لم يكن العراق يومًا مجرد رقعة جغرافية عادية في الشرق الأوسط، بل كان دائمًا، في نظر العواصم الغربية، «الغنيمة الكبرى» العائمة فوق بحار من النفط.
إن قراءة التاريخ بعيون باريسية استقصائية تكشف زيف الشعارات الأيديولوجية البراقة؛ فالقصة ليست صراعًا من أجل نشر الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان، بل هي رحلة استحواذ استراتيجي بدأت بـ«قلم رصاص» بريطاني وفرنسي عام 1916، واستمرت حتى هدير الدبابات عام 2003؛ لينتهي المطاف بتحويل هذا الذهب الأسود إلى واقع أشد سوادًا على أرض الرافدين.
منذ الحرب العالمية الأولى، تحركت القوى الاستعمارية بدوافع استباقية لتأمين تدفقات الطاقة للإمبراطوريات الصاعدة. هذا الطمع الغربي تبلور علنًا في رسائل الدبلوماسية السرية، ومنها ما جاء في رسالة السير آرثر هيرتزل (المسؤول عن دائرة الشرق الأوسط في لندن عام 1918) إلى المقيم البريطاني في الخليج، حيث كتب بوضوح:
«إن مصالحنا الحيوية في بلاد ما بين النهرين ليست سياسية فحسب، بل هي اقتصادية بالدرجة الأولى. إن السيطرة على ولاية الموصل تعد أمرًا مصيريًا للإمبراطورية، ليس لتأمين الحدود الشمالية، بل لأن المؤشرات الجيولوجية تؤكد وجود احتياطيات نفطية هائلة هناك. يجب ألّا تقع هذه الثروة تحت أي نفوذ دولي آخر. إن وقود المستقبل لأسطول جلالة الملك يجب أن يتم تأمينه من آبار الموصل وبغداد، وهذا هو جوهر وجودنا العسكري هناك».
ومع تبدل موازين القوى الدولية، لم تتغير الاستراتيجية، بل تغيرت الأدوات والوجوه. وجاء غزو العراق عام 2003 تحت ذرائع واهية؛ ليمثل الذروة التراجيدية لهذه الأطماع.
فبينما كانت الطائرات تقصف بغداد، كانت الغرف المغلقة في لندن وواشنطن تشهد تقاسمًا باردًا لعقود الطاقة. وتؤكد مذكرة الخارجية البريطانية السرية (أواخر عام 2002) المرفوع عنها السرية، والتي وثقت محاضر الاجتماعات مع شركات النفط الكبرى، مثل (BP) و(Shell)، هذا التوجه الهادف للسيطرة:
«العراق يمتلك احتياطيات نفطية هائلة، وهو يمثل جائزة استراتيجية كبرى. لقد أبلغت شركات النفط البريطانية الحكومة بأنها تخشى أن يتم إقصاؤها من السوق العراقية في مرحلة ما بعد الحرب لصالح الشركات الأمريكية أو الفرنسية. وافقت الوزارة على أن بريطانيا قدمت تضحيات عسكرية وسياسية هائلة، وبالتالي فإن تأمين حصة كبيرة للشركات البريطانية في عقود النفط يعد أولوية قصوى للسياسة الخارجية. النفط العراقي يجب أن يتدفق بسلاسة إلى الأسواق العالمية لضمان استقرار الأسعار والمصالح الاقتصادية الغربية».
في النهاية، يثبت المشهد الجيوسياسي أن النفط العراقي كان «النعمة واللعنة» في آن واحد. لقد دفع الشعب العراقي ثمن ثرواته من استقراره ودماء أبنائه، في لعبة أمم كبرى لا تعترف بالوعود الأخلاقية، بل بلغة الأرقام، وحصص الشركات، والسيطرة على خطوط الإمداد؛ ليبقى الذهب الأسود محرّكًا لواقع لم يفرز سوى الرماد والحروب.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال قراءة نقدية لتاريخ التنافس الدولي على النفط العراقي، رابطًا بين الترتيبات الاستعمارية في مطلع القرن العشرين وغزو العراق عام 2003. ويرى أن الأدوات والذرائع تبدلت، بينما بقي تأمين الطاقة وحصص الشركات في صميم السياسات الدولية تجاه بلاد الرافدين. وبهذا تحول النفط، بحسب رؤية الكاتب، من ثروة يفترض أن تحقق الازدهار إلى عامل غذّى الصراعات والحروب وعدم الاستقرار.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!