كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 انه الموت سادتي ، انه الموت!

 انه الموت سادتي ، انه الموت!
من مجلس فاتحة المرحوم علي الهمام

في لحظة لا تنتمي الى فصيلة الوقت ، ولا تمت الى مفصل الزمن ، ينسل ذلك الهاجس الغريب ، وهو يكسر جدر الصور ، وحواجز الشخوص ، وموجودات الوجود ، ليعلن عن قيمومته من دون سطوة لسلطة ، او قسر لحاكم جائر ، او ارهاب لأمير باطش .. هو هكذا ، مختبئ متوار خفي ، لم تشفع له تفسيراتنا القاصرة ، ولا تأويلاتنا المحبطة ، ولا استدراكانا المتواضعة .. ينسل منا ومن بيننا ، حتف انوفنا ، ليعلن عن بسط مملكته الرمادية المهيمنة ، ويشير الى شواخصها الموغلة بالغريب ، والسنتها النارية المغالية حد الدهشة بالأغرب .. لعلنا نسمع به في كل يوم ، ونستحضره في كل ساعة ، ونشاطر افكارنا بظله القريب البعيد . ولكننا لم نصل الى مقترباته المتوارية ، وابعاده النائية . قد يحلنا المفسرون الى طلسم ما ، او حكاية غرائبية هناك ، او لحظة من الايغال بالاندهاش ..لكننا وبعيون غائرة ، لا تقف على شاخص ما ، نوغل في البلادة لدرجة اننا نتخبط بمفرداتنا اذا حضر ، وتعترينا رعشة غريبة حال مرور طيفه بنا ، وتتلعثم السنتنا في حال ان ذكرناه بحقه وحقيقته .. فلا فصيح ولا عجمة ولا فقه لغة ، او بلاغة تناهز قوله الفصل .
قد يكذب عليك كبير سن ويدعي انه خبره ، وعرف مصادره ، او انه تعود عليه ، وتغلب على غرائبيته وغرابته وغربته .. قد اقول واعلن : ان هذا من شطحات الكلام وضباب القول . وكيف لا ونحن الذين سمعنا ان انبياء واصفياء لله تعالى حل بهم الارتباك ، وساد القلق ، وهيمن التلعثم والتعثر والتخبط على جل افعالهم .. اننا ندرك جيدا ان وقعة الموت ، خبره ، نبأه قد حل علينا بصورة لم نحلم بها ، ولم نصل الى مستشرفاتها ، ولم نعي صورتها ، او يصل تفكيرنا المتواضع الى اعتابها .. لكن مهيمنات ذاك الحدث الكبير ، وتلك الهزة البركانية قد فاق كل تصورتنا ، وما يعتمل بالإحساس ، ويختبئ بالمكنون، حتى ان الصحوة التي تنتابنا لم نجدها في اي وقت آخر ! قد نحسبها نشوة ، صحوة ، انتقالة .. وهكذا تنسل من ثنايا انفسنا المرتبكة زمر منظمة ومبعثرة تسأل عن حقيقة هذا الموت ، وقته ، ميقاته ، صورته ، مشهده ، احداثه ، حركاته ...وهنا ، وما ان يلتقي ويجتمع الحائرون التائهون الهائمون بحقيقته ، حتى يمطروك بعبارات متملقة ، عن والاجل والفقد والفراق ، ملوحين الى كل منهم بانهم يدركون حقيقته ، ويعرفون ابعاده ، ويهتدون الى مفاتيحه ..ويعززون ذلك الكذب الوهم بقصيدة شاعر ، او قول مأثور لكاتب ، او حكمة لفيلسوف ، او عظة متناقلة ، وحكاية جاد بها العالم الفلاني ، والمعلم العلاني ...لكنك وبطريقة كشف الحجب تضحك في سرك على هذا التيه الذي يتجدد بنا . وهذا التملق البزوني الذي يستدر عطف سيده ، ويخطب ود صاحبه .
الوجوه التي تقصيت معالمها ، واستشعرت مرتسمات محياها ، وبحثت بما يتوارى خلف تغضناتها عصر هذا اليوم ، وفي مصاب (علي الهمام) وجدتها توغل في التيه ، وتبالغ بحيرتها . وهم يصبون كلمة موت مباغت ، مفاجئ ، سريع على من فقدنا . لكن العبارة تبدو متواضعة قبال الحقيقة التي يدركونها ، والتي لم تعلن البتة عن مسلمات هذا الموت .. اعدت قراءة الفاتحة ، وسرت وصديقي القاص (على سمير باني) ونحن نسال عن حقيقة ذلك الموت .
لا تعجب يا سيف من حثي الملح اليك بالاحتفاء بوالدك الذي غادرنا قبل سويعات ، انما نحن شهود عدول على ثقل الالم الذي حمله ، وكبر اللوعة التي المت به ، وحجم الفقد والهم الذي اجهز عليه . حتى انه كان يحدثني بانه صورة تمشي بغير اعضاء ..عانى والدك من امراض ومشكلات القلب الذي نذره اليك ، انت يامن كنت باكورة وجوده ، ويامن كنت باكورة كتاباته . كان اسمك حاضرا في مفكرته اليومية ، كان اسمك شاخصا في عيونه ، كان كل شيء في مرتسماته يقول : سيف .
قلت له يوما وامام الملأ ، وعلى مرآي من هذا المستطيل الفضي الوقح الذي يجبرك على الكتابة : ارفق بنفسك فقد ابكيت الناس الذي لاموك بهذا الحب ، حتى ان البعض حسبه جزعا ، لكنك قلت لي انه ابني البكر ، والاول ، ومن احتفي به في حياتي . المهم انه سيصلك محمل بهذا الثقل الكبير الذي سيزيحه وجهك ، وسيعقد هناك الف اصبوحة وامسية ومهرجان .. بل قل ان فكرة مهرجان البريكان التي نافت على استعداداته ، سينفذها هناك بأسماء مستعارة اخرى . سيعتلي المنبر بصراحته ، ويقدم كلمته بمباشرته التي تفوق الفطرة ، وسيعلو صوته لينشد قصيدته عنك وبحضرتك ، سيلهج باسمك الثلاثي ، ويردد رائعة ذلك الرجل : ان تقل يا سيف لتستعينه يجبك قبل ان تتم سينه .
قلت له مرة :علي ان خير من نهض بمنتدى الزبير الادبي ، وانا اعترف ان دورتي لرئاسة المنتدى التي تعدت العشر سنوات كانت دورة سلحفاتية ، لكنك اشعلتها بالأنشطة والفعاليات ، حتى اشاروا على المنتدى من اماكن بعيدة وقصية ، وكنت ايضا اداريا جيدا ومتابعا واعيا .. وحينها اعترفت لي بانك ستستكمل مسيرتك المهنية بترشيحك الى اتحاد الادباء في البصرة ، لكن الاجل يعيد علينا رسائله الخاطفة ، ويضحك علي سذاجتنا وجهلنا اكثر عندما نتفاجأ بعدم اكتمال آمالنا القريبة .. انه الموت سيدي ، ذلك الذي يتربص بنا ونحن كأفراخ الحمائم في العش ننتظره ذاعنين ، بعد ان تتوارى عنا كل مفردات الحضور ، وتغيب عن افكارنا كل تضرعات الدعاء ، وتختفي بمحمولنا كل الصور التي تتعالى خلف السدم البعيدة .
لا بأس بالثالثة ابا سيف ..
(تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا الى الآثار)
قبل يومين حدثت صديقي (حسين ساجت النمر) قلت له : ابا علي ، مشاريعنا نحن الادباء المتأدبون لا يحتويها زمننا القصير ، عجيبة هذه الايام ، وبأشهاد الكل باتت كالساعات ، والترجيحات والتفسيرات والتأويلات كثيرة ، فهناك من يحسبها علامات الساعة ، وبدايات الظهور ، ويربطها بأقوال وتنبؤءات وتوقعات والله اعلم سبحانه . وردفت ، يتصل بي الصديق (علي الهمام) الساعة العاشرة ، انظر الى ساعتي اجدها الساعة الواحدة او اكثر ! رد علي ايعقل هذه الساعات كلها في مهاتفة واحدة ؟ قلت : نعم . وهذا الامر ان لم يحدث ، فمرة في الاسبوع على الاقل . فرد علي وماذا يدور في هذه الساعات ؟ قلت . يستعرض الهمام حياته العسكرية ، ومطاردة السلطات اليه يوم سكن في منطقة الجمهورية ، وعلاقته مع سماحة السيد نعيم الحصونة التي جلبت عليه الويلات والمساءلات ، واجبرته على المبيت في المزارع وتعيينه (الصدفوي) في شركة الحفر، واشتغاله بإعلامها ومجلتها ، ، ويعيد عليّ يوم اشتغلنا في جريدة المواطن ، وجريدة سنام ، وصدى الزبير مع الاحبة الدكتور حسين فالح والاعلامي كاظم المشرفي . والمصمم قاسم الصخرواي وخليل الحاج ناصر ، وتقاسمنا بعض دريهمات بيننا . وبدايات اتحاد ادباء الزبير ، وامراضه التي تجبره ان يسافر الى ايران ، وعلاجاته المستمرة ، وطموحه الذي يسابق البرق كيما يصل الى مثابة دائما ما تغادر اطيافه ... الى غيرها من تبادلات الرأي وتقييم الموقف الادبي . كنت اقاسمه حديثا خاصا وانا الذي اخبره جيدا ، واكتشف حساسيته المفرطة قبل ان يطلقها ، لذلك كنت اكرر القول عليه : يا علي الهمام حاول ان تتكلم بلسانك لا بقلبك !ذلك القلب الضعيف الشائخ الذي سيخذلك يوما ، القلب الذي كان مترنحا قبل ان تفقد سيفك ، واعلن عن انكساراته النهائية واشهاره للرايات البيض بعد وفاة سيف .. فيرد علي هذا طبع استفحل بجديتي لكل الامور.
كان طموحا بحجم طموح الارض ، يحاول ان يكسب كل الناس الى دائرته التي تضيق به ، حدثته يوما انا اكبر منك سنا ولي باتحاد الادباء زمن تعدى الاربعين سنة ، ولكنني لا اعرف الا بعض من ادباء بغداد والمحافظات ، فكيف عرفت هذا الكم الكبير منهم ؟ فيضحك ويقول : لأنك اديب وطبعك الانزواء ، وانا رجل عشيرة وطبعي الاختلاط .. فنضحك .
نم قرير العين ابا سيف.. ولا تخف ، فانت في حضرة الرحمة ، كل الرحمة ، انت بحضرة رب غفور يحنو على عياله اكثر من حنو ك على سيف

علي الهمام.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!