عندما تحدث المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك، عن الدور الذي أوكله رئيسه دونالد ترامب للنظام السوري الجديد، لم يخفي عن وجهه ملامح ارتياح ورضا، عما توصلت إليه سياسة بلاده الخبيثة، من إعادة تدوير صناعتها في مجال الإرهاب، لتحويلها اليوم إلى فصيلة أخرى من إرهاب متلون بألوان مشروع أبراهام، استحدث رئيسه دونالد ترامب، كمخرج وحل مرتجى لقاعدتهم المزروعة في قلب بلادنا الإسلامية، من شأنها أن تأمن فيه من كل غائبة تتهددها، وقد بدأ التمهيد له بنسج ملامحه الاجرامية في مرحلة أولى، بعد سقوط النظام السوري، حيث شنت الفصائل المستولية على الحكم، سلسلة أعمال قتل وتهجير قسري، بداية من الساحل إلى السويداء، تحت مبرر تتبع فلول النظام البائد، وهو مبرر لا أساس له واقعا، كان بالإمكان تفادي تلك الأعمال الإنتقامية الإجرامية، لو كان هناك عقلاء يمنعون أتباعهم القيام بها، وهي جميعها جرائم حرب لا يجب أن تمر من دون محاسبة مرتكبيها، بعد توثيق ما أمكن توثيقه منها، وقد فاقت وحشيتها حدود التصور.
يمكن القول بأن الخطة الأولى التي تلت سيطرة تلك الجماعات على مفاصل الدولة السورية، تمثلت في خلق مناخ من العداوة والكراهية بين مكونات الشعب السوري، ليكون بعد ذلك قابلا للتقسيم، ومهيئا لفصل طائفي، تصعب معالجته مستقبلا، بعد فقدان السلم الإجتماعي الذي كان سائدا من قبل، هكذا إذا يكون الوضع السوري الجديد، ملائما لسيطرة إسرائيل الكاملة على ما تريد من البلاد والعباد، وهو الذي تحقق سريعا، حيث توغلت قواتها في عمق الجنوب، وباتت مسيطرة على أجزاء جديدة مهمة منه، ولم تكن مئات الغارات الجوية التي نفذتها طائراتها الحربية، سوى تمهيد لبسط هيمنتها الكاملة على سوريا، فهي تدخل ضمن مخطط إسرائيل الكبرى، والشرق الأوسط الجديد، وهو تحديدا مشروع أبراهام الصهيوني الذي يريد الرئيس الأمريكي تنفيذه، فيكون قدم خدمة لا تقدر بثمن لأعضاء الانسانية، لا تقارن بشيء من تاريخ نشأة اسرائيل، من وعد بلفور إلى خيانات الأنظمة العربية التي استتبعت ذلك.
عراب المنطقة توم براك صرح بلسان الواثق من نفسه، أن الحكومة السورية ستقوم بمساعدتنا ( امريكا و إسرائيل)، في مواجهة وتفكيك حماس، والحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني. وهي المكافأة التي سيقدمها النظام السوري الجديد، مقابل ما هيأت له أمريكا وتركيا وإسرائيل، من أسباب بسط نفوذ الجماعات التكفيرية المسلحة على الحكم في بلاد الشام.
من هذا التصريح الأمريكي نستشف توزيع الأدوار والمهمات للمرحلة القادمة، ولا أخال الإتفاق المبرم جاء متأخرا، بل أرجح أنه متفق عليه منذ سنوات، عندما كانت هذه الجماعات تنعم بحماية الدولة التركية، على طول حدودها الجنوبية، إلى محافظة إدلب وريفها.
وحسب ما جاء في كلام المبعوث الأمريكي، فإن استشرافنا لما قد يصدر مستقبلا من النظام السوري كان أقرب للحصول من الإستبعاد منه، قبل أن تنفتح لقادتهم الأبواب الخلفية للبيت الأبيض، في معرة لم تحصل من قبل لأي وفد رسمي آخر، فيدخلون منها دخول الخدم، بدل برتوكول الاستقبال الرسمي، ليتلقوا أوامر ترامب وإن كانت خلاف وطنهم ودينهم، ويعودوا من هناك إلى سوريا فرحين بما أتاهم من عطور، ليست من عادة ترامب القيام بها، ولكن الذي فعله كان إشارة منه، على أنه راض على هؤلاء الذين استقدمهم إليه، ليفرض عليهم منطقه الأرعن، ويقابلون أوامره بالاذعان والتنفيذ، طالما أن شطب أسماء القادة السوريين الجدد من قائمة الإرهاب الأمريكية له ثمنه، وكل بحسب التقدير والخدمة المقدمة.
يمكن الجزم بالقول أن المنطقة بأسرها تتهيأ لمواجهة مرتقبة تقودها أمريكا، بهدف تهيئة الأجواء لتمدد اسرائيل جغرافيا، وبسط نفوذها سياسيا واقتصاديا على المنطقة بأسرها، والامريكان مدركون تماما أن الحكومة اللبنانية ليس بمقدورها نزع سلاح حزب الله، لذلك رأوا أن اسناد هذه المهمة للنظام السوري سيكون بمثابة تجربة جديدة قد تنجح، في صورة وجود تعاون بين الأطراف التي تريد نزع سلاح المقاومة، سواء أكان بلبنان أم بغزة، فما عجزت عليه أمريكا وإسرائيل بالقوة، قد تنجح فيه بالوكالة والحيلة.
ولا أخال أمريكا بتاريخها العدواني السيء الذكر ناسية ما حصل لجنودها ذات يوم في بيروت، عندما خرج منها من بقي من جنودها أحياء يحملون جثث 285 من أصحابهم، يجرون أذيال الخيبة، بعد التفجير الكبير الذي تعرض له مقر إقامتهم، لقد كان يوما أسود على الأمريكان، علا فيه صراخ من بقي حيا منهم في بيروت، حتى كاد يسمع في قبرص، وتلاه عجز اسرائيلي وخسارة أخرى، تمثلت في سقوط عشرات الجنود الصهاينة بين قتيل وجريح، في تفجير طير عقول قادة الغرب، وأوقفهم عند قناعة أنهم يواجهون رجالا يتسابقون إلى الموت، بقلوب مفعلة بالأمل والثقة بالله، أكبر من تنافسهم على شيء آخر، هؤلاء الذين سيصنعون مجد هذه الأمة.
إن ما جرى في سوريا ليس كما يعتبره خالد مشعل ثورة من شأنها أن تكون بشارة ومقدمة لتحرير القدس وغزة وسائر فلسطين، وإنما هي تفاهمات بين تركيا وأمريكا وإسرائيل، أزاحوا به نظام ممانع ومقاوم لوجود الإسرائيلي، ليحل محله نظام منبطح متواطؤ، يفتخر بأنه تلقى ضربات جوية عديدة وتوغلات برية دون أن يحرك ساكنا، زيارة الرئيس السوري الحالي لامريكا جاءت من أجل تأكيده مع وفده المرافق أنهم طوع أمر البيت الأبيض، وفي تصريح له عبر وزير خارجيته عن ذلك الانبطاح جاء قوله متطابقة للخطة الأمريكية: أن بلاده لم تخرج طلقة واحدة من سوريا تجاه العدو الصهيوني، وأكرم بها من إشارة دلت على أن ما جرة قي سوريا، لم يكن سوى مؤامرة خسيسة على الأمة بأسرها، وليس على فلسطين وحدها.
ما هو متوقع في المرحلة القادمة تحريض على ايران وحلف مقاومتها وتحميلهم مسؤولية ما جرى خلال ثلاثة عشرة عاما على الأراضي السورية، كمقدمة لشن حرب على حزب الله من الجانب الغربي للحدود السورية اللبنانية، تتهيأ فيها الفرصة للقوات الصهيونية لشن هجوم بري على الجنوب اللبناني، وقد لا تتوقف عند حدود جنوب نهر الليطاني طالما أن خارطة اسرائيل سيوسعها النظام السوري الجديد، ويكون بذلك قفز أشواط على عمالة دويلات الخليج وكسب ودا امريكيا صهيونيا غربي سيعود عليه برفع العقوبات مع تمام رضا أعداء الله ورسوله.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!