كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

النقدُ البنّاء أم الطشّة؟... حين يصبح الاكتشافُ إلى استعراضً

 انتشرتْ في الآونةِ الأخيرة، أحاديثُ نقديةٌ في بعضِ وسائلِ الإعلام، لا سيما في وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، للعديدِ منْ الشخصياتِ الرسميةِ وغيرِ الرسمية، تتناولُ كثيرا، منْ الظواهرِ السلبيةِ التي تظهرُ في بعضِ مؤسساتِ الدولة، لا شكَ في أنَ كشفَ الخللِ والتنبيهِ إلى مواطنِ التقصير، يمكنُ أنْ يكونا ظاهرةً إيجابية، إذا كانَ الهدفُ منهما الإصلاح، ووضع الجهاتِ المسؤولةِ أمامَ مسؤولياتها، ودفعها إلى معالجةِ الخللِ وتطويرِ أداءِ المرافقِ العامةِ وخدمةْ المواطنين.
  إنَ هذا هوَ التوجهَ الجميلَ للنقد؛  في أنْ ترى الخلل، فتشيرُ إليه، لا؛ لتشهرَ بصاحبه، ولا؛ لتعلنَ على الملأِ أنك الوحيدُ الذي اكتشفه، وإنما لتساعدَ في إصلاحه، لكنَ المشكلةَ تبدأُ حينَ تصلُ إلى بعضنا قصاصة صغيرة عنْ واقعة، أوْ معلومةٍ ناقصةٍ منْ موظفٍ صغير، فيسارعُ إلى نشرها، وكأنهُ عادَ لتوهِ منْ رحلةٍ استكشافية، واكتشفَ الكوكب العاشر! 
 ثمَ يبدأُ بعرضِ اكتشافهِ على عامة الناس، لا لأنَ لديهِ معرفةً كاملةً بالموضوع، ولا لأنهُ أحاطَ بتفاصيله، وإنما لأنَ الفرصةَ أصبحتْ سانحة.
   ليقول: أنا هنا. . . انظروا إلى!
 الحقيقة أنَ منْ لا يملكُ المعلومةَ الكاملةَ عنْ موضوعٍ نقدي، ولا يعرفُ خلفياته، ولا أسبابه، ولا الجهات المعنية به، يستطيعُ أنْ يقدمَ خدمةً أكبرَ بكثيرٍ منْ خلالِ إيصالِ المعلومةِ إلى الجهةِ التنفيذيةِ المختصة، وتركها للتحققِ والمعالجة، قدْ يكونُ إبلاغ المسؤولِ عنْ خلل ما أكثر فائدةً منْ نشرهِ على صفحاتِ التواصلِ الاجتماعي،- خصوصا- إذا كانَ ذلكَ الخللُ قابلاً للإصلاح. 
  عندها يكونُ صاحبُ المعلومةِ النقدية، قدْ أدى واجبه، وأسهمَ في خدمةِ المواطن، بدلَ أنْ يحولَ مشكلةً صغيرةً إلى حفلةِ تشهيرٍ بمرفقٍ عامٍ كبيرٍ قدم، في المقابل، آلافَ الخدماتِ للناس، أما أنْ يأخذَ المرء معلومة منقوصة منْ موظفٍ صغير، ثمَ يبني عليها خطابٌ كبير، ويضعُ المؤسسةَ بأكملها في قفصِ الاتهام، فهذهِ ليستْ شجاعة نقدية، بلْ قدْ تكونُ أحيانا نوعا منْ الطشة؛ والطشة، كما نعرف، ليستْ علما، ولا منهجا، ولا إصلاح، وإنما رغبة في أنْ يسمعَ الآخرونَ صوتك، حتى لوْ لمْ يكنْ لديك ما يستحقُ كلّ ذلكَ الضجيج.
   الأغربُ منْ ذلكَ ، أنَ بعضَ الذينَ يمارسونَ هذهِ الهوايةَ يضعونَ أنفسهم- تلقائيا- في خانةِ النخبةِ المثقفة، وكأنَ مجردَ الظهور المتكرر على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِ، يمنحُ صاحبه شهادة عليا في الفكرِ والإدارةِ والسياسة!
   يا سيدي؛ الثقافة ليستْ بدلةً أنيقة، ولا ربطة عنق حمراء، ولا صورة أمامَ الكاميرا، ولا نبرة مرتفعة في الحديث، في أنْ ترتديَ بدلة تركية بثلاثينَ ألفَ دينار، وربطة عنق بألفِ دينار، فهذا يعني أنك اشتريت بدلةَ وربطةَ عنق، ولا يعني، بأيِ حالٍ منْ الأحوال، أنك أصبحتْ فيثاغورس العصر! 
 إنَ الهيبةَ والوقار، لا تشترى منْ السوق، والثقافةِ لا تعلقُ على الرقبة، والمعرفةِ لا تقاسُ بعددِ مراتِ الظهورِ أمامَ الكاميرا.
  قبلَ أنْ يقدمَ الإنسان نفسه بوصفهِ منْ (النخبة ) ، ربما يكونُ منْ المفيدِ، أنْ يتوقفَ لحظة، ويسألُ نفسه: منْ أنا؟ ماذا قدمت؟ ماذا أعرف؟ هلْ أملك فعلاً ما يؤهلني للحكمِ على هذا الموضوع؟ فالمشكلةُ ليستْ في أنْ تنتقد، بلْ في كيفَ تنتقد، لماذا تنتقد، ماذا تريدُ أنْ تحققَ منْ نقدك؟
  هناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ رجلٍ يرى حفرةً في الطريق، فيبلغُ عنها حتى تردم، ورجلاً يقفُ إلى جانبِ الحفرةِ طوالَ النهارِ يصورُ نفسه، ويخبرُ الناسُ أنهُ اكتشفها! الأول خدمَ الناس، والثاني خدمَ صورته. ومنْ أجملَ ما قيل: " رحمَ اللهُ امرأً عرفَ قدرَ نفسهِ ".
    ليسَ في معرفةِ الإنسانِ لقدرهِ انتقاص منه، بلْ ربما كانتْ تلكَ الأولى علاماتِ العقل، فإذا أردت أنْ يعرفَ الناسُ منْ أنت، فلا تتعبُ نفسك كثيرا في " الطشة "؛ دعْ أعمالك تتحدثُ عنك، فأبوابُ الخيرِ كثيرة، وميادين الخدمةِ أكثر، والإنسان يستطيعُ أنْ يختارَ منها ما يشاء.
   أما التشهير، والمبالغة، واقتناصُ الأخطاءِ الصغيرةِ لتحويلها إلى بطولاتٍ شخصية، فليستْ منْ شيمِ العاقلين، فالنقدُ البناءُ يبني، أما الطشة، فتسمعُ صوتا، ثمَ تنتهي، وبينَ منْ يبحثُ عنْ إصلاحِ الخلل، ومنْ يبحثُ عنْ فرصة؛ ليقولَ " أنا اكتشفت "، يبقى الفرقُ واضحا: الأولُ ؛ يريدُ أنْ يصلحَ شيء، والثاني؛ يريدُ أنْ يثبتَ نفسه. 
  هنا فقطْ نفهمُ؛ أنَ النقدَ ليسَ في رفعِ الصوت، ولا في كثرةِ الظهور، ولا في ادعاءِ امتلاكِ الحقيقة؛ وإنما في أنْ تقولَ ما تعرف، وأنْ تعرفَ ما تقول، وأنْ تجعلَ منْ معرفتك وسيلةً للإصلاح، لا سلما للصعودِ على أكتافِ الآخرين، فالنقدُ الحقيقيُ لا يحتاجُ إلى طشة. . . لأنَ العملَ الجادَ صوتهُ أعلى منْ كلّ التشات.

✦ كتابات في الميزان ✦
يفكك المقال المسافة الفاصلة بين النقد المسؤول والنقد الذي يتحول إلى استعراض شخصي؛ فليس كل كشف للخطأ عملًا إصلاحيًا، ولا كل صوت مرتفع دليلًا على المعرفة والشجاعة. وتكمن قيمة النقد في اكتمال المعلومة، ونزاهة الدافع، واختيار الطريق الذي يقود إلى المعالجة بدل التشهير. أما حين تصبح المشكلة وسيلة لصناعة البطولة، فإن المؤسسة قد تُدان، ويبقى الخلل بلا حل.

الاعلام.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!