانتقال بين المنصات: تناقلت المواقع ومقاطع الفيديو الرواية بعضها عن بعض، فتحولت كثرة التكرار إلى بديل وهمي عن الدليل.
خامسًا: لماذا أُغلق البرنامج؟
في عام 1995 طلبت وكالة الاستخبارات تقييمًا مستقلًا للبرنامج. وخلصت المراجعة إلى أن المواد التي أنتجها «المشاهدون عن بُعد» كانت غالبًا عامة أو غامضة أو قابلة لتفسيرات متعددة، ولم تثبت فائدتها في تقديم معلومات استخباراتية عملية يمكن الاعتماد عليها.
ورغم الخلاف بين المراجعين بشأن دلالة بعض النتائج المختبرية، اتفق التقييم العملي على أن البرنامج لم يثبت جدواه أداةً لجمع المعلومات، فتوقفت الأنشطة ولم يُوصَ باستمرار استخدامها استخباراتيًا. تقييم برنامج المشاهدة عن بُعد
سادسًا: ماذا تقول وثائق غزو العراق؟
ناقشت التحقيقات الرسمية دوافع غزو العراق ضمن ملفات أسلحة الدمار الشامل، والتقديرات الاستخباراتية، والالتزامات السياسية والعسكرية، والعلاقة بين واشنطن ولندن، والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب.
ويبين تقرير التحقيق البريطاني في حرب العراق «تشيلكوت» أن الهدف السياسي المعلن للعمليات البريطانية تمثل في إزالة ما عُدّ تهديدًا ناتجًا عن أسلحة الدمار الشامل ووسائل إيصالها، كما وثّق الإخفاقات الكبيرة في التقدير والتخطيط. ولا يتضمن التقرير أو الوثائق الرسمية المعروفة أي إشارة إلى بوابة سومرية أو تقنية فضائية بوصفها دافعًا للحرب. تقرير التحقيق البريطاني في حرب العراق
الخاتمة
تكشف أسطورة «البوابة النجمية السومرية» كيف يمكن لثلاثة عناصر متباعدة أن تندمج في رواية واحدة: اسم استخباراتي غامض، وفيلم خيال علمي، وتأويل غير علمي للتراث السومري.
فالوثائق تثبت وجود برنامج أمريكي لدراسة «المشاهدة عن بُعد»، وتثبت استخدامه في مهمات مرتبطة بالعراق خلال حرب الخليج، لكنها لا تثبت وجود بوابة مادية، ولا علاقة للبرنامج بزقورة أور أو أوروك، ولا صلة له بقرار غزو العراق عام 2003.
إن تفكيك الأسطورة لا يحتاج إلى أسطورة مضادة، بل إلى إعادة كل وثيقة ومصطلح وتاريخ إلى سياقه الصحيح؛ فبين «بوابة» الخيال وملفات الاستخبارات مسافة شاسعة، ملأها الفضاء الرقمي بالتكرار والإثارة، لا بالأدلة.
✦كتابات في الميزان✦
ينجح المقال في تفكيك الأسطورة من داخل الوثيقة التي استُخدمت لترويجها، كاشفًا كيف يتحول الاسم الرمزي إلى «دليل» حين يُنتزع من سياقه. وتبرز أهميته في الفصل بين حقيقة برنامج التجسس النفسي، وخيال البوابة السومرية، والملفات السياسية الموثقة لغزو العراق.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!