تعرّضت مدينتي العزيزة الناصرية، ولا زالت، فهي تواجه العديد من الهجمات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وصارت هدفاً أمام الكثير من المفاهيم الثقافية والسلوكية الدخيلة، وتقف صامدة بوجه جمّ غفير من المعتقدات والأفكار المنحرفة، وتتحمل الغزوات العدائية ذات الكثرة المتكاثرة، فلا تكاد تخلو يوماً من الأيام من الاعتداءات المتتالية التي تشاطرها شياطين الجن والانس.
كلّ تلك المحاولات والعمليات الهجومية، والاجتياحات الضاربة والمتكررة، والمداهمات الشاذة والزائغة، ولم تترك منفذاً ولا جحراً إلاّ وسلكته، مستفيدة من القوتين: الخشنة والناعمة، فلم تؤتي أكلها، ولم تحقق مآربها، ولم تجني ثمارها، وفشلت فشلاً ذريعاً.
في ثمانينيات القرن الماضي والبعث بقوته الفتّاكة، وسياط جلاديه آخذة بالعنف الذي لا يرحم أحداً، وفوهات بنادقه ومدافعه موجهة صوب المؤمنين خاصة وغير الموالين له عامة، وقرارات المنع الشديد لمجالس العزاء الحسيني، كانت آخذة بالبطش والتقتيل.
فكانت الناصرية عصيّة على قراراته الخرقاء، ورصاصاته القاتلة، ولم يأبه أبناؤها آنذاك بأن يكونوا عرضة لفتك القتلة والجبارين، أو يقضوا أيام شبابهم خلف القضبان الحديدية. نعم، رغم القساوة والفظاظة، والفتك والصرامة، لم يتركوا مجالس العزاء ، بل قابلوها ببأس شديد، وقوة الشخصية، وصلابة الموقف، والمتانة المرتبطة بقوة القلب. وفيما أتخطر : أنّ والدتي رحمها الله تعالى كانت تترك الهاتف مفتوحاً لأختها كي تستمع للمقتل العاشورائي؛ لأنّ خالتي كانت في محافظة أخرى وقد حُرموا من إقامة العزاء.
وأكاد أُجزم بأنّ ما قدمه أبناؤها من تضحيات كبيرة فيما يتعلق بصدّ ومنازلة الأفكار الخبيثة ومحاربة ومضاربة الانحرافات الشيطانية، يعدّ في طليعة أهل الأرض. وأمّا مقارعة الديكتاتورية فقد كلفت النظام البعثي الكافر ما يفوق الخيال والوصف، وترابها خير شاهد على ذلك.
وحد القطع أقول: إنّ الانتفاضة الشعبانية انطلقت من جنوب مدينتي، وحينها كنت مع مجموعة من شبابها ندفع بالموت بأيدٍ خالية، وقطع خضراء اللون صغيرة شُدت على الجباه البريئة، تدلل على الولاء والانتماء العلوي الطاهر .
وأقول للأخوة الكرام الذين تأسفوا وتألموا لما جرى ( وأترفع عن ذكره)، جزيتم خيراً ولكم الأجر والثواب، فهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وأبعث برسالة اطمئنانٍ لجميع المؤمنين والمؤمنات والمحبين الذين يشعرون بالخوف من المجهول وقادم الأيام: إعلموا إنّ أبناء الناصرية لهم من الإدراك والفهم والوعي ما لو قُسّم على شعوبٍ لكفاهم، ولهم الجذور الطيبة الغابرة في زمن سحيق، والفروع السامقة الممتدة إلى اللحظات الأولى من تاريخ البشرية، ويتمتعون بالفطنة الممتزجة بالعفة، ويتنعمون بالكياسة المخلوطة بالحياء والشجاعة، ويحظون بالحصافة المتشعبة من التعفف والرزانة، بتكاتف لا يلين كحال القصب والبردي في أهوارها، ما أن يشم رائحة الماء فتراه مرتفعاً ملحوظاً، ويمتلكون مجالس عزّ وفخر ، أنجبت رجال شرف وأصالة وجهاد، وقد التصقت بهم الحكمة والعقل والروح الطيبة والنفس البريئة، الممتدة من جهاد أجدادهم بين يدي ساداتهم الأئمة الطاهرين عليهم السلام، وابائهم المضحين في ثورة العشرين، ولا زال تل اللحم من الشاهدين.
وأمّا في فتوى الدفاع الكفائي فيمكن للقاصي والداني أن يسأل الأعداء قبل الأصدقاء عن مواقف أبناء الناصرية العظيمة.
ومع ما تمتلكه الناصرية من دروع كافية، ودفاعات مقاومٍ مستميت، فقد نهضت مدينتي الجميلة من جميع المطبات والحفر الانسية، والمآرب الابليسية، سليمة تضمد جراحها، لتقف قوية كالعملاق بوجه القزِم، لا تأبه لأصوات النشاز التي تصدر من هنا ومن هناك، ولا تكتفي عند هذا الحد، إنّها ستمُد غيرها بالكرم الجنوبي، وتتعقبه كلمات الترحيب والتبجيل والحفاوة.
فإن جُرحت لحظة ما، سوف تستقيم وتقف كالمارد العاتي، وتستنهضها أرضها الطيبة مخاطبة لها: قومي على بركة اللّه تعالى، كما خاطبت أمير المؤمنين عليه السّلام: منصور يا أبا الحسن.


التعليقات
يوجد 1 تعليق على هذا المقال.
خادم المذهب
ان شاء الله تعالى نراك مرجعاً من المراجع الدين.