كثرت في الآونة الأخيرة إثارة بعض الموضوعات القديمة، إذ لا يزال هناك من يتصيّد في الماء العكر، وينبش صفحات الماضي لشيءٍ في نفس يعقوب؛ لا بحثًا عن الحقيقة، وإنما لإعادة إشعال ما خمد من الخلافات، ونقل صراعات الأمس إلى حاضرٍ يحتاج إلى الهدوء والتعقّل.
إن الماضي، مهما كان مثقلًا بالأحداث والجراح، ينبغي أن يكون درسًا نتعلّم منه، لا قيدًا نبقى أسرى له، ولا وقودًا لفتنة جديدة. وبين من يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ومن ينظر بعين الحكمة إلى المستقبل، يبقى الرهان الحقيقي على وعيٍ يحوّل دروس الماضي إلى طريق نحو غدٍ أكثر استقرارًا ورشدًا.
الماضي بين الذاكرة والتحريض
إن الأمم لا تُبنى بكثرة استحضار جراحها، وإنما بقدرتها على تجاوزها، ولا تتقدم بإعادة إنتاج صراعاتها القديمة، بل بتحويل تجاربها إلى وعي يحمي حاضرها ومستقبلها.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات أن يتحول الماضي من ذاكرة للاعتبار إلى أداة للتحريض، وأن تصبح الخلافات القديمة وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام، بدلًا من البحث عن المساحات المشتركة التي تجمع أبناء الوطن.
وليست الحكمة في أن ننسى الماضي، وإنما في أن نضعه في مكانه الصحيح؛ فنقرأه بعين ناقدة، ونستخلص منه العبرة، ونحاسب على الأخطاء وفق القانون، ثم نمضي إلى الأمام. فالمستقبل لا يحتاج منا أن نتفق على ما كان، بقدر ما يحتاج إلى أن نتفق على ما ينبغي أن يكون.
وقد حذّر القرآن الكريم من الفتنة بقوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[الأنفال: 25].
الملفات العالقة وعقل الدولة
بعد أكثر من عشرين عامًا على التحولات السياسية التي شهدها العراق، ما زالت هناك ملفات وقضايا داخلية لم تجد طريقها إلى الحسم النهائي، سواء تعلّق الأمر بقرارات أمنية وإعلامية، أم بإشكالات دستورية وقانونية تراكمت عبر السنوات.
إن هذه القضايا، مهما بلغت حساسيتها وأهميتها، ينبغي أن تُعالج بعقل الدولة، لا بمنطق الانفعال؛ وبالحوار، لا بالمواجهة؛ وبالدستور والقانون، لا بلغة التهديد والتصعيد.
وليس من الحكمة أن تتحول الملفات العالقة إلى وقود لإحياء الخصومات القديمة، أو أن يجد بعضهم في جراح الماضي فرصة لإشعال صراع جديد بين أبناء الوطن الواحد؛ فالفتنة إذا اشتعلت لا تميّز بين من أشعلها، ومن استغلها، ومن وقف متفرجًا عليها.
ومن هنا، فإن فتح الملفات الحساسة يحتاج إلى مسؤولية وطنية تضع عواقب القرارات في مقدمة الحسابات؛ لأن الدم إذا سال يصعب إيقافه، والجراح إذا اتسعت لا تعالجها الشعارات. فالعراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التوتر، وإنما إلى مزيد من العقل والحكمة والتروي.
كما أن معالجة القضايا الوطنية الكبرى تحتاج إلى مؤسسات دستورية وقانونية قادرة على النظر في الملفات بموضوعية، وإلى إرادة سياسية تؤمن بأن الخلاف يمكن أن يُدار بالحوار.
الاختلاف لا يعني العداوة
إن الاختلاف لا يعني العداوة، والخصومة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة بين أبناء الوطن. ومن هنا تأتي أهمية الشورى والحوار في إدارة الأزمات؛ فالقرارات التي تمس حاضر الناس ومستقبلهم لا ينبغي أن تكون وليدة الانفعال أو ردود الأفعال، وإنما نتيجة نقاش هادئ، واستماع إلى مختلف الآراء، ودراسة دقيقة للعواقب.
وما لا يمكن حسمه اليوم بالحوار يمكن أن يُترك لمزيد من النقاش والدراسة؛ فالتأني في قضية خطيرة خير من قرار متسرع قد يدفع المجتمع كله ثمنه.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار والإشاعات والتفسيرات والمواقف عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تصبح مسؤولية التثبت أكبر من أي وقت مضى.
فربما تشعل كلمة واحدة غضبًا واسعًا، وتزرع معلومة غير دقيقة الكراهية، وتفتح عبارة تحريضية بابًا يصعب إغلاقه. ولذلك، فإن الكلمة المسؤولة ليست مجرد موقف أخلاقي، بل قد تكون موقفًا وطنيًا يحمي المجتمع من الانزلاق إلى ما لا تُحمد عقباه.
العدالة ليست ثأرًا
ليس معنى طي صفحات الماضي أن نتجاهل الأخطاء أو نتخلى عن الحقوق، وإنما يعني أن نضع الماضي في مكانه الصحيح: نتعلم منه، ونحاسب من ينبغي محاسبته عبر القانون، ثم ننظر إلى المستقبل بعين أكثر هدوءًا.
فالعدالة شيء، والثأر شيء آخر؛ والقانون شيء، والفوضى شيء آخر. والدولة التي تحتكم إلى الدستور والمؤسسات تستطيع معالجة أخطاء الماضي من دون أن تفتح أبواب صراعات جديدة.
وتقع المسؤولية اليوم على الجميع: السياسي، ورجل الأمن، والإعلامي، والمثقف، ورجل الدين، والمواطن أيضًا. وعلى كل واحد منا أن يسأل نفسه قبل أن يتحدث أو يكتب أو يتخذ موقفًا:
هل ما أقوله يطفئ الفتنة أم يشعلها؟ هل يخدم العراق أم يزيد انقسامه؟ هل يحفظ دماء الناس أم يدفع نحو الصدام؟
الوطن ينتصر على الفتنة
إن العراق أكبر من أي ملف، وأبقى من أي خلاف سياسي، وأغلى من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات. وإذا كان الحل ممكنًا عبر العقل والحوار والشورى والدستور والقانون، فإن اللجوء إلى لغة الدم والاقتتال ليس شجاعة، بل مخاطرة بمستقبل وطن بأكمله.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[الأنفال: 46].
فلنجعل من هذه المرحلة فرصة لإطفاء نار الفتنة، لا لإشعالها؛ ولإغلاق أبواب الماضي المؤلم، لا لإعادة فتحها؛ ولنبنِ عراقًا يتسع للجميع، تكون فيه الخلافات محكومة بالقانون، والقرارات قائمة على الحكمة، والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!