كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الحبر لا يتبخر

 في غمرة الهرولة العالمية نحو «العالم الافتراضي»، وتنافس الحكومات المتتالية على رقمنة كل شيء مواكبةً للتطور التقني، يبدو أننا نسير في الاتجاه الصحيح لتوفير الوقت والجهد.

إن التحول الرقمي ضرورة قصوى لا خلاف عليها للحاق بركب التقدم العالمي؛ لكن الإفراط في الاعتماد عليه وإهمال الحفاظ على «المادة المكتوبة» يضعان حضارتنا وتاريخنا المعاصر على حافة جرف رقمي شديد الخطورة.

إن الوثيقة الورقية، سواء أكانت نصًّا قانونيًّا، أم اتفاقية دولية، أم قرارًا سياديًّا، أم حتى مجلة أو صحيفة توثق تفاصيل حياتنا اليومية بالكلمة والصورة، ليست مجرد وسيط تقليدي، بل هي سند الوجود المادي للتاريخ وخط الصد الأول عن السيادة.

  المفاوض بلا ورق.. مشهد تخيلي كارثي!

لا تنفرد مجتمعاتنا بهذه المخاوف؛ إذ تنبهت منظمات دولية كبرى، وفي مقدمتها اليونسكو (UNESCO)، عبر برنامج «ذاكرة العالم»، إلى ضرورة صون التراث الوثائقي ماديًّا.

لكن الأمر يتجاوز البعد الثقافي ليمس أمننا القومي مباشرة. ولنا في النزاعات الحدودية والملفات المشتركة مع الكويت مثال حي وصارخ؛ فالوثائق الورقية والخرائط المادية الموقعة والمحفوظة في الأرشيفات هي وحدها التي حسمت وتحسم منازعات الحدود على الأرض وفي البحر، وهي الفيصل في تحديد الحقوق في المخزونات النفطية المشتركة.

وهنا، لنتخيل معًا مشهدًا دراميًّا حيًّا:

لنتصور الرجل البطل، اللواء الركن الدكتور جمال الحلبوسي، وهو يخوض أشرس المفاوضات الدولية، يناقش ويصرخ ويَبُحّ صوته دفاعًا عن تراب الوطن ومياهه ونفطه، ولكنه، في هذا المشهد التخيلي المرعب، لا يملك في يده خريطة مادية، أو صفحة من كتاب تاريخي، أو صورة وثائقية لصحيفة قديمة!

كيف سيكون حاله وحالنا؟ وبأي منطق سيقنع العالم في ظل غياب الدليل الملموس؟

لو كانت تلك الخرائط والاتفاقيات مجرد ملفات رقمية مخزنة على «خوادم» معرضة للاختراق أو الحذف أو التعديل الخبيث، لضاعت حدود دول وتبخرت ثروات شعوب بأكملها في غضون ثوانٍ.

إن هذا المثال يثبت أن الورق ليس مجرد ماضٍ، بل هو وثيقة حية تعادل الوجود الوطني نفسه.

وتشير الدراسات الصادرة عن معاهد الأمن الاستراتيجي إلى مفهوم «العصر المظلم الرقمي» (Digital Dark Age)، وهو مصطلح يحذر فيه العلماء من أن القرن الحادي والعشرين قد يصبح ثقبًا أسود في التاريخ البشري؛ لأن البرمجيات والملفات الرقمية الحالية قد لا تجد، بعد قرن من الآن، أنظمة قادرة على تشغيلها، بينما تظل المستندات والأوراق المطبوعة مقروءة بالعين المجردة وصامدة عبر الأجيال.

## خريطة طريق لحل الأزمة

### المقترحات والآليات

إن إنقاذ الصحافة المطبوعة والدوريات، وتشجيع تدفق الوثائق الورقية، يتطلبان تدخلًا حكوميًّا ومؤسسيًّا عاجلًا، عبر تبني الحلول الآتية:

  1- دعم الصحف والمجلات منتظمة الصدور

وضع آلية للدعم المالي المباشر من الدولة للصحف والمجلات اليومية والأسبوعية والشهرية والفصلية، مع تغطية أجور الطباعة والتحرير على أقل تقدير؛ لضمان استمرار عمل الكوادر المهنية من دون الخضوع لضغوط الإفلاس.

  2- تقديم التسهيلات اللوجستية والجمركية

إعفاء ورق الصحف والأحبار ومعدات الطباعة من الضرائب والرسوم الجمركية؛ لتخفيض كلفة المنتج النهائي، وتوفير تسهيلات في خطوط التوزيع والاشتراكات البريدية؛ لضمان وصول المطبوعات إلى جميع المؤسسات والجامعات.

  3- التشريع القانوني للإلزام بالأرشفة المزدوجة

إصدار قوانين تُلزم جميع الوزارات والهيئات الحكومية والخاصة بعدم الاكتفاء بالأرشفة الرقمية، وفرض نظام «الأرشفة المزدوجة»، المادية والرقمية معًا، للقوانين والاتفاقيات والقرارات والوثائق السيادية.

  4- تأسيس «صندوق وطني لدعم المطبوعات»

يُموَّل هذا الصندوق من نسب استقطاع ضئيلة من شركات الاتصالات والإنترنت، التي نمت على حساب الورق، لتُعادَ توجيه هذه الأموال إلى دعم طباعة الكتب والدوريات العلمية والمجلات الثقافية والصحف الرصينة.

  5- اشتراك المؤسسات الحكومية في المطبوعات

إلزام جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات والتشكيلات الحكومية ودوائرها الفرعية بالاشتراك في المطبوعات، وتخصيص جزء من التخصيصات المالية لهذا الجانب المهم.

 خاتمة

إن السير في طريق الحداثة والتحول الرقمي أمر حتمي، لكن الهرولة غير المدروسة التي تدير ظهرها للمادة المكتوبة هي انتحار ثقافي وسياسي وأمني. ويجب أن نمضي في حفظ تفاصيل حياتنا وثرواتنا وحدودنا ماديًّا وبصورة ملموسة، وليس في العالم الافتراضي فحسب.

إن الورق ليس عدوًّا للتكنولوجيا، بل هو صمام أمانها الأخير؛ فحين تنطفئ الشاشات، وتنقطع الخوادم، أو تُخترق الشبكات والمواقع، ولنا في كل يوم خبر عن اختراق أعتى المواقع والعبث بها وتغيير محتوياتها، في تحدٍّ تقني لا يمكن نفيه، سيبقى الحبر على الورق شاهدًا قانونيًّا وسياديًّا على حقوقنا وحدودنا، مبرهنًا على أننا حمينا أوطاننا بأدلة مادية لا تقبل المحو، لا بنقرات عابرة على لوحة مفاتيح قد تختفي في أي لحظة.

❖ كتابات في الميزان ❖

ينبه المقال إلى أن التحول الرقمي، على الرغم من ضرورته، لا ينبغي أن يؤدي إلى إهمال الوثائق الورقية والصحافة المطبوعة بوصفهما جزءًا من ذاكرة الدولة والمجتمع. ويطرح الأرشفة المزدوجة حلًّا يوازن بين سرعة التكنولوجيا وقيمة الأصل المادي. كما يربط حماية الوثائق بالسيادة الوطنية والحقوق التاريخية، مقدمًا مقترحات تشريعية ومالية لدعم المطبوعات وحفظ الأرشيف.

الصحافة_الورقية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!