كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

قراءة نقدية سيميائية للعرض المسرحي (أنا.. أنا): تفكيك آليات السلطة

شهدت خشبة مسرح الرشيد في العاصمة بغداد، خلال المدة من 19 إلى 21 آب 2026، عرضًا مسرحيًا نوعيًا حمل عنوان «أنا.. أنا»، من تأليف وإخراج الدكتورة عواطف نعيم، وإنتاج محترف بغداد المسرحي.

تجاوز العرض بنيته السردية التقليدية، ليقدّم مقاربة أنطولوجية ونقدية للتاريخ السياسي والاجتماعي العراقي والعربي، متخذًا من مأساة «الملك لير» لوليم شكسبير منطلقًا لتفكيك آليات السلطة والعزلة وأزمة الهوية والاعترافات المتأخرة.

 الخشبة بوصفها فضاءً نفسيًا

عند عتبات عرض «أنا.. أنا»، تخلّت الخشبة عن دورها التقليدي بوصفها حاضنًا مكانيًا للحكاية، وتحولت إلى فضاء سيكولوجي مشبع بالدلالات الموزعة بين الذاكرة والهوية والعزلة الأزلية.

وأدّت هذه البنية وظيفة تحريضية دفعت الجمهور إلى استرجاع سجل الأخطاء الكارثية، في بُعديه الجمعي والفردي، ليغدو فعل المشاهدة استحضارًا نقديًا للتاريخ ومساراته، ويجد المتلقي نفسه في مواجهة شخصية مونودرامية جعلت من مفهوم «الأنا» مأزقًا أنطولوجيًا يتخطى حدود الضمير اللغوي، ليصبح سؤالًا كونيًا في التجربة الوجودية.

 الأنا بين وهم السلطة وحقيقة الإنسان

فتح عنوان العرض «أنا.. أنا» أفق التأويل على مفارقة لغوية ودرامية؛ إذ حوّل تكرار ضمير المتكلم إلى علامة على انشطار الذات بين «أنا السلطة» التي توهمت امتلاك الحقيقة بحكم امتلاك القرار، و«أنا الإنسان» الذي تعرّى أمام نتائج أفعاله بعد سقوط الهيبة والتابعين والمملكة.

وبين الأنا الأولى والثانية، تشكلت المسافة المأساوية بين الوهم والوعي، وبين صورة الحاكم عن نفسه وحقيقته حين تنسحب عنه شروط القوة.

غير أن العنوان تجاوز الانقسام النفسي لشخصية لير إلى انشطار أوسع، تداخل فيه الكوني بالمحلي. فالأنا الأولى هي أنا شكسبير والمأساة الإنسانية العابرة للزمن، أما الأنا الثانية فهي الأنا المحلية: أنا الدكتورة عواطف نعيم، وأنا العراق، وأنا ذاكرته السياسية والاجتماعية المثقلة بأكثر من مئة عام من السلطة والاضطراب والحروب وسوء التقدير والعزلة الخانقة.

ومن خلال هذا الانتقال، استنطقت المخرجة البنية العميقة لمأساة الملك لير داخل الوعي العراقي؛ فغدت حماقة الملك صورة مكثفة لحماقات سلطاتنا، بمختلف أسمائها ومراحلها الزمنية، وأصبح انهيار المملكة استعارة لانهيارات تاريخية لا تزال فاعلة في الذاكرة الجمعية، من العائلة الحاكمة إلى أبسط زوجين يعيشان في أقصى الأهوار.

 «الليرية» المتكررة في الواقع العراقي

لا تحضر «أنا» الدكتورة عواطف نعيم بوصفها ذاتًا مؤلِّفة تقف خارج النص، بل بوصفها وعيًا محليًا يعيد كتابة المأساة من داخل تجربته التاريخية.

إنها الأنا التي تستدعي لير الشكسبيري لتكشف «الليرية» المتكررة في الواقع العراقي: حكامًا لا يرون حقيقة سلطتهم إلا عند أفولها، وقيادات تحيط بها بطانات التملق، ووعيًا لا يبدأ بمراجعة الذات إلا بعد هيمنة الأخطاء وتراكمها، ثم يواصل إنتاج الخطأ تحت أسماء ووجوه مختلفة.

بدأ العرض باجتياح عاصفة هوجاء للخشبة، موازيةً خراب القرارات. وبعد هدوئها، أخذت أعيننا تتنقل بين زوايا المستطيل البصري، قبل أن يتحول مقود السفينة المحطمة إلى عجلتين تموضعتا على يمين المسرح ويساره، ودارتا بحركة محورية في مسار سيزيفي يستعيد لحظة أفول المُلك.

وبهذه المعالجة، تجاوز العرض سرد الحكاية الشكسبيرية، واتخذ منها منطلقًا نقديًا لكشف آليات السلطة العراقية والعربية وانزياحاتها التاريخية.

أضاءت الدكتورة عواطف نعيم عتمة الوعي المحلي عبر قناع لير، مستنطقةً ثقافة التملق وسوء التقدير التي أنتجت عقودًا طويلة من العزلة والانكسارات. وواجه الحاكم نفسه فوق ركام مملكته، متورطًا في محاكمة داخلية كشفت وهم القوة حين تلاشى الأتباع وأفلت الامتيازات.

 البصر والرؤية

تجذرت مفارقة البصر والرؤية في عمق العرض؛ لتكشف لدى الملك لير عمًى سبق فقدان الحواس. كانت العين تنقل المظهر، بينما انطفأت بصيرة القلب.

لم يخفق لير في رؤية بناته، بل أخفق في تقدير صدقهن وسط صخب المديح والتملق. واحتاج إلى خسارة التاج والمملكة كي يرى الحقيقة في صورتها الأخيرة، ويسلّم قياده إلى كورديليا، أو شبحها الأبيض، في انقلاب بصري وأخلاقي يعيد الحاكم المتبختر إلى إنسان تحمله من أساء فهمها.

وتتداخل هذه الحقيقة مع قراءة عراقية تحاسب تاريخًا من الحكام الذين أبصروا الخراب، لكنهم لم يروا نهاياته إلا بعد فوات الأوان، كما لم يتعظوا بأسلافهم من صانعي الأخطاء المريعة والمدمرة.

 السلطة بين عجلتي التاريخ

في مشهد ذي حمولة تاريخية، ارتقى الفنان عزيز خيون فوق دفة القيادة التي تحولت إلى عجلتين للزمن، وإلى ركام من الأخطاء الممتدة منذ مخاضات ثورة العشرين وتأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، مرورًا بالاحتلال الأمريكي عام 2003، ووصولًا إلى زمن العرض سنة 2026.

قادنا هذا التشكيل، عبر دفتَي القيادة الموجودتين على يمين المسرح ويساره، إلى مفارقة السلطة وعمرها. فقد منح المكان المرتفع لير، الذي جسّده عزيز خيون بروح عراقية، مساحة للنظر إلى الآخرين، لكنه حجب عنه بصيرتهم.

وحين هوى من علياء التاج والديباج إلى سطح الأرض، بدأ يرى حقيقته، ولكن بعد فوات الأوان.

بين هاتين العجلتين، تتحرك سلسلة أخطاء الحكام المتواترة والمتناسلة، وكأن التاريخ العراقي محصور في حلقة مرعبة من الدوران المستمر؛ إذ تتكرر الأخطاء ذاتها، ويقود طغيان السلطة وعماها البلاد من احتلال إلى انهيار، ومن وهم السيادة إلى قاع مجهول.

 الكتاب بوصفه ذاكرةً وخلاصًا

تمثلت الثيمة المركزية للعرض في الكتاب الذي التقطه لير متأخرًا، ثم ورثته كورديليا. وقد أضاءت هذه الثيمة زاوية حاسمة: المعرفة لا تُمنح للحاكم على عرشه بوصفها منحة إلهية، بل هي ثمرة مُرّة تُنتزع من الخسارة والفجيعة، وتتحول إلى وثيقة تدين حماقات العروش.

لا يتعلم الحاكم إلا حين ينزلق التاج عن رأسه، وعندها يتحول الكتاب من مجرد سجل للأخطاء إلى أيقونة خلاصية قد تمنع الأجيال المقبلة من إعادة إنتاج الحماقات نفسها.

وتجلّت أصالة هذه المقاربة النقدية حين امتدت خيوط المأساة إلى البيئة السياسية العراقية. فتجربة السلطة في العراق، بكل تعقيداتها وشبكات ولائها واستقطاباتها الحادة بين من قرّبتهم السلطة زورًا ومن أبعدتهم قسرًا، تجد في مرآة لير تجسيدًا حيًا لقانون تاريخي متكرر.

إنها كذبة القوة المصنّعة داخل أروقة القصور، والمتشبعة بالهتافات والمصفقين، والتي تتهاوى عند أول اختبار حقيقي فيهرب المقربون. وفي المقابل، يبرز الصمود والوعي الحقيقيان لدى المهمش الذي عانى التهجير والحصار والتنكيل؛ لا لإيمانه بمنهج الطغاة، بل لوعي وطني متوارث وكراهية عميقة للغزاة دفعته إلى الدفاع عن وطنه.

وهنا تجاوز العرض الإسقاط السياسي العابر، ليرتفع إلى مستوى النبوءة المسرحية التي تكشف عورات الاستبداد في كل زمان ومكان.

صناعة الجهل المؤسسي

يمكن الذهاب أبعد في تأمل الاشتباك العراقي والفلسفي الذي صنعته الدكتورة عواطف نعيم مع نص «الملك لير». فالمأساة لا تكمن فقط في خطأ الحاكم في تقدير حلفائه، بل في صناعة الجهل المؤسسي الذي مارسه الطغاة بوصفه استراتيجية للبقاء.

فالحاكم المطلق يخشى المعرفة ويحاربها؛ لأنها تفضح هشاشته، وهذا ما نراه واقعًا مريرًا في أزمنة مختلفة. ولذلك فإن ظهور الكتاب في يد لير، ثم انتقاله إلى كورديليا، يمثل إعلانًا عن انتصار الذاكرة الشعبية والمقاومة الثقافية على محاولات الطمس والتجهيل المبرمجة.

الصوت والجسد بين الخداع والحقيقة

استندت الرؤية الإخراجية للدكتورة عواطف نعيم إلى منجز درامي وفلسفي يتصل بأطروحات فرنسية، ولا سيما أفكار أنطونان أرتو في مسرح الجسد والقسوة، ومقاربات رولان بارت في تفكيك العلامات السيميولوجية.

وحين اختزلت المخرجة حضور غونريل وريغان، الشقيقتين المنافقتين، في الصوت وحده، مقابل الإبقاء على كورديليا حضورًا جسديًا وبصريًا وفلسفيًا، فإنها قدمت خيارًا عمّق الصراع بين الوهم والحقيقة، والخير والشر، وما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

في التقاليد المسرحية الناضجة، يمكن النظر إلى الصوت المنفصل عن الجسد بوصفه أداة للتضليل؛ فاللسان قادر على صناعة البلاغة المزيفة، وهو ما مارسته غونريل وريغان لانتزاع العرش، فتحولتا إلى كائنين صوتيين يملآن الفضاء بأصداء الخداع.

وفي المقابل، مثّلت كورديليا مادية الحضور؛ فالجسد المرافق للأب، والظل المساعد له، والثوب الأبيض، والتقاط الكتاب، والعجلات، والانفجار الهائل، والأشرعة، جميعها علامات تنتمي إلى مسرح الإشارة والرمز الفلسفي.

كورديليا هي العلامة الحية التي لا يمكن تزييفها؛ لأن الوجود الجسدي يعرّي التلفيق الصوتي. وكأن الدكتورة عواطف نعيم تقول لنا إن الصوت المزيف يرحل بزوال السلطة، أما الحضور الصامت فيبقى ليحمل الكتاب ويدير دفة المعرفة نحو النجاة.

ومن خلال هذه القراءة، تحول العرض من سرد مستنسخ لمأساة كلاسيكية إلى مختبر فكري يفكك آليات السلطة والصوت والجسد.

العجلة والاستعارة السيزيفية

عند عتبة فلسفية أخرى، بدت العجلات الدوارة المتشكلة في صورة مجازية مستمرة من دفة القيادة، والمتناسلة دوراتها في نهاية العرض بلهاث سيزيفي يهرس ذواتنا، استعارة بصرية بارعة لحتمية التاريخ وهو يعيد ترتيب بوصلته.

وتقول هذه الصورة إن الأمم التي لا تتعلم من سجل أخطائها المحفور في ذاكرة أبنائها محكومة بأن تظل تدور إلى الأبد في الدائرة المفرغة نفسها من الاستبداد والحماقة.

 عناصر العرض المسرحي

 النص واللغة

على مستوى اللغة، بدا النص أقرب إلى مؤلَّف مسرحي كتبه شاعر، سعى منذ لحظة العاصفة إلى مساءلة الذات والآخر والوجود، باستقلالية واضحة عن نص «الملك لير» الأصلي.

استخدمت الدكتورة عواطف نعيم الحوار بوصفه وسيلة لكشف هوية ناطقة تحدد مساراتنا، نحن أبناء هذا الوطن المتخم بالأخطاء الكارثية. وتكمن أهمية النص في تجاوزه تقديم الأنا باعتبارها حقيقة ثابتة، إلى التعامل معها بوصفها هوية قلقة قابلة للتشظي وإعادة التشكيل.

 الرؤية الإخراجية

أقامت الرؤية الإخراجية للدكتورة عواطف نعيم تقاطعًا تجريبيًا مع تجربة بيتر بروك، ولا سيما في الإدارة الدقيقة للعلاقة بين الممثل والفراغ.

لذلك جاءت الخشبة أنيقة وغير مزدحمة، واشتملت على مساحات من العتمة والفراغ عملت بوصفها جزءًا من الدراما. وينسجم هذا الاختيار مع موضوع العرض؛ لأن الفراغ بدا، في بعض اللحظات، امتدادًا لعزلة لير الداخلية، فيما تحول الضوء إلى أداة للكشف أو المحاصرة أو استدعاء الذاكرة.

كما برزت الانتقالات الإيقاعية بين مشاهد هادئة وأخرى أكثر كثافة، مما منح العرض بنية موجية بدلًا من خط سردي واحد. وتميز الإخراج بالرموز المشبعة بالسيميائية والإحالات والتأويلات التي تتعدد وفق ثقافة المتلقي ومرجعياته، وهو ما أغنى العرض ووسّع دلالاته.

 أداء عزيز خيون

تحكّم الفنان الكبير عزيز خيون بإيقاع العرض من خلال أداء ممتع وتنويع صوتي بارع، فبدا محورًا مركزيًا في تشكيل العالم الجمالي للعمل.

واعتمد أداؤه على الحضور الجسدي والصوتي معًا، متنقلًا بين الانفعال الهادئ والانفجار، وبين السكون المشحون والحركة ذات الإيقاع المتوتر. وكمنت قوة الأداء في قدرته على جعل الجسد نصًا موازيًا للحوار.

حمل عزيز خيون الشخصية المركزية بطاقة أدائية عالية، ولا سيما في انتقالها من صلابة الملك إلى هشاشة الإنسان. كان الجسد يروي جزءًا من المأساة، فيما يكشف الصوت طبقاتها الداخلية.

وتغيرت هيئة الجسد مع كل تحول في موقع لير داخل بنية الحكاية؛ فالجسد المستقيم الذي احتل الخشبة بثقة أصبح أكثر ثقلًا وانحناءً كلما خسر شيئًا من سلطته. وتلوّن الصوت بدوره بين الأمر والاحتجاج والتأمل واستجداء عاطفة الأشباح المحيطة به، فغدت التحولات الداخلية مرئية ومسموعة.

 حضور لمار محمد

اكتسب حضور الفنانة لمار محمد أهميته من اتصاله بالجانب الذي يواجه لير بحقيقة نفسه.

ولم يقم وجودها على منافسة عزيز خيون في الحضور، بل على بناء علاقة معه تتغير دلالاتها كلما تقدم العرض، وصولًا إلى موقع كورديليا في المشهد الأخير، واستلامها حصتها من الميراث متمثلةً في الكتاب.

 السينوغرافيا

شكّلت السينوغرافيا، بمختلف عناصرها، واحدةً من أهم نقاط قوة العرض. كان الديكور اقتصاديًا في مفرداته، لكنه غني بما يتيحه من قراءات. وهذه هي بلاغة السينوغرافيا الحية حين تتجرد من وظيفتها التزيينية وتتحول إلى كائن درامي متبدل.

فقدت الأقمشة الموجودة في الخلفية ثباتها المادي، واكتسبت طابعًا سيميولوجيًا مراوغًا. وجعلها تكرارها وتبدل ألوان إضاءتها أشبه بذاكرة متحركة: مرة دافئة، ومرة باردة، ومرة قاتمة.

كانت تارةً ستائر عزلة تغلق أفق العالم أمام لير، وتعزله في برجه العاجي المظلم، وتارةً أخرى أشرعة سفينة محطمة تئن تحت وطأة عواصف الطغيان وتنوء بحمولة الخيبة. وفي مشاهد أخرى، ارتدت الأقمشة صورة الزمن المتعدد، حيث تغيرت ألوانها بتغير درجات الوعي وهزات الذاكرة، لتشهد على تعاقب عصور الوهم والانكسار.

أما في خاتمة العرض، فقد تحولت الأقمشة، مع غياب كورديليا وهي تقود الملك الأعمى الخاسر، إلى كفن يختم الحكاية. وكأن الدكتورة عواطف نعيم أرادت القول إن مصيرنا في النهاية متر أو متران من القماش نختم بهما مسيرتنا، فلا فرق بين لير وابنته، ولا بيني وبينك، ولا بين ملك وبهلول.

وبحسب السياقات الفلسفية المسرحية، يمكن تأويل التوجه نحو الجدار الرابع ومواجهة الجمهور بوصفه شروقًا، فيما يمثل الانكفاء نحو خلفية المسرح غروبًا. والغروب، في منظورنا الموروث، إشارة إلى الموت.

ومن هنا، يمكن تأويل انسحاب كورديليا والملك لير نحو الخلفية على أنه درس للجميع: اعملوا صالحًا، فنهايتنا واحدة، هي الموت الحتمي الذي لا يفرّق بين البهلول والملك، ولا بين كورديليا وريغان، ولا بين من كان هنا ومن كان هناك.

 دفة القيادة وعجلتا الزمن

تجسدت دفة القيادة، بعد تحولها إلى عجلتين على اليمين واليسار، بوصفها عجلة الزمن العراقية؛ تلك الطاحونة التي دارت لتهرس حلم الاستقلال والحرية.

استحضرت العجلة الأولى عتمة التأسيس وسطوة الاحتلال البريطاني، ولا سيما مخاضات عام 1920 وما أعقبها من تأسيس دولة نشأت تحت وطأة الشروط والوصاية.

أما العجلة الثانية، فحضرت بثقلها المفزع لتستعيد ذاكرة الاحتلال الأمريكي عام 2003، وما أفرزه من زلازل سياسية واجتماعية.

وبين العجلتين، تواصلت أخطاء الحكام وتناسلت، وكأن التاريخ العراقي محصور في حلقة من الدوران المستمر، تتكرر فيها الأخطاء ذاتها، ويقود طغيان السلطة وعماها البلاد من احتلال إلى انهيار، ومن وهم السيادة إلى قاع غامض.

  الإضاءة

تستحق الإضاءة، بوصفها جزءًا مهمًا من التشكيل السينوغرافي، قراءة مستقلة تكشف تجاوزها وظيفتها التقليدية في إظهار الممثل والديكور.

جاءت الإضاءة درامية وفاعلة؛ فعزلت الشخصية حين اقتضت اللحظة عزلتها، ووسعت الفضاء حين اتسعت الحالة، وغيرت حرارة المشهد النفسية، ووجهت عين المتلقي نحو موضع الدلالة.

كان الضوء يفسر ويؤطر ويشارك في بناء الحدث. ومع انتقال اللون والسطوع من حالة إلى أخرى، كانت الخشبة تتنفس مع الشخصية ويتوهج إيقاعها.

وصنعت الإضاءة حالات نفسية متباينة، وأعادت تعريف حدود المكان. عزل اللون الرمادي الشخصية ووضعها تحت وطأة الاعتراف أو المحاكمة، ورفع الأحمر منسوب التوتر والانفعال، بينما فتح الأزرق فضاءً أكثر برودة وتأملًا. وهكذا أدّت الإضاءة وظيفة درامية مستقلة تجاوزت حدود إنارة الممثل.

  الموسيقى والمؤثرات الصوتية

أسهمت الموسيقى والمؤثرات الصوتية في بناء المناخ النفسي، ولا سيما حين تراجعت اللغة وأصبح الصمت جزءًا من التكوين.

وحقق العرض اقتصادًا واضحًا في بعض المقاطع الصوتية، لتظل الموسيقى شريكًا فاعلًا يتجنب تفسير الحالة بصورة مباشرة أو جاهزة.

  الزمن والإيقاع المسرحيان

جرى التعامل مع الزمن المسرحي بوصفه مادة قابلة للتمدد والانقباض. وراكم التكرار الحركي الإحساس بالحصار، وكأن الشخصية تعود في كل مرة إلى النقطة نفسها، محاولةً الإفلات منها.

وتقاطعت هذه الدائرة الإيقاعية مع مفردة العجلة الموجودة في الفضاء، لتصبح الحركة استعارة عن دوران الوعي حول جرح قديم ذقنا مرارة دمه الفاسد.

ومنح الانتقال بين مستويات الأداء، من المواجهة المباشرة إلى الانكفاء على الذات، العرض تنوعًا في الطاقة، وإن كانت بعض الوقفات تحتمل الاختزال ليغدو التصاعد الدرامي أكثر إحكامًا.

 الجمهور شريك في إنتاج المعنى

كان الجمهور شريكًا خفيًا في اللعبة المسرحية. فهذا النوع من العروض يحتاج إلى متلقٍ يقرأ العلامة ولا ينتظر حكاية مكتملة وجاهزة الدلالات.

وحين ظهرت مفردات البصر لدى لير، والكتاب، والثوب الأبيض، والدفة، والعجلات، والضوء، والفراغ، قدمت المسرحية مفاتيح التأويل، وتركت للمتلقي مهمة وصل العناصر بعضها ببعض.

كان الجمهور يشبه من يقرأ كتاب لير معه؛ فكلما انكشفت علامة، أعاد النظر في العلامة السابقة.

  الخلاصة

إجمالًا، نجح عرض «أنا.. أنا» في بناء تجربة متكاملة تعاضدت فيها الكتابة والإخراج والأداء والسينوغرافيا بعناصرها الجمالية والفلسفية.

وتمثلت قيمته الأساسية في تحويل المسرح إلى سؤال جوهري:

**من أكون حين تسقط الأقنعة؟**

راهن العرض على المتلقي بوصفه شريكًا فاعلًا في إنتاج المعنى، وترك مفردة «الأنا» في النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة، أفضت إلى آفاق واسعة من التأويل والأسئلة.

انا_انا.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!