من ورَّخ مؤمناً فقد أحياه، فكيف لو كان هذا المؤمن عالِماً من أساطين المذهب، وأعلام الفقاهة؟
إنّي أحيا بذكر هؤلاء الأعلام، ومنهم أستاذ العلماء ومربّبيهم أعني آية الله العظمى الميرزا محمد حسين النائيني (قدّس سره)
ففي يومٍ من سنة 1276هج تفتَّحت أكمام نهاره عن فجرِ هذا الوليد، وتفتَّقت زهوره عن رحيق هذا المولود جاء إلى الدُّنيا مالئ دنيا العلم بنظريَّاته ومزيّن سماءها بعلومه.
وغادر أصفهان إلى سرَّ من رأى، ثمَّ كربلاء، ثمَّ إلى باب مدينة العلم النجف الاشرف، مهوى افئدة المحصلين من طلاب العلم، ومنتجع روَّاد الفقاهة من أهل الفضل، وغاية آمال أهل المعرفة، ومنتهى رغبات أولي الفطنة، وكيف لا تكون كذلك وهي عيبة باب مدينة العلم، ومثوى أعلم أهل الأرض بطرق السماوات؟
وإذا كان معيار العالِم بثلاثة أمور:
مؤلّفاته
وتلامذته
وعباداته
فقد جرى في مضمار السبق حتى حازها جميعاً
أمَّا مؤلّفاته، فيقول سماحة الشيخ الوحيد الخراسانيّ (دام ظله) في مقطع فيديو ما مضمونه: إنَّ الفقهاء يفتخرون بفهم كلماته الدقيقة في رسالته عن اللّباس المشكوك!!
ناهيك عن أنَّ مقرّري بحثه الشريف الآيات العظام السيد الخوئيّ "أجود التقريرات"، والشيخ محمد علي الكاظمي "فوائد الأصول"، والمرتضويّ اللّنكروردي "التقريرات العالية في أصول الفقه" وغيرهم في غيرها.
أمَّا عبادته فإليك ما قاله الشيخ آغا بزرك الطهرانيُّ (قدس سره): كان إذا وقف للصلاة ارتعدت فرائصُه، وابتلَّت لحيتُهُ من دموع عينيه.
كان حشا بيانه مليئاً بنظريات العلم ، وحلقة درسهِ مزيَّنةً بأعمدة الفقاهة، وقد ألقَت إليه حوزة النجف بخلاصة فضلائها ، فمن حضَّار درسه:
آيات الله العظام: السيد المحسن الحكيم، السيد أبو القاسم الخوئي، الشيخ حسين الحلي "الذي يراه بعض الناس أنَّه أعلم من السيدين، ونظير العلَّامة الحلّي في الإحاطة بالعلوم" العلَّامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، السيد محمد هادي الميلانيّ، الشيخ عبد الحسين الأميني صاحب الغدير، وغيرهم.
وبعض هؤلاء تسنّم كرسي زعامة الشيعة مثل السادة الحكيم، الخوئي، الميلاني.
وبعضهم أعرض عنها وكان جديراً بها كالشيخ حسين الحليّ (قدَّس الله أسرارهم)
وكان – لدقّة مباحثة- لا يحضر درسه إلَّا الأوحديّ من الطلبة، والمتميّز من الفضلاء؛ لذلك كان يقول السيد محسن الأمين العامليّ ما مضمونه: لقد كان السيد أبو الحسن الأصفهانيّ أعرف عند العوام، والشيخ النائينيّ أعرف عند الخواص.
وأراد بالخواص الطبقة العاليَّة من أهل العلم، كالمجتهدين، ومن هم في طريق الاجتهاد.
ولطالما كانت حوزته – من الناحية العلميَّة – أقوى من حوزة السيد "أبو" الحسن؛ لنوعية التلاميذ الذين يحضرون عنده، حتى أنَّ السيد الأصفهانيَّ أشاد بها، ووصف تلميذين منها بالأسدين، وهما السيدان الخوئي والميلانيّ.
من أقلّ حقوق علماء الحوزة العلميَّة المشتغلة بالدّرس والتدريس، والذود عن حياض الشريعة، والدفع عن بيضة الإسلام، والجهاد في سبيل الله حقَّ جهاده، وتربية طلبة علوم أهل البيت، وكفالة أيتام آل محمدٍ (عليهم الصلاة والسلام) أن نعرّفهم إلى الناس، وما أقول فيهم بعد قول أمير المؤمنين عليه السلام بما مضمونه: أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
أي والله، أمثالهم موجودةٌ في القلوب، وأحياناً حين أمشي في طرقات النجف القديمة أقول: هنا – في جامع التُرك – كتب الشيخ الأنصاريُّ المكاسب والرسائل، ومن رحم هذه الحلقة ولدت الكفاية، وهنا – على عتبة هذا الباب – جلس السيد الحكيم يكتب المستمسك ، إذ كان فقيراً ليس عنده ما يشتري به الكتب، فيستعير الكتاب من صاحبه ويقعد على باب داره ينقل منه؛ لأنَّ صاحبه لا يرضى بخروج الكتاب من الدَّار، وأتخيَّل – في هذه البقعة من محلّة العمارة – يقف السيدان الخوئي ومحمد باقر الصدر يتناقشان في علم الأصول، وقريبٌ من أعتاب باب الطوسي سطر الشيخ كاشف الغطاء أصل الشيعة وأصولها، وفي محلّة الحويش عند مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) دبّجت يراعة الشيخ الأميني موسوعة الغدير.
ففي كلّ ذرّة ترابٍ من النجف الأشرف شاهدٌ على تاريخٍ طويلٍ من دنيا العلم، وفي كلّ نسمة هواء منها معلمٌ من ترانيم مناجاة، وترنيمة صلاة، ومناقشة حادَّة بين طالبين يستشكل أحدهما فيردُّ الثاني إشكاله، ومن يرى حدَّة لهجتهما لا يتخيّل سلامة ذاتهما.
حمى الله النجف، وحوزة النجف، وعلماء النجف من كيد كلّ كائد، بحرمة أمير المؤمنين (عليه السلام) ومداد علمائها، ودماء شهدائها.



التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!