لم تعد الحرب الأمريكية على إيران تُناقَش في واشنطن بمنطق: «هل هي ضرورية؟». يبدو أن هذا السؤال تراجع منذ أشهر، ليحل محله سؤال أكثر إلحاحًا داخل البنتاغون والكونغرس، وحتى عند محطات الوقود: كم بلغت كلفتها، ومتى تنتهي؟
تكشف أحدث التقديرات العسكرية حجم العبء المتراكم؛ إذ بلغت كلفة الحرب نحو **43.6 مليار دولار حتى الثالث من سبتمبر**، وتشمل النفقات التشغيلية وكلفة الذخائر والمعدات المستهلكة أو المتضررة التي تحتاج إلى تعويض.
وفي تقدير منفصل، قال مكتب الميزانية في الكونغرس إن الحرب كلّفت نحو **38 مليار دولار حتى مطلع أغسطس**، متوقعًا استمرار ارتفاع الفاتورة بمعدل يقارب **ثلاثة مليارات دولار شهريًا**، تبعًا إلى مستوى العمليات العسكرية.
ولا تتوقف الكلفة عند حدود الطائرات والصواريخ والعمليات اليومية؛ إذ تشمل أيضًا إصلاح المنشآت والقواعد العسكرية المتضررة، والآثار الاقتصادية الناجمة عن اضطراب الملاحة وتدفقات الطاقة في الخليج، فضلًا عن استنزاف مخزون الذخائر والصواريخ الأمريكية.
وبحسب تقديرات مكتب الميزانية، قد تستغرق إعادة بناء بعض المخزونات العسكرية المستنزفة نحو خمس سنوات، في وقت أثارت فيه معدلات استهلاك الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة مخاوف بشأن قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة لأزمات عسكرية أخرى.
هذه لم تعد حربًا فحسب، بل نزيفًا ماليًا وعسكريًا مفتوحًا.
لكن ثمة نزيفًا آخر، وهذه المرة انتخابي.
فالرئيس دونالد ترمب يمضي في ولايته الثانية، ولا يستطيع الترشح لولاية ثالثة بموجب الدستور الأمريكي؛ ولذلك لا تتمثل المشكلة في مستقبله الانتخابي الشخصي، بل في مستقبل حزبه الجمهوري الذي يدخل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر بأغلبية ضيقة داخل الكونغرس.
وتشير اتجاهات الرأي العام إلى أن استمرار الحرب بات يمثل عبئًا على الجمهوريين، ولا سيما مع سعي الديمقراطيين إلى ربطها بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة والتضخم.
فالناخب الأمريكي لا يتابع خطابات الردع والنفوذ وحدها، بل ينظر إلى سعر غالون البنزين، وفاتورة الكهرباء، وأسعار المواد الغذائية، وما يقتطع من أموال دافعي الضرائب لتمويل حرب لا تظهر لها نهاية قريبة.
وقد فهم الديمقراطيون هذه المعادلة جيدًا، فعملوا على ربط الحرب بغلاء المعيشة، وهو سلاح انتخابي شديد الفاعلية في عام انتخابي.
أما طلب الإدارة الأمريكية من الكونغرس توفير نحو **90 مليار دولار إضافية**، يرتبط جانب كبير منها بالحرب وتعويض المخزونات العسكرية، فقد وضع نوابًا جمهوريين أمام مهمة صعبة: كيف يطلبون من ناخبيهم تحمّل أعباء جديدة، في حين تعجز الإدارة عن تقديم موعد واضح لإنهاء الحرب أو خطة مقنعة للخروج منها؟
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
لقد انتقلت الحرب من كونها ملفًا عسكريًا وأمنيًا إلى عبء سياسي واقتصادي يصعب على الجمهوريين حمله حتى نوفمبر. فالحزب الذي لا يستطيع أن يشرح للناخب كلفة الحرب، ولا أن يحدد نهايتها أو نتائجها، سيجد نفسه أمام معركة انتخابية شديدة الصعوبة.
لذلك، فإن البحث عن مخرج من الحرب لم يعد، بالضرورة، اعترافًا بالهزيمة. بل قد يكون، من وجهة نظر سياسية بحتة، محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول فاتورة الحرب المالية إلى فاتورة هزيمة انتخابية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يقدّم المقال قراءة واضحة لتحول الحرب من مواجهة عسكرية خارجية إلى أزمة داخلية تضغط على الاقتصاد الأمريكي وحسابات الحزب الجمهوري. وتكمن قوته في ربط كلفة الذخائر والعمليات بما يشعر به المواطن من ارتفاع أسعار الطاقة والمعيشة. ويخلص إلى أن إنهاء الحرب قد يصبح قرارًا انتخابيًا يهدف إلى تقليل الخسائر السياسية، لا مجرد خيار عسكري.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!