عندما يعمل المبدع على فكرة أو لمحة حياتية بأسلوب الخاطرة، بعيدًا عن المقالةـ أسلوبها سلس لا يحتاج إلى أسانيد ولا حجج ولا مرجعيات - ويظهر في مجموعة ( قناديل) للكاتبة منتهى محسن مدى تأثرها بأسلوب الخاطرة كفن أدبي ،وعبرت عما يخطر في بالها ويثير مشاعرها، وهذا النوع من الكتابة يحتاج إلى الذكاء وقوة الملاحظة ويقظة وجدان، والبحث في أدق الأشياء بما تمتلك من دلالات كبيرة على حياة الإنسان. والكاتبة (منتهى محسن) قدمت لنا القناديل(في دهاليز المحن ومعترك الحياة، وفي مرارة الدنيا وشظف العيش، وفي وحشة الروح وتخبط الرؤى والأفكار لابد من قناديل تضيء العتمة هنا وهناك). على الرغم من وجود تحديدات قسرية على فن الخاطرة فصفته بعض الآراء السلبية ، فترى أن الخاطرة لا تناقش موضوعًا ولا تصدر عن فكرة في ذهن كاتبها ولا تطرح وجهة نظر، إلا أن الكاتبة (منتهى محسن) تجاوزت هذه التعريفات النمطية وأضاءت قناديلها دروب العتمة . كما عبر عنها الكاتب والناقد والمخرج محمد الميالي في مقدمته (القناديل دلائل وبوصلات في منحنيات الحياة/بعثت رسائل عند كل محطة تؤثر وتتأثر)طرح الميالي في مقدمته رؤى فلسفية تدرك سر وجودنا لنتصالح مع الذات ، واستذكر ظواهر من الومض التعبيري (أنا وأنت من أديم واحد،انزل حتى يكبر حجم الصورة، وتكلم حتى أراك أنا وأنت نظيران/ أريدك كما أنت ، بلون الأرض كالماء بلا أضافة كي لا يبطل وضوء الحياة).
انتقلت الخاطرة عند الكاتبة منتهى من صناعة الموقف الى إثارة الذهن، فيها من الشعر و وحدة الشعور وعمق النظرة. ففي فاعلية غبش الصبح اندلاع كل صباح تموج الامنيات في قلوب الصادقين (غبش الصباح) السطور تكتظ بالصور المستوحاة من أرض الواقع، وتنغمس في تفاصيل الحياة الطبيعية، وقدمت في مسعاها التعريفي بأسلوب تجاوز فنون المقال واساليب القص والرسالة والقصيدة.
وانطلقت نصوصها إلى عوالم حرة تميزت بالإيجاز والبلاغة واللغة الناضجة بقوة بلاغتها ،أبعدت القناديل عن المقالة بانفعالات خاصة وليس فيها أي تقريرية أو قول مكرر ومختصر بعبارات مركزة، صور جمالية لا مجال لها لتغفو على السردية النمطية بل إلى الفلسفة بقوة الواقع.
تقول(على الرغم من كل الأنين والوجع وظلمة الليل الطويل ، فالنهار يطل في وقته المحدد كل يوم). وجمل فلسفية عالية القيمة تقول (لا نعد مرات السقوط؛ لكننا نتشبث بلحظة الوقوف والثبات ثم الانطلاق).
وتعتمد الكاتبة آلية الوصف لنقل الواقع المادي إلى واقع حسي يمنح المنجز تماسك وجمالية وبيان ، ( يحل الضياء فتنقشع الظلمة وتتسلل أشعة الشمس الخلابة، تنثر أشعتها على أرجاء الحياة؛ ليصحو من على الأرض جميعًا ويتعبأ الوجود لخوض غمار يوم جديد) . واستخدمت آلية الاستفهام بغير معناها التقليدي، اضمن سياق الخاطرة، كأداة للتعبير عن تساؤلات الكاتب ومشاعره ورؤاه وبعض من تلك الاستفهامات تذهب إلى الاشتغال النفسي الوجداني فتسأل (ترى هل تنقضي بالطاعة والإيمان أم تندرج تحت بند المعصية والآثام؟)
(من يفكر في محسوبه كما يفكر في مأكوله) تحدثنا عن(أبو حسين)بائع الفواكه وحكايات أخرى لها ارتباط اجتماعي وديني وثقافي، وعملت على خطاب الوعظ المباشر وهو عبارة عن حكمة أو نصيحة أو عبرة توظف لتوجيه المتلقي نحو فكرة أخلاقية أو روحية (إلى أي مدى نحن غارقون ومقصرون في رد جميل خالق الأكوان) وتشتغل جمل الوعظ في الأسف والندم والحزن (وآسفاه تنقضي ساعات هذا النهار المشرق الوضاء وعباد الله يغرقون في متع الحياة وينسون بارئهم رب الإنس والجان).
وبعض القناديل تعمل على المرتكز القرآني كتهيئة القلب والعقل لاستقبال كلام الله بقلب حاضر ووعي مفكر وبعمق يوسع المساحة التأثيرية ويعزز خشوع القلب، آيات بيانات تظهر في متونها عظمة الخالق تتجلى في ملكوت قدسيته وهيبته، وهذا الاشتغال الوجداني والفكري يضيف إلى الخاطرة الصلة الوثيقة بالهوية ،استثمار أدب الدعاء ولحظات التفكر والتضرع إلى الله والأدعية المأثورة لإصلاح الحال وهو من المجالات الواعية لخلق المؤثر الشعوري (اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك فاسمع يا سميع مدحتي)
ويعد النقاد الخاطرة ثروة فكرية إنسانية لقربها الوجداني من الناس، وكان طه حسين يقدم عبر الخاطرة انطباعاته وقراءاته النقدية والكثير من الأدباء والشعراء والمفكرين اعتنوا بأدب الخاطرة أمثال دوستويفسكي صاحب الباع الطويل في كتابة الخاطرة واليوم تفعلها (منتهى محسن) لتقدم الموعظة والعبرة وتنهل من فكر أهل البيت المعصومين عليهم السلام، وتستمد من البلاغة أسلوب الانزياح وكتابة الأمثال لتراث شعبي و حكايات وعظ وإرشاد وتفسيرات حكيمة ، يمثل أدب الخاطرة عندها مع الدرس التنموي وهي صاحبة اختصاص فيه، فكتبت في (نماء) عن الكلمة الطيبة وعن الإحباط واحترام الذات والتفاؤل والأمل وأسس الصداقة ومجموعة من المواضيع، قدمت لنا ومضات فكرية محملة بمشاعر الكاتب فكانت قناديل مضيئة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!