تقييم قانون الاستثمار والسياسة الاستثمارية في ضوء احتياجات الشعب العراقي في المرحلة الراهنة
مقدمة
يمثل الاستثمار إحدى الأدوات الأساسية لتنويع الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، إذا وُجّه نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية التي يحتاجها المجتمع.
وقد وضع قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 المعدّل إطارًا لتشجيع الاستثمار، ومنح المستثمر مجموعة من الضمانات والتسهيلات. إلا أن مرور سنوات طويلة على صدور القانون، وتغيّر الظروف الاقتصادية والاجتماعية في العراق، يفرضان إعادة تقييم النتائج: هل تحولت الاستثمارات إلى إنتاج وفرص عمل وخدمات وتنمية مستدامة، أم بقي جزء مهم منها في إطار المشاريع العقارية والخدمية ذات الأثر المحدود في الاقتصاد الحقيقي؟
أولًا: ماذا يقول الإطار القانوني الحالي؟
يُلزم قانون الاستثمار الهيئة الوطنية للاستثمار وهيئات الاستثمار في المحافظات بإصدار الإجازات الاستثمارية ومتابعة المشاريع، فيما تقدّم النافذة الواحدة التسهيلات اللازمة للمستثمرين.
كما يتضمن القانون ضمانات وحوافز، منها حقوق مرتبطة بإعادة رأس المال والعوائد، وإعفاءات وتسهيلات للموجودات المستوردة للمشروع، وضمانات ضد المصادرة والتأميم وفقًا للقانون.
وسمح التعديل الأول لغير العراقيين بتملّك الأراضي لأغراض مشاريع الإسكان حصرًا، كما شمل بعض الشراكات الاستراتيجية مع الشركات العامة بمزايا القانون. ويمكن أن تكون هذه الحوافز مفيدة عندما تقابلها منفعة اقتصادية واضحة للعراق، لكنها تستوجب رقابة دقيقة على التنفيذ والنتائج.
ثانيًا: السؤال الوطني الأساسي... هل يخدم الاستثمار احتياجات المواطن؟
لا يكفي الإعلان عن مشروع استثماري بمليارات الدولارات حتى يُعدَّ نجاحًا؛ فالتقييم الحقيقي يجب أن يبدأ من المشروع المنفّذ فعليًا: كم فرصة عمل وفّر؟ وما نسبة العمالة العراقية فيه؟ وما مقدار الإنتاج المحلي الذي حققه؟ وهل خفّض الاستيراد أو زاد الصادرات؟ وكم من الإيرادات أعاد إلى الدولة؟ وهل نقل التكنولوجيا والخبرة إلى الاقتصاد العراقي؟ وهل التزم بالمتطلبات البيئية؟
ثالثًا: أولويات الاستثمار في العراق اليوم
تحتاج السياسة الاستثمارية إلى توجيه أقوى نحو قطاعات الأمن الغذائي، والمياه، والطاقة، والكهرباء، والصناعة التحويلية، والزراعة، والدواء، ومعالجة النفايات، والصرف الصحي، والإسكان الميسّر، والنقل والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا.
فهذه القطاعات لا تحقق عائدًا للمستثمر فحسب، بل يمكن أن تزيد قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وتوفّر فرص العمل، وتقلّل فاتورة الاستيراد.
رابعًا: مشكلة الاستثمار العقاري
لا يعني التوسع في الاستثمار السكني بالضرورة معالجة أزمة السكن؛ إذ يجب التمييز بين مشروع يزيد المعروض من الوحدات السكنية بأسعار مناسبة، وآخر يتحول إلى نشاط عقاري مرتفع الكلفة لا يستطيع ذوو الدخل المحدود الوصول إليه.
لذلك، ينبغي أن ترتبط الامتيازات العامة بمؤشرات واضحة، مثل نسبة الوحدات الميسّرة، ونسبة الإنجاز، والسعر النهائي للمواطن، والبنية التحتية والخدمات التي يوفرها المشروع.
خامسًا: الاستثمار وأراضي الدولة
الأرض العامة أصل وطني؛ ولذلك يجب أن يقوم تخصيصها لأي مشروع استثماري على تقييم اقتصادي واضح لقيمتها، وحجم الاستثمار الفعلي، والعائد المتوقع للدولة، والوظائف والإنتاج والخدمات الناتجة منه.
وينبغي منع بقاء الأراضي المخصصة للمشاريع مجمّدةً لسنوات من دون تنفيذ فعلي، مع تفعيل آليات السحب أو إعادة التخصيص عند الإخلال بالتزامات العقد، وفقًا للقانون.
سادسًا: معيار جديد لقياس نجاح الاستثمار
يقترح هذا المقال اعتماد «مؤشر المنفعة الوطنية للاستثمار» قبل منح الامتيازات وبعد تنفيذ المشروع، ويتضمن المعايير الآتية:
1. **20%** لفرص العمل المتاحة للعراقيين.
2. **20%** للإنتاج المحلي وتقليل الاستيراد.
3. **15%** للإيرادات العامة والأثر المالي.
4. **15%** لنقل التكنولوجيا والتدريب.
5. **10%** للتصدير أو إحلال الواردات.
6. **10%** للأثر التنموي في المحافظة.
7. **10%** للالتزام البيئي والاستدامة.
ويمكن تعديل هذه الأوزان بحسب طبيعة كل قطاع. ولا ينبغي أن تكون نتيجة المؤشر مجرد إجراء شكلي، بل يجب أن تكون أساسًا لتحديد حجم الحوافز واستمرارها.
سابعًا: ضرورة الرقابة بعد منح الإجازة
تُظهر مهام الجهات الرسمية أن المتابعة والتخطيط جزء أساسي من إدارة المشاريع الاستثمارية. ومن الضروري الانتقال من رقابة الأوراق إلى رقابة النتائج، من خلال إنشاء قاعدة بيانات موحدة تُنشر بصورة دورية، وتتضمن: اسم المشروع، وموقعه، وقيمة الاستثمار المعلنة والمنفذة، والأرض المخصصة، ومدة التنفيذ، ونسبة الإنجاز، وعدد العاملين، ونسبة العراقيين منهم، والإيرادات والضرائب، وحالة المشروع.
كما ينبغي ربط بيانات الاستثمار ببيانات التخطيط والضرائب والعمل والبيئة والدوائر المحلية.
ثامنًا: هل يحتاج قانون الاستثمار إلى مراجعة؟
لا يمكن اختزال الإجابة بالقول إن القانون فاشل أو إن المستثمر هو المشكلة، بل يتمثل السؤال الحقيقي في الآتي: هل ما زال الإطار الحالي يحقق أفضل توازن بين جذب رأس المال وحماية المصلحة العامة؟
وتشير الهيئة الوطنية للاستثمار نفسها إلى مراجعة بعض فقرات القانون وتطوير عمل هيئات الاستثمار، وهو ما يفتح الباب أمام تطوير تشريعي ومؤسسي أكثر ارتباطًا بأهداف التنمية.
تاسعًا: مقترحات عملية للإصلاح
1. ربط الحوافز بنتائج قابلة للقياس، لا بمجرد الحصول على الإجازة.
2. إعطاء أولوية استثنائية للاستثمارات الإنتاجية التي تقلّل الاستيراد.
3. اشتراط تقديم خطة لتشغيل العراقيين وتدريبهم في المشاريع الكبيرة.
4. إجراء تقييم اقتصادي مستقل لأراضي الدولة قبل تخصيصها.
5. نشر بيانات المشاريع والإجازات وحالة التنفيذ بصورة دورية.
6. وضع مدد تنفيذية ملزمة، وربط التأخير غير المبرر بإجراءات قانونية.
7. إدخال الأثرين البيئي والمناخي ضمن تقييم المشروع منذ مرحلة الإجازة.
8. دعم الشراكات بين المستثمرين والجامعات والمصانع العراقية لنقل المعرفة.
9. إعطاء الأولوية للمشاريع التي تخدم المحافظات الأقل نموًا.
10. إجراء تقييم سنوي علني لأداء السياسة الاستثمارية وقياس عائدها الاقتصادي والاجتماعي.
الخلاصة
إن الاستثمار الذي يحتاجه العراق ليس مجرد رأس مال يدخل البلاد، وإنما رأس مال يتحول إلى إنتاج وفرص عمل وتكنولوجيا وخدمات وإيرادات وتنمية.
ولذلك، يجب أن ينتقل معيار نجاح قانون الاستثمار من سؤال: «كم مشروعًا أجزنا؟» إلى سؤال: «ماذا أنتجت هذه المشاريع للعراق والمواطن؟».
إن حماية المستثمر وتشجيعه أمران ضروريان، لكن حماية المال العام والأرض العامة وحقوق المواطن وتحقيق التنمية المستدامة ضرورية بالقدر نفسه. ومن هنا، فإن مراجعة القانون والتعليمات وآليات الرقابة ليست موقفًا ضد الاستثمار، بل خطوة نحو تكوين بيئة استثمارية أكثر جديةً وعدالةً واستدامةً.
المصادر الرسمية الأساسية
1. الهيئة الوطنية للاستثمار العراقية: قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 المعدّل، ودليل المستثمر والنافذة الواحدة.
2. الهيئة الوطنية للاستثمار: الخارطة الاستثمارية للعراق 2025.
3. وزارة التخطيط العراقية: دائرة البرامج الاستثمارية الحكومية ومهامها في التخطيط والمتابعة.
4. وزارة التخطيط العراقية: تعليمات تنفيذ عقود الاستثمار والشراكة رقم (1) لسنة 2014.
5. الهيئة الوطنية للاستثمار: المواد الرسمية المتعلقة بتطوير قانون الاستثمار ومراجعته.
❖ كتابات في الميزان ❖
يقدّم المقال رؤية متوازنة للاستثمار في العراق، فلا يعارض جذب رأس المال، لكنه يربط نجاحه بما يحققه للمواطن والاقتصاد من وظائف وإنتاج وخدمات. ويضع «مؤشر المنفعة الوطنية» بوصفه أداة عملية لقياس النتائج بدل الاكتفاء بعدد الإجازات وقيمة المشاريع المعلنة. كما يلفت إلى ضرورة حماية أراضي الدولة وتشديد الرقابة، بما يجعل الاستثمار وسيلةً للتنمية لا بابًا للامتيازات العقارية وحدها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!