كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

(تأملات في كتاب المصابيح لسماحة السيد احمد الصافي) ٨٢

 كل معرفة إنسانية تشمل حياة الإنسان وبيئته الاجتماعية لا بد أن تكون على صلة بعلم النفس كونه يدرس سمات الإنسان بما يحمل من ذكاء وإبداع وعبقرية وثقافة وإيمان، طريقة تعامله مع المطالب المادية، وطريقة الاكتساب والانتفاع وعمليتي الإنفاق وموارده، وكلما انفتح الإنسان على العلم اقترب من مدرسة أهل البيت "عليهم السلام" ومعالجتهم للكثير من الأمور الإنسانية ذات الأثر النفسي.
الإنسان مجبول على حب الأشياء المادية، وعلى ضغط الغرائز عليه، ومدرسة أهل البيت "سلام الله عليهم" سعت إلى توجيه الإنسان للمنفعة من المال في الدنيا، وكسب المثوبة في الآخرة.
معالجات وضعها الإسلام تواكب الحياة، لم يرفض المال بما هو مال، لكنه ينظر إلى سلامة هذا الإنسان من موارد الحرمات، والحذر من النقص المعرفي العلمي وضعف الفهم، والإدراك يقود الإنسان إلى أن يستسيغ موارد الحرام، ويضع لنفسه تبريرات القبول، إن عليه معرفة كيف يمول آخرته بالعمل الصالح عن طريق البذل والعطاء، وتحصين مصدر الرزق، وأن يدرك معنى عزة النفس، وهي أن لا يحتاج إلى لئام الناس، لهذا يعلمنا إمامنا "عليه السلام" كيف نتخلص من موارد الحرمات، أقف أمام جملة مواكبة الحياة التي ركز عليها سماحة السيد أحمد الصافي، أجد أن المشاكل الاجتماعية التي خلفت الكثير من الأزمات أخذت المجتمع إلى دهاليز الأمراض النفسية، ليقع الإنسان ضحية الجشع والطمع والربح السريع والرشوة والسرقة، لهذا كانت مواكبة الحياة عند منهج أهل البيت "عليهم السلام" عبارة عن قيم لها القدرة على استيعاب جميع المشاكل الموجودة في العالم، فردية أو اجتماعية.
مشاكل اجتماعية كبرى حتى في مسألة الحكومات، كنظرية ومذهب اقتصادي وأفكار اقتصادية، يعتبر سعيها السلوكي عملية متواصلة كعلاج نفسي.
طلب المال من قبل الإمام السجاد "عليه السلام"، يذهب لمنحى سلوكي دنيوي، المادة تنظم شؤون الحياة، ويذهب لمنحى سلوكي أخروي، المال يعين الإنسان يوم القيامة، كثير من العقوبات تتدارك بالمال، مثل الكفارات، والكثير منها حلها دنيوي عن طريق البذل، وتحصين الإنسان من فتن الدنيا، قال النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" (حب الدنيا راس كل خطيئة)، السلوك يتجدد بفعل العوامل البيئية، كالعامل الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والديني، الإمام "عليه السلام" ينظر إلى التخلص من الارتباط الحسي المادي، لا بد من ضبط الإنسان لذاته باستخدام المبادئ والقيم التي فرضها الإسلام على المسلم من ضرائب مالية، بعض العبادات جعلها الله سبحانه وتعالى تحتاج إلى المؤونة المالية، تسقط الفريضة دونها كالحج في مسألة الاستطاعة.
سؤال مهم يسأله سماحة السيد أحمد الصافي، هل يعقل أن الله تبارك وتعالى يترك الإنسان يخطط الأمور المالية بلا تدخل منه؟!
هذا غير صحيح، بعض الأنظمة الوضعية تحدد ضوابط المحصلة المالية أيضا، و قيمة المال ليس في مقدار ما يكسب، وإنما في كيفية الكسب ومقدار ما ننفق ومقدار ما يعيننا المال على التخلص من مشاكل كبيرة، ويرى أن منهج أهل البيت "عليهم السلام" يتخذ المنهج العلمي الإنساني.
الإنسان لا يعيش في فراغ وإنما يعيش بين الناس وهناك حاجات ومتطلبات، الإمام السجاد عليه السلام ينظم الوضع المالي، الإنسان لا يعرف ما ينتظره إذا تعامل بمعاملات ربوية والمعاملات الربوية تضرب أطنابها في كل زوايا حياتنا، والسبب هو الجرأة على الله سبحانه وتعالى. 
اهتمام منهج أهل البيت "عليهم السلام" بالسلوك جعل الإنسان محورا للاهتمام، الهدف راحه الإنسان وزيادة إنسانيته 
أربع مرتكزات مهمة حملتها قراءة سماحة السيد أحمد الصافي، وهذه المرتكزات تجيب على جميع الأسئلة وتحل جميع الإشكالات، وتفسر لنا أغلب الظواهر بفهم عميق
 ***
(المرتكز الأول)
لا توجد أي حاجة اقتصادية تبرر أن يرتطم الإنسان بالربا، والمعروف أن الارتطام تعني السقوط، التهالك، والربا من الكبائر في الإسلام، وهو محرم شرعا، يسبب الأثار الاقتصادية السلبية والمشاكل الأخلاقية، فهو يزيد من التضخيم، ويؤدي إلى ارتفاع التكاليف الإنتاجية، وعلى التاجر أن يتفقه في الدين ويطلع على الروايات السلوكية التي تحرم الربا.
 ***
(المرتكز الثاني)
معاملة الربا تدار من قبل بعض الناس ممن يصلون ويظهرون الصلاح، وهذا ليس مقياسا، لان الصلاة قد تكون عادة، اذا تركها استوحش فالصلاة قد يتعود الإنسان عليها وتخرج الكلمات بلا تدبر، فهو يصلي، ولكنه يفكر في مشاكل دنيوية، ثم بعد الصلاة ينقض على المعاملات الربوية
***
 (المرتكز الثالث)
يقول الإمام السجاد "عليه السلام" (واكفني مؤونة الاكتساب وارزقني من غير احتساب)

لا يريد الإمام "عليه السلام" أن يتحول للاكتساب من وسيلة إلى غاية تحجب الإنسان عن بقية الغايات، اختبار الدعاء المؤثر إيجابا، الله سبحانه وتعالى في كتابه يقول (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، أسباب اختلاف الرزق ما وراء العزم وما وراء النية.
والرزق حالة من حالات السعي، ولتهيئة أسباب الرزق هناك حالات لا يعرفها الإنسان وإنما مرهونة بأسبابها وبعللها، إن الذي يعلم بصالح الإنسان ومفاسده هو الله سبحانه وتعالى، عملية الرزق عملية تربوية تعلمنا تربينا تهذبنا من خلال الأرزاق.
قد يصلح الرزق اليسير وقد يفسد الرزق الواسع، عملية الأرزاق لا يعلمها إلا الله، الله سبحانه وتعالى هو الرازق، الجزء الكبير من مشاكل الإنسان تنحصر في الطلب المادي، نزاعات وحروب وقتل ومحاكم مدنية تضج المسائل المادية، الطواغيت يستأجرون القتلة بحفنة من المال قتلة الأنبياء والأولياء، وقتلة الحسين قتلوا الحسين "عليه السلام" من أجل المال
***
 (المرتكز الرابع)
الزهد ورباطة الجأش
الزهد من مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، والزهد (عدم الرغبة) سجية في النفس تتجنب ملاذ الدنيا، وجميع أئمتنا عليهم السلام كانوا في غاية الزهد، ربوا المجتمع الإنساني على منهج خاص لا يرتبط بالماديات، لذلك عدوا لنا شخصيات ألِفوا الزهد وتساموا به، الإنسان المتعطش للمادة والربح الحرام لو تأتيه بعشرين موعظة يجعل في أذنيه وقرا، ولا يسمع منك شيئا، والإنسان الذي له عزم ونيه صادقة سينزع كل هذه القيود عن نفسه، ويتجه إلى الطريق الصحيح الذي اختاره لنفسه بمعونة الله سبحانه وتعالى .

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!