صفحة الكاتب : د . مازن حسن الحسني

مفهوم الحرية في الاسلام
د . مازن حسن الحسني
     الحرية من اهم مفردات الفكر والحياة الانسانية ، فضلا عن كونها احد اخطر مشاكل البشرية واهمها ، وقبل البدء بالحديث عنها يجب ان نعطي اهتماما كبيرا لهذه القضية الفكرية المتجددة رغــم وضوحها على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصاديـة ، وشمولها ايضا على نوع من الغموض في التحليل والمفهوم الفلسفي ، وتداخل واختلاط المفاهيم طبقا لرغبات وميول اصحاب المصالح الشخصية ، كما ان الحرية رغبة فطرية ولدت مع ولادة الانسان ولم تفارقه في اي من الاوقات بل وجدت مع وجوده منسجمة مع تحقيق رغباته .
     ان الحرية مفهوم عام ومتشعب  الجوانب اختلف الافراد على مدى العصور في تحديد دلالاتها حسب الازمنة والمذاهب العقائدية والسياسية والاجتماعية ، ولما كان الانسان موجودا اجتماعيا لا يمكنه العيش في معزل عن ابناء جنسه ، وان يتعاون معهم في حل مشاكله والتعايش معهم ، وهذا يتطلب وجود انظمة وقوانين وتشريعات لتنظيم حياة الافراد والجماعات ، لقد ولدة الانسان حرا وهكذا اراده الله سبحانه وتعالى فهو يتميز عن سائر المخلوقات بالعقل والتفكير والارادة ، والحرية مفهوم ذو شفافية خاصة تتميزعن غيرها مــن المفاهيم ، في من المفاهيم التي لا يعني بإدراكها الفرد دون النظر الى دينه ومذهبه واهله وجنسه فضلا عن عمره .
     تحدث الكثير من الاشخاص وعلى مر العصور عن الحرية ، فقد كتب الفلاسفة والمفكرون وعلماء الدين والعرفان واصحاب النظريات المتعددة بهذا المجال ، كما تناول الادباء والشعراء والفنانون والاعلاميون وعلماء النفس والاجتماع والقانون موضوع الحرية وكل حسب اهتمامه ، مما ادى الى تطور هذا المفهوم واتساع ابحاثه .
     ان مفهوم الحرية من المفاهيم التي تتناغم معها مشاعر الافراد واحاسيسهم ، وهي ظاهرة ليست بالحديثة فهنالك صلة عاطفية تربط الانسان بالحرية ، وهي علاقة عاطفية اصيلة في تكوين النفس البشرية وكذلك معركة تحرير وتحرر يخوضها الانسان على مر العصورمنذ الخليفة ولحـــد الان ، على الرغم من اختلاف اساليب واشكال المعركة والوانها واهدافها طبقا للقيم الفكرية والعقائدية التي ترتكزعليها ، فالإنسان يحب الحرية ويهواها لانها تعبر عن امتلاكهللارادة والاختيار ويمكنه ان يحقق رغباته ومصالحه الشخصية من خلال تطبيقه لها دون التجاوز على حريات الاخرين وحقوقهم .
     للحريات تعريفات كثيرة عرفها بعض المفكرين بان ( الحرية والاختيار قيمة انسانية عليا في ذات الانسان وكذلك هي الخلو من القيود وسيطرة الاخرين ، والحرية هي القدرة على التصرف بارادة طليقة ، والاختيار هو القدرة على الفعل والترك نتيجة لموقف داخلي يقرره الانسان من غير اكراه او تاثير مرغم خارج عن الذات والارادة ، كما عرفها اخرون من خلال ربطهم بين الحرية ومعرفة الخير والشر اذ بينت  كانها القدرة على الفعل والترك الدائرة في ساحة الخير الذي تشخصه المعرفة ، وليس مجرد القدرة على الفعل والترك....كما عرفها اخرون ايضا بانها عبارة عن قدرة المرء على فعل ما يريد ، واخر يرى ان الحرية هي (اطلاق العنان للناس ليحققوا خيرهم بالطريقة التي يرونها طالما كانوا لايحاولون حرمان الغير من مصالحهم ....) ومن جانب سياسي عرفت على انها ( تمكين الافراد من معارضة الحكومة فيما تختص فيه من المجالات ، للحيلولة دون تمادي الحكام وطغيانهم ) ان التمعن والقراءة الواعية للفكر القرآني يكشف لنا ان من الاهداف الاساسية للقران الكريم وهي تحرير الانسان من القيود والظلم ، ليكون حرا طليقا في تحركه وعلاقته مع الله سبحانه وتعالى ومن خلالها يبني علاقاته مع ذاته من جانب والاخرين من ابن جنسه من جانب اخر .
 ان مفهوم الحرية في الاديان السماوية بشكل عام والدين الإسلامي بشكل خاص اخذ حيزا كبيرا من الاهتمام والشمولية في التشريعات الالهيـة ، ان المعادين للدين الإسلامي اتخذوا مـن مفهوم الحرية وفق الانظمة الوضعية وسيلة للنيل من الدين الإسلامي الحنيف ، ان حرية الفرد في المنظور الإسلامي اتم واكمل واروع بكثير مما صوره البعض ضده ، اذا يراها الاسلام فريضة اجتماعية وتكليف ألهي تستند عليها امانة المسؤولية ورسالة استخلاف الله للانسان في ارضه ، ولنعود الى معنى الحرية في النظام الإسلامي لم ترد كلمة الحرية بصورة صريحة في القران الكريم ، ولكن تواتر الكثير من الآياتالقرآنية الكريمة حول مشتقات هذه الكلمة ، مثلا كلمة تحرير في الاية المباركة ( فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) ( النساء : 92 ) ، وجاءت كلمة محررا في الايــة المباركة ( 35 ) من سورة ( ال عمران ) ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ، كما ذكرت كلمة الحر في الاية المباركة ( 178 ) من سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ، كما عرف الحرية الراغب الاصفهاني ( الحر خلاف العبد ورأى ان الحرية ضربان الأول من لم يجير عليه حكم الشيئ نحو ( الحر بالحر ) والثاني من لم تتملكه صفات الذميمة من الحرص على المقتنيات الدنيوية ، والى العبودية التي تكون مضادة حيث اشار النبي الكريم محمد ( ص ) الى ذلك بقوله ( تعس عبد الدرهم وتعس عبد الدينار )، واوضح  الشاعر ذلك من خلال قوله ( ورق ذوي الاطماع رق مخلد ) كما قيل عبد الشهوة اذل من عبد الرق ، والتحرير جعل الانسان حرا كما ذكرت في الايــة المباركة ( 92 ) من سورة النساء (َتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) ، وتدل هذه الاية الكريمة على ان من الأولويات في الدين الإسلامي ، الحرية التي تحتل مكانة مرموقة ، وذهب الاسلام الى اكثر من ذلك حيث مثل الحرية في الحياة في حين مثل الرق الذي هو مضاد للحرية بالموت ، وهناك امثلة كثيرة تناولها البارئ عز وجل لإيضاح المفاهيم الضرورية لتحفيز ادوات الفكر والعقل ففي الاية المباركة ( 75 ) من سورة النحل بين سبحانه وتعالى القيمة العليا لحرية الانسان فقال (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) وهنا نجد ان من يتمتع بالحرية غير الذي سلبت منه ، والحرية في الاسلام كانت من ابرز مقاصد الدين الحنيف ، وعمل على تفنيد مصداقية اي دعوى باسم الشرع وترويج  لسلب حرية اي فرد من افراد المجتمع او التطاول على حريته او تقيدها او التنازل عليها وعمل ايضا على التوصية بالسعي الى تحصيلها ، ومن جانب اخر لايمكن اعتبار الحرية مجرد حق ولايمكنه ايضا ان يتنازل عنها لان ذلك يؤدي بالنتيجة الى تكريس مفهوم الخضوع والطاعة للسلطة المتحكمـة الوجودية ، كما ان من انواع السلطة التي نص عليها القران الكريم وحرر بها المؤمنون هي سلطة الناس وسلطة الحاكم الظالم وسلطة الاباء وسلطة الهوى بأيثار السلامة والخنوع وعدم ترك العمل على تحصيل كرامة الفرد المؤمن في المساواة والحرية ولو استدعى الامر الى اتباع اي وسيلة من الوسائل المشروعة لتحقيق ذلك دون التجاوز على حقوق وحريات الاخرين ، نرى ان مفهوم الحرية كان متجسدا في افعال واقوال المفكرين الإسلاميين من المسلمون الاوائل الى يومنا هذا فنجد ان الخليفة الرابع علي ابن ابي طالب ( ع ) جسد ذلك من خلال مقولته المشهـــورة ( لاتكن عبدا لغيرك وقد خلقك الله حرا ) كذلك الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ( رض ) ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا ) ، كما كانت صرخة الحسين ابن علي مدوية في واقعة الطف اذ يقدم النصح لأعدائه يوم عاشورا فيقول ( ع ) ( كونوا احرارا فـــي دنياكم ) ، وهذه الكلمات مثلت رمزا للتحدي والتحرر من العبودية والانعتاق من الظلم ورفض الاستبداد بكل شكل من اشكاله ، كما اشار ايضا جعفر بن محمد الصادق ( ع ) حيث قال ( خمس خصال من لم يكن فيه شيئ منها لم يكن فيه مستمتع : اولها الوفاء والثانية التدبير والثالثة الحياء والرابعة حسن الخلق والخامسة وهي تجمع هذه الخصال ) . 
     ان العرفانيـــيـــن واهل السلوك كان لهم تعريفا للحرية ايضا فقد عرفت على انهـــا ( انقطاع الخاطر من تعلق ما سوى الله تعالى بالكلية ، اذا فالعبد في مقام الحرية ياتي عليه وقت لايتعلق فيه باي غرض من الاغراض الدنيوية ... ) لذلك فان من واجب الفرد المكلف في الدين الإسلامي السعي للحصول على الحرية بكل ما اوتي من قوة وليس الاكتفاء بذلك ، بل عليه ايضا المحافظة عليها والدفاع عنها ، وان لايسمحلاي شخص التجاوز عليها ، وقد ثبت الاسلام ان على الانسان ان تكون هذه الاعمال واجبة وهو ملزما بالدفاع عن حق وحرية الاخرين وليس حريته وحقوقه فقط ، وتوفير الاجواء المناسبة لممارسة اعماله بحرية كونها حق وهبة من الله للانسانية ولم يكتف الاسلام بتوفير هذه المفاهيم للمسلمين فقط بل ذهب الى اكثر من ذلك ، فعند ظهور الاسلام ونزول القران الكريم كان ذلك بمثابة الرحمة والرأفة الحقيقية للبشرية ، اذ مثل الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم ( ص ) في سورة الانبياء الاية المباركة ( 107 ) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) ، ونرى ان الاسلام اول من بدء بدولة القانون ، يخضع له الحاكم والمحكوم ويمارس الحاكم سلطته وفقا لسنن عليا تحدده ولا يستطيع التجاوز او الخروج عليها ، متمثلة باحكام القران الكريم والسنة النبوية الشريفة وسير العترة الطاهرة ، وواجبات الحاكم حماية الحقوق والحريات لافراد المجتمع ان كانوا مسلمين اوغير ذلك ممن يعيشون في ظل الدولة الإسلامية ومن غير المسلمين ، اذا فالحرية هي تكليف الهي يقع على جانبين اولهما جانب الفرد ذاته والثانية الحرية الاجتماعية ، فقد اتجهت النظرة الى الجانب الأول وفق المنظور الإسلامي متجهة الى النطاق الاجتماعي اي الحرية الجماعية ، وقد جاء الفكر الإسلامي ببعض الحريات الاساسية التي نص عليها وهي :- 
1-  حرية العقيدة والاعتقاد وحرية الاختلاف .
2- حرية السؤال وحرية المجادلة والمناقشة وابداء الآراء .
3- حرية الاجتهاد وواجب الشورى .
4- حق العمل وحق الانسان في المطالبة بتقديم الخدمات له من قبل الدولة .
5- حرية التنقل والانتقال .
6- حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات والنقابات والشركات .
7 – حق الحياة والامن .
8 – سرية المراسلات .
9 – حرمة المسكن .
10 – حرية الدعاء وحق الاجابة .
11 – حق الخطأ وحق المغفرة .
12 – حرية المساواة والعدل .
13 – حرية العيش برفاهية وحق الضمان المالي .
 
 

  

د . مازن حسن الحسني
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/02/26



كتابة تعليق لموضوع :