من ضمن مشروع «صدى الروضتين» وتأسيسها الثاني، وجدت أمامي مجموعة من الزملاء، أمثال الأستاذ عقيل الياسري، والأستاذ منتظر العلي، والمهندس المرحوم رائد الأسدي، والمهندس دريد سلمان داود، ومعهم أستاذ جليل هو الأستاذ إقبال عبد الجليل المرشدي، حفظه الله.
قررنا عمل صفحة بعنوان «لقاء القلوب»، نتواصل عبرها مع ذوي الشهداء، العوائل الكربلائية التي أعطت فلذات أكبادها من أجل أن يستقيم هذا اليوم على محبة أهل البيت (عليهم السلام).
انتبهت إلى مسألة مهمة، أننا نخطط ونذكر أسماء بعض العوائل، لكن الأستاذ إقبال عبد الجليل المرشدي هو أيضًا والد شهيد، فضّل العوائل الأخرى على عائلته، وعلى معاناته، وعلى الجرح الذي يلكز فيه. فسألته: أليس لك شهيد؟
قال: بلى، أنا والد الشهيد ياسر إقبال عبد الجليل المرشدي، وهو من مواليد كربلاء عام 1979م. كان طالبًا في الجامعة التكنولوجية، وهو ابن الجرح السجين في أقبية النظام الجائر، حيث أبوه يمكث في سجن أبي غريب منتظرًا تنفيذ حكم الإعدام.
لوعة تمزق صدر الفتى بتكملة المشوار الجهادي الرشيد، وفي مساء يوم 15/6/1997م، كأنه يسامر عائلته، وكأنه يودعهم، وارتقى سكون الليل مع رفيق دربه الشهيد رعد الحلو، وتسللا عبر سكون مدينة الشهادة والشهداء ليشهرا بوجه الظالم عناد منشورات أبت أن تحملها جدران القداسة والنور.
وهذا التحدي الحسيني يتجلى قوةً وعزيمةً أمام أتباع «اشهدوا لي عند الأمير». حارس ليلي من زبانية القيم المنهارة، أصر على تسليمهما إلى السلطة، شاهرًا سلاحه، ولم يرتضِ الرجاء، فكان عليه أن يرتضي إطلاقة تزيح الحجر عن الطريق.
ولأنه ابن المدينة، وله وجه مألوف يسهل تمييزه، أُلقي القبض عليه، وأودع في أقبية أمن كربلاء سيئة الصيت، ليُعذَّب العذاب الشديد، ويُقدَّم إلى محكمة الثورة الرعناء التي حكمته بالإعدام.
يحدثني أبوه، الأستاذ إقبال المرشدي، ودمعة التفاصيل تثير شجونه: في اليوم الثاني من عيد الفطر، 3 شباط 1998، يوم المواجهة، رأيته بطلًا لا تلين له عزيمة؛ فهو لن يهن ولم يندم، وكانت كلمته تثير الفخر والعزيمة والثبات:
«أبلغوا سلامنا إلى مولاي الحسين».
ورفع يده بالدعاء:
«اللهم احشرنا مع أصحاب الحسين (عليه السلام)».
وشاء الله استجابة دعوته، فإذا بعربات الطغاة تحمل الطاغية الصغير قصي، لعنه الله، والذي أمر في حينه بالإعدام الفوري لـ120 شابًا، 70 منهم من كربلاء.
فاجعة القلوب في «لقاء القلوب» تأخذنا إلى عوالم الطف الحسيني الذي ما زال عامرًا.
سلام الله على روح شهيدنا البطل ياسر المرشدي، وعلى أرواح جميع الشهداء الذين لم يعطوا للذلة يدًا، وساروا على نهج الإمام الحسين (عليه السلام).
أستأذن أستاذي المرشدي بأني سأنشر هذه المذكرة، مع معرفتي بما تسببه له من ألم، وتقلب عليه المواجع.
✦كتابات في الميزان✦
لا تستعيد هذه المذكرة سيرة شهيد فحسب، بل تكشف مفارقة إنسانية مؤثرة في والد آثر أن يفتح صفحات «لقاء القلوب» لآلام الآخرين قبل أن يتحدث عن جرحه الشخصي. وتتحول شهادة الأستاذ إقبال المرشدي عن ابنه ياسر إلى وثيقة ذاكرة عن مرحلة قاسية عاشتها كربلاء، تمتزج فيها الأبوة بالفقد والموقف بالعقيدة. قيمة النص في صدقه وقربه من الشاهد، ولذلك تبدو تفاصيله أكثر تأثيرًا من السرد التاريخي المجرد.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!