كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 الاشتغال القرآني في.  الجزائر يادة للشَّاعر عبد العزيز شبِّين.

اتَّسعت المساحة النقدية بأسماء مهمة لدراسة إليادة الجزائر الثانية للشاعر عبد العزيز شبِّين،
للجزائريين أربع  الياذات مهمَّة منها التي اشتهرت في سبعينيات القرن الماضي تمثل عند الجزائريين ملحمة شعرية فريدة، وتعاملوا معها على مدى نصف قرن، وكان يحتفى بها في جميع المناسبات الوطنية، والمحيِّر في الأمر أنَّ لا ذكر لمؤسس الإلياذة الأولى في الجزائر وهو المجاهد (عيسى دهان) الذي توفى 1977 م، أي قبل إليادة مفدي وقد تجاوزت الستمائة بيت، واسمها الملحمة العشرية، لأنَّه جعلها مقاطع متعددة القافية يتألَّفُ كلُّ مقطع منها من عشرة أبيات،
وهناك ملحمة ثالثة للشاعر (إبراهيم قار علي)  ألفيته على نحو ألفية مفدي، لكن الملاحظ أنَّ من هذه الملاحم الأربع تتفرَّد ملحمة (عبد العزيز شبِّين) بطولها الخارق ونفسها الفارع الطول، كتب الأديب والشاعر عز الدين ميهوبي عشرة آلاف وأربعمائة بيت شعري متقن وعلى روي الهمزة، هذه بحد ذاتها تعتبر مغامرة ومقدرة عالية لتطويع اللغة العربية، مبتعدا عن الرتابة مرتقيا بالحالة التاريخية إلى الحالة الإبداعية دون أن يحول نصه إلى مقال شكلت الهمزة مُحفِّز ًا إيقاعيًّا فيه امتداد صوتيٌّ سار به على خطى مفدى زكريا في بعض المراحل التاريخية، وفي بعض الاقتباسات التي كانت نتيجة تأثر وتذكر للإلياذة الجزائرية الأولى.
الشَّاعر عبد العزيز شبِّين والبحث عن الهوية إحدى المساعي المهمَّة التي ركَّز عليها النُّقاد وهي شغفه العالي واعتزازه بهويته الوطنية ، والدكتور (عمَّار جيدل) بحث في قضية الكمال والاستقامة الفكرية، 
 واختياره للكتابة عن حرية الوطن والدفاع عنه، ومرافعة منه على حق كل وطني حر أصيل في وطنه وسعيه للرفع من منسوب التحرر في الحاضر والقابل، فكان حَرَكيًّا حَراكيًّا كما عبَّر عنه الدكتور (عمَّار ) غنيًّا بالتَّعبير عن الآلام وآمال وطنه المُفدَّى، عبَّر عن انفعالات الشَّعب ورسم لنا لوحة فنية راقية عن صدقهم مع أنفسهم ووطنهم هذا، وشهد شاعر العرب (محمد مهدي الجواهري) بمقدرته في كتابة الملحمة ، إيقاع متفرِّد، أسلوب وجداني، وبعض النُّقاد بحثوا في الطاقة الإبداعية عن صور الخيال ، شعرية الملحمة، والبحث عن المعمار الهندسي للشِّعْر (سحر المعنى) ومن بين هذه القراءات الكثيرة رحت أبحث في الملحمة عن وجدانيات التَّعبير القرآني وأنا بحاجة أولا لمعرفة الشَّاعر عبد العزيز شبِّين شاعر أكاديمي جزائري، له علاقات مع كبار الشعراء العرب كالبردوني ومحمد بنِّيس ومحمد مهدي الجواهري، وله كتاب ملحمة المراقد، تلك الملحمة التي ادهشت الجواهري حين شحنت النصوص بالرموز والإيماءات والأساطير والاستعارات المعبِّرة عن قراءة التاريخ في سحر الكلمة، عاشق للتَّعب، رحل نحو سدرة المنتهى نحو الفردوس المفقود، وتابع رحلة يوسف عليه السلام، والإسراء والمعراج، ورحلة إبراهيم، ورحلة نوح، ورحلة عيسى وسليمان، وكلها رموز قرآنية، ويستدعي الأنبياء :
(بحبك ألهمت أنشودتي
  فنأي الهوى من لظاها شجر
تورد في خاطري موعد
   بلطف الحسين كزهر الندر
نسخت بفجرك ليل الغراب
   ووهما خليقا بدوحي سدر
ونغمت ملحمتي ملهما
     ولم اشد لولا شهيد القدر
وله كتاب ( أنا البابلي وهذا النجم قامتي ) مجموعة قراءة في خرائط الوهم، والشمس تشرق من الغرب، وعدة إصدارات تقدم قراءة وتعليقا لشعريَّة الكرباسي في عدة كتب، هذه الترجمة هي من وحيه المعرفي بما يمتلك من عوالم وجدانية تحتوي شغفه في القرآن الكريم وعوالمه ورموزه، وبعد هذه التقدمة نلج عوالم الاشتغال القرآني في ملحمة ( الجزائر يادة)،
تحفل الملحمة بالكثير من الاشتغالات القرآنية عبر استخدام الكثير من المفردات والرُّموز وإيقاعات الوجد القرآني، :
 عقدوا العزم ان بعد الردى  تج
     لى حياة اخرى وثم لقاء
مومياء القفصي صبغتها المغ
     رة تكسوها أيهذا الطلاء
نحتوا من ذرى الجبال بيوتا  
 فهي للآمن والسكون خباءُ
تترجم هذه الاشتغالات التي تضيف إلى ثقافة الشَّاعر ومتلقِّيه مضامين أصيلة وتفاعل بين تلك التَّعبيرات وما تزخر به من معنى تنفتح على رؤى شعريَّة لها القدرة على التوسُّع التَّعبيري
 لبني جلاب الطبيعة القت
      ما بها وهي جنة خضراءُ
تقنية الشِّعْر الملحمي معظمها يرتكز على بنية التناص مع الأحداث التاريخية، وأخبار التاريخ والوصف والمآثر،
والاشتغال القرآني يوفِّرُ للنَّص بعدا معرفيًّا في الدلالة، ومنها اشتغالات مضمون بمعنى وجود فكرة قرآنية داخل النَّص وهذا الأمر يبرزُ التَّمكنَ الشِّعْريَّ لدى  شاعرِ الملحمة لينهل من المعاني القرآنية ما يريد، وليقوِّمَ النَّصُّ على قوَّة الاستعارة. :
كل ما في الورى له انشاء
       في وجود بظله ما تشاءُ
 سنن الكون في تغيير حين
وانتقال بما ابتغاه البناءُ
المورد القرآني كانَ مصدرا خِصْبًا لإثراء النُّصوص الأدبيَّة، ومنبعَ إلهام يعبِّرُ عن مدى تأثير الوجدان المترسِّخ في ضمير الشَّاعر، مثل استعماله لجملة (وغيض الماء) ليصوغ  منها شعريَّته بما يتواءم مع مراد القصيدة:
يا بلاد أشربت حزنك في جد
ب قذفت اللظى وغيض الماء
فكأن الأرض الرحيبة سجن
     وبنيها في قيدها سجناءُ
ترابط قوي بين المبدع والقرآن لأن هذه الاستخدامات بمفهوم المضمون الأنسب تتماثل مع النموذج النَّصِّي، وتواصل فَطنٌ يجذبُ المتلقي إلى عوالم النَّص بمعنى آخر هو استثمار الحميميَّة العالية للنَّاس مع القرآن الكريم، وتمسُّك به كضمير معرفي إلهي يُظهرُ مجالَ استفادة الشَّاعر.
 والشَّاعر (عبد العزيز شبِّين) يأخذ آية بكونها مرتكز الأخذ والاستمداد، مفردة تطلُّ على المضمون القصدي الذي يخدم النَّصَّ مثلا في سورة الجمعة/ ٨ :
 (قل إنَّ الموت الذي تفرُّون منه فإنَّه ملاقيكم)
يسوقها شِعرًا لتظهر بصورة استفهام
أجراد من يهدي الحياه؟  المو
 ت الذي ليس من لظاهر اختباءُ
كيف روما تدعو القيم وال
  شمس لا تدعو ما أدى الإيذاءُ
انفتاح الملحمة على الصورة الشعرية وعلى انزياحات تنفتح على عوالم جماليَّة تأويليَّة تعمل لتوصيل المراد القصدي، ولتثريه بالتفاعل والتأويل، ويرى الشَّاعر الملحمي شبِّين أنَّ خير ما يخدم به تراثه الوطني الملحمي عبر مفردات وجمل ولغة ينتقي منها الفاعل الفكري الملائم لمقصده، ويصوغ من اية 4 سورة الفيل :
 (وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل)
ليستعملها بلغته الشِّعْريَّة مستثمرا خصوبة لغة الآية المباركة: 
 وأبابيل نار سجيل ترمي
 كيف لا ترمي قعرها العلياءُ
سورة العنكبوت آية 15 (فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين)
ليصوغ منها أبيات شعرية تمنح متلقيها حرية التأويل وتطويع تلك المعاناة لمفهومه عبر قصة نوح، ومعاناته مع الطوفان وعصيان المجتمع الذي يعمل هو لإنقاذه،
 وهم من حام بقية نوح
      انقذتهم سفينة عَصْماءُ
وظَّفَ عبد العزيز شبِّين الكثير من الرُّموز القرآنية مثل
 (ادم ابراهيم موسى وعيسى
        ثم طه واخبر الإسراءُ
كدت أدعو عشق الجزائر دينا
          أنا مع فتية به عُمَداءُ
لايرى النور غير من سكن الكه
  ف  وأشجى فؤاده البؤساءُ
 آدم وصل بين عيسى وطه
           في تراب توحد الآباءُ
نماذج قرآنية حرَّكت ذهنية المتلقي وكسبت وجدانه، ومثل هذه الاشتغالات من الصعب أن تحتويها قراءة، فقد احتوت الكثير من الرُّموز المقدَّسة،  الأنبياء والملائكة والقدس والخلود وسحر هاروت وخوف موسى والوحي والاصطفاء، واحتوت الهم والتعب والمأساة الإنسانية عبر هذه الرُّموز :
 قيل موسى اننا بهم نلقي أمنا
        جدع الخوف اننا أمناءُ
فقد كنا خائفين كموسى
قبل ان يستضيء فينا الخفاءُ
بعد هذه الجولة رغم قصورها وعدم احتوائها احتواءً  كاملاً لاشتغالات قرآنية أدركت ثقافة الشَّاعر الدكتور (عبد العزيز شبِّين) وهو يعالج بالقرآن موضوعه الشِّعْري ومقاصده، ويفهم روح القرآن الكريم مع إمكانية التَّطويع والتَّغيير ليصل إلى مراده الشِّعْري
 نفخ السفن نفخة من الرماد
   بعث الموتى عنده الأحياءُ
وأدركتُ أنَّ وجودَ الشَّاعر الحقيقي مرتبط بثقافته القرآنيَّة.
              الأديب النَّاقد 
              الأستاذ علي الخبَّاز
              كربلاء / العراق 
              ٢١ / ١١ / ٢٠٢٥ م

photo_٢٠٢٥-١١-٢٣_٠١-١٩-٣٥.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!