قراءة انطباعية في كتاب الحاج عبد الأمير القريشي
عندما بدأت قراءة كتاب «البالغون الفتح في كربلاء»، شعرت بأنني لا أقرأ كتابًا عن واقعة انتهت في اليوم العاشر من المحرم، بل أتعرف إلى رجال سار كل واحد منهم إلى كربلاء من طريق مختلف. بعضهم سبق الإمام الحسين، عليه السلام، إلى الشهادة، وبعضهم رافقه منذ بداية الطريق، وآخرون التحقوا به في اللحظات الأخيرة. وما يجمعهم أنهم عرفوا ثمن موقفهم، ثم اختاروه بإرادتهم.
الكتاب كبير في حجمه، وتفاصيله كثيرة، لكنه لا يكتفي بتكرار الرواية المعروفة عن كربلاء. يحاول مؤلفه أن يقترب من الأشخاص الذين صنعت مواقفهم الواقعة، فيذكر أسماءهم وأنسابهم وصلاتهم بالإمام الحسين، وما ورد عن حياتهم ومواقفهم وشهادتهم. وهنا تكمن أهميته؛ فكثير من شهداء كربلاء نذكرهم في الزيارات والمجالس ضمن مجموعة واحدة، من غير أن نعرف قصصهم بصورة مستقلة.
بدأ المؤلف بالشهداء الذين سبقوا الواقعة، وفي مقدمتهم مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وقيس بن مسهر الصيداوي وعبد الله بن يقطر وغيرهم. وهذا الاختيار يوضح أن كربلاء لم تبدأ عند وصول الإمام الحسين إلى أرض الطف، بل سبقتها أحداث ومواقف وتضحيات مهدت لها. فقصة مسلم بن عقيل، مثلًا، لا تظهر في الكتاب بوصفها مقدمة قصيرة، وإنما تأخذ مساحتها من البحث؛ منذ اختياره سفيرًا للإمام الحسين إلى الكوفة، مرورًا ببيعة أهلها له، ثم انقلاب الأوضاع من حوله، وانفضاض الناس عنه، وصولًا إلى اعتقاله واستشهاده.
بعد ذلك ينتقل الكتاب إلى شهداء بني هاشم، ومنهم علي الأكبر والعباس بن علي والقاسم بن الحسن وعبد الله الرضيع وأبناء عقيل وجعفر، ثم يتابع شهداء الأنصار، سواء من صحابة النبي، صلى الله عليه وآله، أم ممن أدركوه، أو من أصحاب أمير المؤمنين، عليه السلام، وسائر الذين نصروا الإمام الحسين. هذا التقسيم يساعد القارئ على فهم تنوع الجماعة التي اجتمعت في كربلاء؛ فلم يكونوا من عمر واحد أو قبيلة واحدة أو تجربة واحدة، بل جمعهم موقف أخلاقي واحد.
أكثر ما لفتني أن الكتاب لم يحصر اهتمامه بالشخصيات المشهورة. فعلى الرغم من الحضور الواسع للعباس وعلي الأكبر وحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة والحر الرياحي وزهير بن القين، فإنه منح مساحة أيضًا لأسماء قد لا يعرف عنها القارئ إلا القليل. وبهذا يعيد إلى هؤلاء الشهداء حضورهم الفردي، فلا يبقون مجرد أرقام في قائمة طويلة.
ويظهر في الكتاب جهد واضح في جمع الروايات المتفرقة ومقارنتها، ولا سيما في الأسماء التي اختلفت المصادر فيها، أو في تفاصيل النسب والمشاركة وكيفية الاستشهاد. كما خصص المؤلف فصلًا لمن اختلفت الآراء فيهم، وآخر للشهداء بعد الواقعة، ثم تناول الناجين منها. وهذا يدل على أنه أراد تقديم صورة أوسع من السرد المعتاد الذي يبدأ صباح عاشوراء وينتهي باستشهاد الإمام الحسين.
ومع ذلك، فإن قراءة الكتاب تحتاج إلى صبر. فكثرة الأسماء والأنساب وتعدد الروايات قد تجعل بعض صفحاته ثقيلة على القارئ الذي يبحث عن سرد قصصي متواصل. والكتاب، في تقديري، أقرب إلى الموسوعة والسجل التاريخي منه إلى الكتاب الذي يُقرأ في جلسة واحدة. يمكن الرجوع إليه عند البحث عن شخصية معينة، كما يمكن قراءته على مراحل، لأن كل ترجمة فيه تشكل حكاية شبه مستقلة.
كذلك ينبغي للقارئ أن ينتبه إلى أن أخبار واقعة الطف وصلت إلينا من مصادر متعددة، وأن بعضها يختلف في الأسماء والتفاصيل. والمؤلف يعرض أحيانًا أكثر من رواية، ثم يناقشها أو يرجح إحداها. لذلك من المفيد التمييز بين ما تنقله المصادر، وما يقدمه المؤلف من تحليل أو رأي. وهذا لا يقلل من قيمة الكتاب، بل يوضح طبيعة البحث في حدث تاريخي كثرت رواياته وتشعبت طرق نقله.
الجانب الإنساني هو الأقرب إليّ في هذا العمل. فعندما نقرأ سيرة الحر بن يزيد الرياحي، لا نرى رجلًا انتقل من معسكر إلى آخر فحسب، بل نرى إنسانًا راجع موقفه في لحظة حاسمة، واعترف بخطئه، ثم تحمل نتيجة اختياره. وعندما نقرأ عن حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وزهير بن القين، نلمس اختلاف الظروف التي جاء منها كل واحد منهم، لكننا نرى أيضًا وضوح القرار الذي انتهوا إليه.
أما شهداء بني هاشم، فإن قراءة أخبارهم متتابعة تجعل حجم الفقد أكثر حضورًا. فالإمام الحسين، عليه السلام، لم يكن يودع مقاتلين فقط، بل كان يودع أبناءه وإخوته وأبناء إخوته وعمومته. ومن هنا تتحول الأسماء في الكتاب إلى عائلة كاملة كانت تعرف ما ينتظرها، ومع ذلك بقيت إلى النهاية.
خرجت من قراءة الكتاب بانطباع بسيط: إن كربلاء لا تُفهم من خلال بطل واحد، مع عظمة الإمام الحسين ومركزيته، بل من خلال مجموعة من البشر اختبروا الخوف والوفاء والتردد واليقين. ولكل واحد منهم طريق أوصله إلى ذلك المكان. بعضهم كان ثابتًا منذ البداية، وبعضهم وصل إلى الحقيقة بعد مراجعة مؤلمة، لكنهم التقوا جميعًا عند موقف واحد.
«البالغون الفتح في كربلاء» كتاب يحفظ الأسماء من النسيان، ويمنح القارئ فرصة للتعرف إلى أصحاب الإمام الحسين بوصفهم أشخاصًا كانت لهم حياة ومواقف واختيارات، لا مجرد أسماء تُقرأ سريعًا. وقد لا تكون كل صفحاته سهلة، وقد يحتاج بعض أخباره إلى مزيد من المقارنة والتحقيق، لكنه يفتح بابًا مهمًا لفهم الرجال الذين وقفوا في كربلاء، ومعرفة لماذا بقيت مواقفهم حاضرة بعد مرور كل هذه القرون.
لقراءة الكتاب كاملاً .. أضغط هنا

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!