كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

معارف فاطمية -٦-   (قراءة نفسية في خطبة السيدة الزهراء "عليها السلام )

 
    بعد أنْ تم بيان القراءة الاجتماعية لخطبة الزهراء "عليها السلام" إجمالًا في الحلقة السابقة في مقطعين من مقاطعها، ننتقل في هذه الحلقة إلى بيان قراءة أخرى تتعلق بالنفس الإنسانية للمؤمنين وحالاتها التي تكون عليها، من خلال التزام المؤمن بتعاليم الشريعة المقدسة، وما فيه من راحة للنفس واطمئنان لها، بما يؤكد عظمة المشرِّع، وعظمة الشريعة المقدسة، وآثار ذلك في بناء الشخصية الإسلامية، وسوق أذكر بعض ذلك المتعلق بهذا البناء.
 قالت "عليها السلام" : 
 (فجعل .. والزَّكاةَ تزكيَةً للنفسِ) 
       إنَّ التأكيد على أهمية إعطاء الحقوق الشرعية، وما فيه من امتثال لله تعالى يؤكد منهج الثقلين، وإنَّ هذه التزكية للنفس وطهارتها والإحساس بأمانها المترتبة على دفع الحق الإلهي في الأموال، مما أكده القرآن الكريم، ودعا إليه في مواطن متعددة، ومنها قال تعالى: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)) [الشمس: ٧-٩]، فأداء هذا الحق هو أحد السبل الإلهية لتزكية النفس وفلاحها، وقال تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)) [الأعلى: ١٤] وغيرها من الآيات المتعددة.
 ومما ينبغي بيانه في هذه القراءة أنَّ أداء هذا الحق الشرعي المتعلق بالأموال له آثار نفسية متعددة، يؤكد الدعوة الفاطمية المباركة ومنها📖: 
١-  الطمأنينة بأداء التكليف الإلهي الموجَّه من المولى إلى العبد، وهذه نعمة عظيمة يستشعرها الذي وُفِّق لذلك تمامًا، بل هذه هي حقيقة العبودية والاعتراف بها دائمًا بين يدي الله عز وجل (إياك نعبد).

٢-  التأكيد على عظمة هذه النفس التي لم تتلوث فطرتها بالإفراط بحب الأموال الذي تؤدي إلى ضياعها وانحرافها، حيث قال تعالى في بيان صفات بعض أولئك المعاندين والمضطربين في طاعتهم لله تعالى: ((فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ .. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ .. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)) [الفجر: ١٨-٢٠].

٣-  إنَّ هذه الراحة والسكينة التي يكون عليها الإنسان في أدائه للحقوق الشرعية المالية قد بشَّر الله تعالى الإنسان بمقامها ومنزلتها على النفس، فضلًا عن آثارها الكثيرة الأخرى في المجالات المتعددة، حيث قال تعالى: ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [التوبة: ١٠٣]، فهل هناك منزلة مباركة أعظم من ذلك.

٤-  إنَّ هذه النفس تحتاج إلى حالة الاستغناء عن سدِّ حاجاتها باللذات المادية والشهوانية فقط، والانتقال بها اللذة الروحية التي تعيشها في عالم فسيح جدًّا لا يمكن للحدود أنْ تقيِّده، فأداء الحق الشرعي إلى علاج مريض أو شراء دواء أو مأوى ليتيم أو غيرها من المواطن فيه أعظم تزكية للنفس وطهارة واطمئنان وسرور عندما تعرف ما قامت به من خدمة عظيمة لإنسان آخر كرَّمه الله تعالى بـ(الابتلاء)، وكرَّمها هي بـ(الفرج) عنه من ذلك.

٥-  إنَّ التزكية التي أشارت إليها الزهراء (عليها السلام) وآثارها في أداء الحق المالي الشرعي هو الأمر نفسه الذي كان ينادي به أبوها سيد الأنبياء المبعوث رحمة للعالمين النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم": ((بتزكيةِ النفسِ يحصلُ الصفاء)). فهذا الصفاء الذي تكون عليه النفس هو نوع من أنواع المخرج الإلهي لعباده من عبودية المال واللذات والشهوات.
      إنَّ هذه الآثار الخمسة العظيمة على إجمالها لها أثر بليغ في تربية الإنسان على المستوى الفردي في طهارته، وأنْ تكون له نفس مطمئنة بطاعة الله تعالى، راضية بتكاليفه الشرعية، تتنافس مع الآخرين للوصول إلى رضاه، وهذا لا يناله إلى ذو الحظ العظيم.
 
 ختامًا .. 
إنَّ تأكيد السيدة الزهراء "عليها السلام" على هذه الفضيلة لهذه الفريضة هي دعوة مباركة لجهاد النفس الأمارة، والانتقال بها إلى النفس المطمئنة الراضية المرضية، وعدم الالتفات إلى وساوس الشيطان بمنع الحقوق الشرعية بذرائع واهية، فسلامة النفس، وطهارة القلب، ونقاء الروح هو الغنى الحقيقي .. والسلام

فاطمة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!