استفزني طلب ابني الغريب حين قال لي: «ماما، أريد ماطورًا!». تساءلت بدهشة: مَن الذي وضع هذه الفكرة في رأسه، وأنا التي أحمّل الأهل دائمًا مسؤولية كثير من الحوادث التي تقع في الشوارع بسبب الدراجات النارية، ويذهب الأطفال ضحيتها؟
نعم، إنهم أطفال يملؤون الشوارع، يقودون دراجاتهم النارية بفرح واندفاع، غير مدركين ما يحيط بهم من مخاطر. وقد تسبب الانتشار الكبير لهذه الدراجات في المدن بارتفاع مقلق في أعداد الحوادث المرورية والإصابات الناجمة عنها.
عدت أسأل نفسي: مَن الذي وضع هذه الفكرة في رأس ابني، وهو الذي يخاف من ظلّه؟ قلت له: هل تعلم أن قيادة الدراجة النارية في مثل عمرك أمر بالغ الخطورة؟ إن كثيرًا من الأطفال الذين يقودون الدراجات تعرضوا لإصابات خطيرة، منها بتر الأطراف والشلل والكسور البليغة.
نرى بعض الأطفال يتنقلون بين المركبات المتوقفة عند الإشارات المرورية، ويقودون دراجاتهم بسرعات عالية قد تتجاوز الحدود القانونية المسموح بها في الشوارع والطرقات. ولا يكتفي بعضهم بذلك، بل يؤدي حركات بهلوانية خطرة، وكأن الشارع ساحة للعرض، غير مبالٍ بحياته أو بحياة الآخرين.
كما انتبهت إلى ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في استخدام الأطفال دراجاتهم للعمل في المطاعم وتوصيل الطلبات إلى المنازل، فضلًا عن قيادة بعضهم مركبات «التوك توك» و«الستوتة». إنهم صغار يعملون ويقودون هذه المركبات من دون ضوابط واضحة أو رقابة حقيقية، وقد أصبح عدد مركبات «التوك توك» في بعض المناطق ينافس عدد السيارات أو يفوقه.
ولا تقتصر المشكلة على صغر أعمار السائقين، بل تمتد إلى السلوكيات المرورية المرفوضة التي يمارسها بعضهم، مثل السير بعكس الاتجاه، وعدم الالتزام بالإشارات، والقيادة بسرعة، وإزعاج الناس، وتعريض المارة والسائقين للخطر.
يتحمل الأهل مسؤولية كبيرة عن تعرض أبنائهم لمثل هذه الحوادث، نتيجة غياب الإشراف والمتابعة، بل إن بعضهم يتوسط للإفراج عن دراجة ابنه المحجوزة بسبب مخالفة القانون، أو يسعى إلى إسقاط الغرامة عنه، من دون التفكير في أن الحجز والعقوبة قد يكونان فرصةً لإنقاذ حياته.
يروي أحد الأصدقاء على موقع «فيسبوك» قصة رجل كان يستفيد من منصبه للتوسط من أجل رفع الحجز عن دراجة ابنه وإلغاء الغرامات المفروضة عليه، كما كان يحاول إرضاء المتضررين من الحوادث التي تسبب بها الابن.
وفي كل مرة كان الأب يظن أنه يساعد ولده، بينما كان، في الحقيقة، يزيل من طريقه كل رادع يمكن أن يمنعه من تكرار مخالفاته. استمر الابن في القيادة المتهورة حتى وقع الحادث الأخير، ولم يستطع منصب الأب ولا وساطاته أن ينقذاه من الموت.
عاد الأب نادمًا على كل مسعى بذله للإفراج عن الدراجة، وعلى كل غرامة أسهم في إسقاطها، وقال بحسرة: «أنا الذي قدته إلى الموت».
إن حماية الأبناء لا تكون دائمًا بتلبية رغباتهم أو الدفاع عن أخطائهم. وقد يكون الرفض الحازم، في بعض المواقف، أصدق تعبير عن الحب وأكثره مسؤولية. أما التساهل مع السلوك الخطر، وتذليل العقوبات أمام الأبناء، فليس حمايةً لهم، بل دفع غير مباشر إلى مواصلة الخطأ.
ولكيلا أقود ولدي إلى الموت، رفضت طلبه بحزم، ولم أسمح له بإعادة مثل هذا الطلب. لكنني ما زلت مندهشةً ومتسائلة: مَن الذي وضع هذه الفكرة الخطرة في رأسه الصغير؟
❖ كتابات في الميزان ❖
يناقش المقال مسؤولية الأسرة عن انتشار قيادة الأطفال للدراجات النارية والمركبات الصغيرة، ويبيّن أن التساهل مع مخالفاتهم قد يحوّل الحماية الأبوية إلى مشاركة غير مقصودة في تعريضهم للخطر. وتمنح قصة الأب النادم الرسالةَ أثرًا إنسانيًا مؤلمًا، مفاده أن القانون قد يكون وسيلةً للوقاية لا عقوبةً فقط. كما يدعو النص إلى تكامل دور الأسرة والمدرسة والمرور للحد من ظاهرة تهدد حياة الأطفال والمجتمع.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!