ونحن نعيش ايام الانتخابات آلية التداول السلمي في العراق الجديد، الحق الذي حرمناه طيلة سنوات عمرنا قبل 2003..
تعود بي الذاكرة إلى عام 1994، يوم قرّر الطاغية صدام أن يُقيم استفتاءً على شخصه، استفتاءً صُوِّر على أنه “انتخاب الرئيس”، فيما كان في الحقيقة مسرحية فجة يُراد بها تلميع وجهه الأسود، ونعته المتملقون ب(يوم الزحف الكبير)وقد اوهموا طاغيتهم انه القائد الضرورة وحبيب العراقيين وسيزحفون آلافا لاختياره !
في كل المدارس تواجدت لجان البعثيين وهم يرتدون زيا زيتونيا طالما أرعبوا الناس بهيئتهم هذه .
ووزّعت أوراق الاقتراع على الناس، تتأرجح بين كلمتين لا ثالث لهما: نعم أو لا، مكتوبتان بذات الورقة ! لكن الجميع كانوا يعلمون أنّ الإجابة قد حُسمت سلفًا، وأنّ كل الأصوات مكرهة على أن تهمس بـ”نعم” وان كانت كل جوارحهم تصرخ ب "لا" ، وأشرّت الأكف المرتجفة من بطشهم على نعم وهم يرمقونهم بأعين وقحة باعت كل قيمة للانسانية .
المشاركة كانت إلزامية، والتهديدات تملأ الأجواء:
واشاع الرفاق الهلع بين الناس وان من يتخلّف عن الحضور تُقطع عنه البطاقة التموينية مصدر الثوت الوحيد، وربما يُعتقل أو يُلاحق ولن يضيع عنهم وان نزح الى المحافظات !!
في ذلك الوقت، رفض زوجي أن نشارك في هذه المهزلة ووافقته الرأي بكل تحدٍ، رغم توسلات أهلنا وأقاربنا الذين كانوا يقولون بخوفٍ صادق وعطف شديد:
“لخاطر أطفالكم، لا تعاندوا البعثيين…اذهبوا حالكم حال الناس”
لكنّ جوابنا كان حاسمًا:
“لن نشارك في لعبة يريد بها صدام أن يجمّل وجهه القبيح بالزيف.”
كنا نستأجر بيتًا صغيرًا نشارك السكن فيه مع امرأة مسنّة طيبة من أقارب زوجي، وكانت تتوسل إلينا كل مساء أن نلين، خشيةً علينا من بطش السلطة، وتندهش من ردودنا ومحاولتنا اقناعها ان لا تصوت هي الاخرى ..
بقينا ثابتيَن على موقفنا، مؤمنَين أنّ الصمت في وجه الظلم خيانة، وأنّ الخوف لا يصنع كرامة، كنا مستعدَين لأي رد فعل من ازلام البعث فهم لن يضيفوا جديدا من ممارساتهم القمعية بحق عوائلنا وقد قدمت خيرة الشباب المؤمن شهداءً لاعلاء كلمة الله ..
ولم يحدث شيء من تهديداتهم الجبانة،
كنا نعلم أننا سننتصر وانتصرنا.
انتصارنا لم يكن صاخبًا، بل هادئًا، يشبه همس الضمير حين ينتصر على الخوف، لكنه أعاد لذواتنا نبضا ثوريا اراد البعثيون اطفاء جذوته بهمجيتهم المعهودة.. نعم كانت وقفة تحد ما أحوجنا اليها في اجواء الحصار والخوف والاذعان ..تنفسنا فيها عبق الكرامة التي دأب البعثيون على سحقها اينما تواجدوا .
لقد وقفنا، نحنُ الأفراد العزّل، في وجه سلطانٍ جائر، لا نملك إلا كلمة حقٍّ وإيمانًا بقضيتنا العادلة.
والحمد لله، قاصم الجبارين، الذي لا يُبقي لظالمٍ عرشًا ولا لجبروتٍ أثرًا..
ختاما اقول :
الانتخاب حق وواجب .. حق لمن يحمل الجنسية العراقية وأداته الوحيدة في التغيير، وواجب على كل مواطن صالح يشعر باهمية دوره في التغيير والدفع بعجلة وطنه الى التقدم .
قد لا يعرف العراقي ان الكثير من الدول العربية والاقليمية لا تتمتع بهكذا حق ..فلا يزهدّن أحدنا بهذه النعمة وهي ثمن تضحيات جسيمة وقوافل شهداء زحزحت بدمائها عرش الطاغوت بعد ان جثم عقدا طوالا على صدر عراقنا الحبيب .


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!