كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شَخْصِيّة المَعْصُوم فِي الرّواية العَرَبِيّة .. نَمَاذِج مُخْتَارَة


  تعدّ الرّواية العربيّة من أكثر الفنون الأدبيّة سعة وانفتاحاً، وقد قطعت شوطاً كبيراً في السّنوات الأخيرة بعدّها المُتنفس والمنقذ الذي يتيح للأدباء حريّة التّعبير عن الواقع المعيش لتصبح بعد ذلك الدّيوان المُعبّر عن الواقع العام والخاص، الذّاتي والاجتماعي في آن واحد، وقد شهدت الرّواية العربيّة حضوراً لافتاً لشخصيّة المعصوم، فالشخصيّة هي العمود الفقري الذي تستند إليه الرّواية وأكثر العناصر التي تشدّ انتباه المتلقّي؛ إذ تكون الشّخصية مرتبطة بالرواية ارتباطاً عميقاً وثيق الصّلة، فالكاتب لا يستطيع بناء روايته دون الشّخصيات التي تتفاعلُ مع بعضها البعض لتكوّن بؤرة الحدث، وإنّ الرّوائي الجيّد هو الذي يتمكّن من تسخير طاقته كلّها من أجل العمل على إظهار الشّخصية إظهاراً قويّا.
 وقبل الولوج إلى دراسة تمثّلات شخصيّة المَعْصوم في الرّواية لابد أنْ نقف وقفة مختصرة عند تعريف العصمة:
  العصمة في اللّغة المنع، وعصمة الله عبده أنْ يعصمه مما يوبقه، وأنْ يعصمك الله من الشّر أي يدفع عنك، واعتصمت بالله أي امتنعت به من الشّر( ). 
   أمّا في الاصطلاح فتعرّف العصمة على أنّها : "اجتناب المعاصي مع التمكّن منها"( ).
وعند (الشّيخ المفيد) هي "لطف يفعله الله بالمكلّف بحيث يمتنعُ منه وقوع المعصية وترك الطّاعة مع قدرته عليها"( ).
   وقد تمثّلت شخصيّة المعصوم في العديد من الرّوايات العربيّة كما في الّنماذج الآتية: 

"أعد عليهم ما تستطيع من خطبة الحسين (عليه السّلام) حينما ذهب بقدميه وبكامل إرادته إلى الموت... إلى النّصر... إلى الخلود.. اصرخ بهم كما فعل ابن فاطمة الزّهراء وحبيب المصطفى: "خُط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخيّر لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات، بين النّواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوف، وأجربة سُغبا لا محيص عن يوم خُط القلم" ( ) .
   يُجسّد الرّوائي (جمال حسين علي) في رواية (حبّة بغداد) مشهد تعليق (أمارجي) على نصب التّحرير وإحراقه بالكتب التي أنقذها في مهمته لأحياء الذّاكرة العراقيّة بعد إن ظهرت (حبّة بغداد) على جباه أبناء شعبه متسببة في نسيانهم تاريخهم وحضارتهم، إذ يخترع البروفيسور _الرّجل الذي أخفى الروائي اسمه_ ناراً لتكون النّار السّادسة عشر، على غرار النّيران الخمسة عشر المعروفة عند العرب قديماً، إذ توقد لكلّ مناسبة ناراً مُعيّنة، فهناك نار القِرى ونار الحلف ونار السّليم وغيرها، إذ تعمي هذه النّار التي اخترعها البروفيسور عيون الأعداء منتشلاً (أمارجي) من بين الجموع ليذهب الأبطال الثّلاثة (الرجل، أمارجي، والفتاة أمالي) إلى بابل لإعادة الذّاكرة العراقية مجدداً، وهو في هذا النّص يتناص مع قصة إبراهيم (عليه السّلام) في قوله تعالى: ﴿قلنا يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ وفيه يوصي الرّجل (أمارجي) أنْ يستذكر خطبة الإمام الحسين(عليه السّلام) وجهاده وعزمه نحو إعادة القيم للدين الإسلامي، إذ تتمثّل في هذا النّص الدلالة الرّمزية لشخصيّة الإمام الحسين البطوليّة في دفاعه عن الحق عارفاً المصير الذي ينتظره وأهله في كربلاء. 
   ومنه أيضاً توظيف شخصيّة الإمام علي (عليه السّلام):
"انظروا هناك صبي صغير نقلوه من بين دم أبيه وأعضاء أخوته وأقربائه، صبي صغير نقلوه عبر ضراوة الصّحراء وشحّة الماء، وغياب الدّواء، إنّه أصغر مريض، لكنّه باق يقرأ.. إذا أردتم أنْ تعرفوا من هو .. فهو حفيد إمامكم علي بن أبي طالب".( ).
في روايته (رأس الحسين) يسعى الرّوائي البحريني (عبد الله خليفة) لإظهار المظلوميّة التي تعرّض لها أهل البيت (عليهم السّلام)، إذ تبدأ أحداث الرّواية من فصل الرّأس الشّريف في كربلاء حتّى وصوله إلى دمشق وتدور أحداث الرّواية بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويدمج فيها الرّوائي بين الواقع والخيال الرّمزي، ويعد الرّأس الشّريف محور الحدث في الرّواية، وفي هذا النّص تتمثّل شخصيّة الطّفل الرّضيع التي يعرضها (حمزة) وهو شخصيّة خياليّة من ابتكار الرّوائي يعمل مهرّجاً في قصر الخليفة قادته أطماعه للمشاركة في قتل الإمام الحسين(عليه السّلام) في كربلاء، وهو صورة للذات المخذولة بالوعود المُزيّفة فيأخذ طريقاً آخراً ليكشف عمق الجريمة التي لحقت بآل البيت (عليهم السّلام)، وعن طريق هذه الشّخصية المعتوهة يُعرّض الرّوائي بأعداء آل البيت عن طريق تجسيد شخصية الإمام علي (عليه السّلام) الذي خصّ بالولاية والتكريم مذكراً إياهم بمقامه الشّريف إذ تفضح شخصيّة (حمزة) ذلك الجرم العظيم وليصبح دم الطّفل الرّضيع وفق تعبير الرّوائي (لكنه باق يقرأ) صوتاً صارخاً مستمراً ورمزاً للأطفال الأبرياء في كلّ زمان ومكان،  وهو تناص غير مباشر مع مقولة (كلّ أرضٍ كربلاء وكلّ يومٍ عاشوراء) إذ تتغيّر المُسميات عبر العصور لكنّ جوهر القضيّة واحد.
   ومنه ما ورد في رواية (صهر البابا، للروائي رامي هارطة):
أرجو الاهتمام بقضيّة السّيد علي أكبر ابنه موقوف بتهمة اجتياز الحدود وهي قضيّة سهلة، والأهم من ذلك رسالتي إلى سيدي ومولاي الحسين(عليه السّلام) والتي يتوجّب عليك وضعها في شباك قبره الشّريف، لكن عليك أنْ تضعها في يوم زيارة الأربعين وأن تصل إلى كربلاء مشياً على الأقدام، أعرف أنّ ذلك مجهد وربّما تكون قدراتك قد ضعفت، أنت الآخر لم تعد شاباً لقد ناشتك مقدرات الدّهر، لكن يجب أنْ تصل حاملاً رسالتي إلى سيدي الحسين بن علي ماشياً أسوة بالآخرين ومن مسافة مناسبة تستحق فيها الأجر والثّواب، فإن خذلتك قدراتك وصعب الأمر عليك أعد الرّسالة للسيد علي أكبر، وإنْ احترمت رغبتي ورجائي وقبلت تكليفي فلا تقرأ الرّسالة ولا تفتحها، ضعها هناك عند رأسه الشّريف، ليطلع على مظلوميتي، مظلوميتنا وشقائنا المُر"( ).
    في رواية (صهر البابا) يعمد الرّوائي على إظهار أهمّية مدينة كربلاء في استقرار نفسية الأبطال ويظهر ذلك عن طريق شخصيّة الدّكتور (حسين منتظري) أستاذ الحقوق وهو حاصل على شهادة الدّكتوراه من جامعة السّوربون ورسالته إلى مهدي المحامي، إذ يعرض هذا الرّجل مظلوميّته لسيد الشّهداء (عليه السّلام) ويظهر التّعلّق الشّديد بمدينة كربلاء المُقدّسة في تفريج الكربة وعدّها الملاذ وموطن تحقيق الأحلام ونيل الغايات، إذ تشكّل المدينة ملجأ للفرار والخلاص من الاغتراب والبؤس. فالإمام الحسين(عليه السّلام) رمز الطّهارة والصّفاء وفي قبره الشّريف خلاصاً للهموم وقد أتى به الرّوائي ليكون مقابلاً لسلبيات الحياة وضيقها، فالمكان هنا حضر لمُهمّة وظيفيّة وهي إظهار سلبيات الحياة فالضد لا يظهره إلا الضّد، وهنا يتبدّى النّسق الثقافي الدّيني في العقليّة الرّوائية حيث تقديس مدينة  كربلاء فهي تمثّل عند الرّوائي ملجأ ومهرباً من الهموم.

601922d78104b1.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!